مقالات الرأي

تنميط صورة الآخر: الإسلامي والعلماني نموذجًا

تُعرف الصورة النمطية بأنها تعميماتٌ مؤسسةٌ على الشائعات والآراء التي لا تستند إلى براهين علمية تجريبية، أو الصورة الذهنية الثابتة التي تتسم بالجمود والتبسيط المفرط.

ويرى الكاتب الأميركي دينيز ديفيز، في كتابه (الاتصالات الشعبية والحياة اليومية) الصادر عام 1982، أن الصور النمطية تمثل رأيًا مبسطًا، موقفًا عاطفيًا، حكمًا متعجلًا غير مدروس، يتسم بالجمود وعدم التغيّر، وحدد (ديفيز) أثر الصور النمطية، بالقول: “إننا عندما نكونها عن شعب، فإن هذا يعني عدم اكتراثنا به، وأنه ليس جديرًا منا بالاهتمام الكافي لفهمه وإقامة علاقات معه”.

استنادًا إلى هذا المفهوم للصورة النمطية الجامدة البسيطة؛ تحضر رؤية بعض الإسلاميين العاملين في الحقل السياسي، للعلماني على أنه “كافر ملحد، غير أخلاقي”، بحيث لا يجوز السلام عليه في حياته، ولا الرحمة عليه في حال وفاته. ليس هذا كلامًا قرأته على وسائل التواصل الاجتماعي فقط، بل هو واقع معاش، عشته في تجربتي في الاعتقال السياسي، منتصف الثمانينيات، حيث كان هناك بعض المعتقلين الإسلاميين يرفضون إلقاء التحية على المعتقل العلماني، بذريعة أنه “ملحد كافر”، بينما في الوقت نفسه يلقون التحية على سجانهم كونه “مسلمًا”، كما يعتقدون.

في المقابل، هناك بعض العلمانيين، استنادًا إلى هذا الموقف العدائي المتشنج، لم يميزوا بين الإسلام كدين، كمنظومة قيمية ثقافية هي الجانب الأهم في الثقافة القيمية السورية، وبين من يمارس الإسلام كأيديولوجيا سياسية حزبية، وقد وصل الأمر بهم إلى الدعوة إلى اجتثاث الإسلام من أنساق المجتمع كافة، بمعنى آخر: لم يميزوا بين بعض التيارات السلفية التكفيرية، أمثال (داعش) وأخواتها، وبين الإسلام كدين، تُستمد منه المنظومة القيمية الاجتماعية الثقافية السائدة في المجتمع.

السؤال القديم الجديد: أليس لهذه الصور المنمطة مسبقًا من حلّ لدى الاتجاهين؟ أم أن القضية صعبة وغير قابلة للحل؟

ألا يستطيع كلّ من الإسلامي والعلماني تقديم صور منصفة عادلة عن الآخر؟ أم أن هذه الصور النمطية المتبادلة عن بعضهما البعض وُجدت لتبقى، وربما لتخدم البعض في البروباغندا السياسية الحزبية في أوساطه الاجتماعية؟

هذه الصورة الصدامية المتبادلة بينهما انتقلت فيما بعد، وتحديدًا بعد ثورة 2011 في سورية، لتطرح إشكاليات فكرية وسياسية في الواقع السياسي المعاش، تتعلق بالهوية وبطبيعة العلاقة بين الدولة والإسلام، ومدى إمكانية التعايش بين الإسلام والعلمانية، كما هو حاصل في الدول الديمقراطية كافة، وتحتاج إلى ندوات حوارية ومكاشفات سياسية بين العلمانيين والإسلاميين، للوصول إلى حل لهذه الإشكاليات.

هذا المناخ العدائي السائد بينهما يتطلب بإلحاح من قبل (الإسلاميين والعلمانيين) إعمال العقل، من خلال الحوار المتبادل من أجل الوصول إلى رفض الصور النمطية المسبقة عن بعضهما البعض، والاقتناع بما ينتجه العقل، خاصة أن بعض هؤلاء الإسلاميين يعيشون في دول ديمقراطية علمانية، وهم يتقبلون كل ما تنتجه هذه الدول، باستثناء ما تنتجه العلوم الإنسانية خاصة الفلسفة وعلم الاجتماع والسياسة… إلخ. فهم يريدون العودة إلى السلف الصالح، بدلًا من العودة إلى هذه العلوم. وهل يمكن عودة السلف الصالح أمثال الخلفاء الراشدين (أبو بكر، عمر، عثمان، علي)، ولو افترضنا أنهم عادوا، فهل يمكن أن يحكموا اليوم كما حكموا سابقًا.

كذلك الأمر بالنسبة إلى بعض العلمانيين الذين يعيشون في الدول العلمانية الديمقراطية، بالتأكيد أنهم لاحظوا العلاقة الحيادية بين مؤسسات الدولة العلمانية والأديان كافة واحترامها. أي أنها لم تعمل على اجتثاث الدين من المجتمع، بل عملت على صيانة حق الفرد بالتدين من غيره، ومنعت فرض أي دين أو أيديولوجيا على مواطنيها، كما يحصل في الدول الاستبدادية.

بالعودة إلى وثيقة “عهد وميثاق” الصادرة عن حركة الإخوان المسلمين في سورية، بتاريخ 25 آذار/ مارس 2012، وتحديدًا في البند الثالث الذي يتضمن الآتي: “يلتزم الإخوان بالعمل على قيام دولة مواطنة ومساواة يتساوى فيها المواطنون جميعًا، على اختلاف أعراقهم وأديانهم ومذاهبهم واتجاهاتهم، وتقوم على مبدأ المواطنة، التي هي مناط الحقوق والواجبات، ويحق لأي مواطن فيها الوصول إلى أعلى المناصب، استنادًا إلى قاعدتي الانتخاب أو الكفاءة، كما يتساوى فيها الرجال والنساء في الكرامة والإنسانية والأهلية، وتتمتع المرأة بحقوقها كاملة”، وإذا ما أضفنا تصريح رياض الشقفة (المراقب العام للإخوان المسلمين): أن “من حق المسيحيين الترشح وتولي منصب رئيس الجمهورية، وأن ذلك لا يعارض طالما أنه يتم باختيار الشعب”؛ فإننا نكون أمام سؤال مهم: أليس هذا الكلام يتضمن جوهر الدولة العلمانية، الذي من المفترض الاستناد إليه في الحوار العلماني الإسلامي؟

أليست تجربة الدولة التركية ماثلة أمامهم؟ هل علمانية الدولة التركية أفقدت الشعب التركي إسلامَه؟ كذلك الأمر في دولة الهند العلمانية، حيث تمارَس طقوس الأديان السماوية وغيرها كافة، وكذلك الأمر في الولايات المتحدة الأميركية ودول أوروبا، حيث يمارس المتدينون طقوسهم، ويمارس ملايين المسلمين اللاجئين فيها عباداتهم من دون اعتراض، وفي الوقت نفسه، نجد أن بعضهم يكفرون هذه الدول وشعوبها الأصليين!

يُستنتج من ذلك أن حال العداوة بين الاتجاه العلماني والإسلامي مصطنعة ووهمية، وهي من اختراع الذي يتطلع إلى إقصاء الآخر، إنه الاستبدادي، بغض النظر عن تسميته وهويته، سواء أكان إسلاميًا أم علمانيًا.

أليس هناك إمكانية للتوافق على أن الحكم والسلطة السياسية منتج علمي قابل للتغير تبعًا للمتغيرات السياسية والاجتماعية وغيرها، فلا قدسية له، وقرار تغييره يعود إلى الصناديق، أي إلى ما يراه المواطنون مناسبًا لهم. فالحاكم موظفٌ يقوم بمهماته ويمارس صلاحياته التي خولته إياها نتيجة الانتخابات، وهناك مؤسسات تراقب سلوكه الوظيفي، وقد تعاقبه إذا ما أخل بوظيفته، مثله مثل أي موظف في مؤسسات الدولة.

تلك هي العلمانية، التي هي في جوهرها غير معادية للإسلام وللأديان الأخرى، بل هي ضد تدين الدولة ومؤسساتها، وفي الوقت نفسه لا تعمل على إزاحة الدين من الحياة الاجتماعية للناس. في هذه الحالة يمكن للدين أن يلعب دورًا مشجعًا على التشارك بين الجماعات المتنوعة في المجتمع، بعيدًا من السلطة السياسية والقوة والإكراه، كما هو حاصل في الدول الديمقراطية العلمانية.

حينئذ، يُعدّ الدين حاجةً روحيةً ثقافيةً للناس، لا يجوز إزاحتها من حياتها اليومية. وبناء على ذلك، فإن العداوة الحقيقية ليست بين العلمانية والإسلام، إنما بين التيارات السياسية التي تريد إقصاء بعضها البعض، عن الفعل الاجتماعي والسياسي.

أخيرًا، إذا توصل كل من الإسلاميين والعلمانيين إلى أن النظام الاستبدادي هو العدو الوحيد للجميع؛ فسيصلون إلى صور منصفة عادلة عن بعضهما البعض، وإمكانية التعايش بينهما قابلة للتحقق، ضمن دولة القانون والمؤسسات التي تقف على مسافة واحدة من مواطنيها، بحيادية حيال الأديان، الأيديولوجيات، المعتقدات القيمية، والأحزاب السياسية كافة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق