سلايدرقضايا المجتمع

العيد السوري سماوي النكهة!

لماذا تطيل النظر إلى السماء يا أبي؟ أعدّ النجوم يا بنتي. لكنك تعدها منذ سنين ولم تتغير!!

يحيل وجهه عن براءتها، وصمت طويل كجبل يجثو على صدره؛ ثمة مغالطة كبرى في الكون أن يبكي الرجل أمام طفله، وأن يدرج أمامه سيل الآهات ومعاني النجوم تلك. فكيف يحبسها وهو لا يكف عن تعدادها! تعالي نعدّها معًا:

ثمة نجم يهز الكون أرجوحة وجود، كان طفلًا ذات يوم يلاعب بسمات الأطفال، على مراجيح العيد، تتقافز ضحكاته كأنها غزالات المرج والوقت ومعًا، وفي يوم مولده كان الكون موسيقا متناغمة، واليوم هو ذا نجمة تتلألأ..

وطفل آخر يداعب غيمات تمر من تحت إطلالته، ذو أضواء تتكسر بين ثناياها، يحاول إزاحتها كي لا تحجبه؛ يعجزه تحريكها كونه بات بيد واحدة! فقد بُترت الأخرى بفعل قنبلة طائرة مركزة، وبات عاجزًا عن الإحاطة بكلتا يديه، والإحاطة فعل حنان وضمّ! كان يغمر وجه أمه وحضنها بهما، لكنه اليوم استحال نجمة وحيدة الظل بلون وحيد يتكسر ألمًا، لكنها كما بلورات صقيع الثلج تبهر…

ورعيل من النجوم هنا وهناك، هناك درب التبانة في رحلة النجوم، يشابه طريق “التبن” حيث يجمع الحصاد، هناك درب حمص وحماة وحلب، والآخر درب داريا والغوطة وحوران، وفي جهة أخرى، درب السهل والفرات والدير، وفي ضفة ثانية من الكون، درب الساحل والغاب والجبل، وعلى مثلث كل منهما، درب عيون تتربع على زاويتها عيناي ….

هل عرفتِ ما النجوم يا وليدتي؟

يا أبتي، يا حزنك المقعد في قاع يومنا العميق، ولمَ لا أقول إنك تضحك عليّ بهذا يا أبي؟ تغريني بأن مشهد النجوم أجمل وأبهى من أي ملامسة أرضية، من أي شكل وجود لنا في هذه الأرض الكارثة، تضحك علي حتى لا أطالبك بثياب عيد، بمراجيح العيد، بحلوى العيد….

تشرد عينا أبيها ويزداد هطول قلبه… يا نوارتي… تقاطعه ابنته: هل تظنني لا أفهم أو لا أعلم؟ اسمع مني يا أبي، وأنتم الذين طالما ردّدتم أمامنا أن هناك حياة أخرى في اليوم الآخر أكثر جمالًا وعدلًا، يوم يصنف الله عبيده بين أخيار وأشرار، ونصيب الأخيار منا، والأطفال في مقدمتهم، جنة خالدة، فلماذا تبكي اليوم؟! ألم يذهبوا إلى تلك الموعودة التي كنت تحدثني عنها! ويزداد الأب ذهولًا…

يا أبي، هل تعلم أننا نعلم كل شيء، ولقد أرسلنا مع أحدنا ذات يوم، قبل سبعة أعوام وأكثر، رسالةً إلى الله “أن يخبره بكل شيء”، يخبره بليالي الحصار الطويلة، البرد الطويلة، الموت البطيء، بأيام القصف الجوي والبري والموت الأصفر الكيمياوي.. الهجرة الإجبارية والنزوح وسفن الموت البحرية أو القتل كيفما اتفق؟ ترى يا أبي، هل وصل رفيقنا إلى الله وأخبره؟ أم لم يستطع الوصول؟ ولماذا لم يفعل الله شيئًا لنا؟ لماذا يصرّ على قهرك، على تكديس الألم في قلبك، في قلبي أمي، على جعل الخوف حاضرنا المستديم، والموت خلاصًا من هذا وذاك…؟

يا الله، لو كنت ذا عدل وصاحب جلالة، لفعلت! لو كنتَ ذا قدرة وقيامة لما غفوت أو سهوت! يا من استبدلت ولد إبراهيم الخليل بكبش من السماء تفتدي به ابنه، ألم تستطع أن تفتدينا نحن وآباءنا المقهورين بقطيع من الكباش؟ أم أنك تسمع آلام إبراهيم والمسيح وأمثالهم الأنبياء وحسب؟! وبت أشك في أنك تفتدي أبناء الأغنياء فقط..

يكفي، يكفي يا بنتي، يكفي لا تكفري بالله في ليالي عشر عيده…

تنفلت حنجرة الطفلة ويعلو الصراخ: أيّ عيدٍ يا أبي، أي ليال عشر يا أبي؟! تعال أنت وعد معي معاني الكفر هذه، هل تذكر حمزة الخطيب ومثله الآلاف حين باتوا نجومًا، بحسب قولك، بدءًا من المعتقل؟ هل نسيت؟ ألا زالت تسمع تكرار الصدى وهو يردد، يا قرة عيني: “أمانة عيوني”، في ملحمة طفولة في السابعة من عمر الورود، حين فقد بصره فجأة ودخل الكون من حوله في عتمة هول شديد، وكان الطفل يحب نور الحروف والله أيضًا! وذاك الذي لم يزل يلحن أسطورة الوقوف وعدم الخشوع على بحر وجعه الممتد بين كل أوتار العزف وما فتئت قيثارته تردد: “شيلني، يا بابا شيلني”، حين قطعت قذيفةٌ قدميه، ونزفت من كل جنباته أسطورة الوقوف والجري خلف الفراشات، وأبوه يقف مشدوهًا في ذهولٍ وهولِ فجيعة، كما كان كل ضمير في هذه الأرض في ذهول وصمت مطبق، وكان الله يكتفي بالفرجة والنظر… إن الله بلا عدل يا أبتي، فأيّهما الكفر؟ أجبني..

تسعة أعياد مرت يا أبي وأنت تنتظر، وأمي تنتظر، وجارنا، وجارتنا وأنا ومن بقي منا أطفال الحي، ننتظر عدالة الله، جنته الموعودة، فرجه المعهود، ننتظر تفسيرًا ولو كان بسيطًا، لزيادة ابتلائنا بهذا الهول من الفاجعة المتراكمة، حين يحبنا الله ولم ينصفنا بعد!

تسعة أعياد، والله ذو الجلال والعزة والقدرة، لم يفعل لنا شيئًا سوى أنه زاد في اتساع السماء لنمر إليها نجومًا! فهل عدالته هذه ما يستطيع… أم أن الله غير موجود!

يقال إن جثة الأب وُجدت بعد يومين من هذا الحديث باردةً، عيناه مركزتان في السماء، وصورة وجوه جميلة لأطفال كثر قد التصقت بها، ويده اليسرى كانت تشير إلى السماء والأخرى تلتحف قلبه، وابنته تمرّ بيدها على رأسه تراقبه عند كثب، تحار بين درب السماء السعيد هذا، ومعراج الأرض الرهيب، حين بات العيد في الأرض وبالًا، والجنة خدعة كبرى، والسماء متسع للفرح وتراقص النجوم، بينما غدت الأرض آلات قتل لا تتوقف، وغدا الإنسان وحشًا تحكمه شهوة الدم وقتل الطفولة الحرام… وقلبُها يردد قول والدها الأثير: وحده الكون موسيقا فرح متناغمة..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق