تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

المنطقة الآمنة… الحل الوسط

بعد ثلاث جولات مفاوضات رئيسية، بين عسكريين أميركيين من وزارة الدفاع البنتاغون، وأتراك من الدفاع، أعلن الجانبان الأميركي والتركي التوصل إلى اتفاق يقضي بإنشاء مركز عمليات مشتركة في تركيا، لتنسيق وإدارة إنشاء “منطقة آمنة” شمالي سورية، لضمان إزالة الهواجس الأمنية التركية، على أن تكون هذه المنطقة ممرًا (كوريدورًا) آمنًا، يمكن أن يساهم في الجهود التي تسمح للمهجّرين السوريين بالعودة إلى بلدهم.

لم تُعلن تفاصيل ومواصفات المنطقة الآمنة التي اتفق الجانبان عليها، لكن بعض المصادر التركية والسورية المعارضة تحدثت عن منطقة آمنة تمتد بين 30 و35 كم، على طول الحدود مع سورية، تكون خالية من ميليشيات “وحدات حماية الشعب” التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، وخالية من أي تحصينات أو أسلحة ثقيلة لهذه الميليشيات، فيما قالت بعض المصادر الأوروبية والأميركية إنها تمتد بين 5 و 15 كم، على طول الحدود التي يصل طولها إلى 900 كم، وفي كل الحالات، فإن المنطقة التي ستكون آمنة ستُشكّل مساحة تراوح بين 10% و20% من مساحة سورية.

من الطبيعي أن هذه المنطقة الآمنة ستحقق مصلحة ما للطرفين معًا، واشنطن وأنقرة، مصلحة تكتيكية قصيرة المدى واستراتيجية بعيدة المدى، وربما تُحقق مصلحة ما للسوريين -إن لم تكن على حساب إدلب- خاصة أولئك الخائفين من اعتداءات وتمدد والأحلام الانفصالية للميليشيات الكردية المسيطرة على جزء كبير من شمال سورية، والتي ستتأثر بلا شك بهذه المنطقة الآمنة وسيضعف عودها، وربّما تُحقق مصلحة ما للأكراد المقموعين من قبل هذه الميليشيات التي تنتهج سياسية شمولية أمنية قمعية في المناطق التي تُهيمن عليها، لكنها بالتأكيد لن تحقق مصلحة النظام السوري وروسيا، حيث إنهما يريان فيها تقليصًا لحلمهما باستعادة النظام السيطرة على الشمال السوري.

الاتفاق على المنطقة الآمنة، أو على صيغةٍ ما من صيغ المنطقة الآمنة، كان أمرًا متوقعًا بل شبه مؤكد؛ لأن المباحثات التي أجراها المسؤولون العسكريون الأميركيون مع نظرائهم الأتراك، أتت على التوازي مع تصعيدٍ في المواقف الأميركية والتركية، وصل إلى حد إعلان الطرفين أنّ كلًا منهما مستعد للمضي بخططه إلى النهاية، بغض النظر عن إرادة ومصالح الآخر، وهو ما لا يمكن أن يحدث على أرض الواقع، لأن الحليفين العضويين القديمين لن يصيب أحدهما الآخر بمقتل، ولن يسمحا -عندما يجدّ الجد- بأن يصلا إلى مرحلة الصدام العسكري بينهما، وبالتالي فقد كانت التوقعات أن يكون الحل الوسط هو سيّد الموقف، وإنشاء نوع من أنواع المنطقة الآمنة هو الحل الوسط بالنسبة إلى الطرفين.

قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في آخر تصريحاته الثلاثاء الماضي، إن خطوات تركية بخصوص شرق الفرات في سورية “ستدخل مرحلة مختلفة قريبًا”، وإن تركيا “ستدفع الثمن غاليًا، إذا لم تفعل ما هو لازم في شمال سورية”، وأوضح أن بلاده ستستخدم القوة “إذا ما تطلب الأمر الدفاع عن مصالحها القومية”، وقال وزير الدفاع الأميركي مارك إسبر، في اليوم نفسه، إن أي عملية تركية في شمال سورية “ستكون غير مقبولة”، وإن الولايات المتحدة “ستمنع أي توغل أحادي من شأنه أن يؤثر على المصالح المشتركة للولايات المتحدة وتركيا و”قوات سوريا الديمقراطية”، في شمال سورية”.

وسط هذا التصعيد، وهذه التصريحات التي ترقى إلى مستوى الـ “تهديدات”، أبدى كل طرف مرونة وبعض الغزل للطرف الثاني، فقد قال أردوغان إن “تركيا لن تشعر بالأمان؛ ما لم يتم القضاء على تلك المنظمة (وحدات حماية الشعب) التي تنمو كالخلايا السرطانية على حدودنا الجنوبية”، وأنها تأمل أن تتخذ الولايات المتحدة “خطوة في الملف السوري تليق بالحليف الحقيقي”، في تذكير للجميع أن الولايات المتحدة كانت وستبقى الحليف الاستراتيجي لتركيا وشريكتها في حلف الناتو. أما الوزير إسبر فرفض بشكل واضح، في حديثه، تقديم ضمانات بأن الولايات المتحدة ستحمي (الوحدات الكردية) في حال تنفيذ تركيا عملية عسكرية ضدها.

هذا الشد والرخي اللفظي كان مقدمة لحلّ وسط، عمل عليه الطرفان طوال أشهر، سيسير وفق ما هو مخطط له، وسيقدّم لتركيا الضمانات الكافية لأمنها القومي، وأمن حدودها، وسيكسر حلم الميليشيات الكردية بقدرتها على الوقوف بوجه تركيا أو تحديها، كما سيقدّم للولايات المتحدة تعاونًا تركيًا، في كثير من الملفات العسكرية المشتركة بينهما في سورية، وفي الغالب سيكون مدخلًا لعودة طبيعية للعلاقات بينهما، على حساب تباعد تدريجي لتركيا عن روسيا التي لم تتوقف عن قصف قوات الجيش الوطني السوري المعارض الحليف لتركيا، وقصف المدنيين في مناطق خفض التصعيد المحاذية لتركيا، حيث آخر معاقل المعارضة السورية المدعومة من تركيا.

وتعتبر أنقرة كلًا من “وحدات حماية الشعب” و”قوات سوريا الديمقراطية”، التابعين لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، منظمة إرهابية، كما تتعامل مع الحزب نفسه كامتداد سوري لحزب العمال الكردستاني المصنف بدوره منظمة إرهابية في تركيا، وتهدف المنطقة الآمنة التي عمل عليها الأتراك منذ أشهر، ولم تتم بسبب معارضة واشنطن لها، إلى طرد “وحدات حماية الشعب” الكردية، من شريط البلدات الحدودية في محافظتي الرقة والحسكة، ومنعها من تشكيل خطر عسكري على تركيا.

المنطقة الآمنة -إن لم تكن على حساب إدلب وهو أمر له نصيب ضئيل جدًا من الواقعية- ستُرضي المعارضة السورية المسلحة، ذلك لأنها تستهدف الميليشيات الكردية التي تعاملت معهم طوال السنوات الأربع الماضية كأعداء لا حلفاء، على الرغم من ادّعاء حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي معارضته للنظام السوري، وقد ذاق منهم السوريون أذًى كبيرًا وصل إلى حد تهجير العرب من المنطقة وقيامهم بتغيير ديموغرافي فيها، وإصرارهم على أن يتمددوا نحو البحر المتوسط، بسيطرتهم وتدميرهم للمناطق التي تُسيطر عليها المعارضة السورية.

في الغالب الأعم، ستُقام المنطقة الآمنة تدريجيًا، وستضمن تركيا أمنها، وستحصل الولايات المتحدة على مقابل ما من الأتراك، وتتقهقر الميليشيات الكردية وتتقلص مناطق سيطرتها، وتنحصر مهامهم في حماية مناطق النفط والقواعد الأميركية في الشمال والشرق السوري، وحراسة المنطقة لمنع عودة “تنظيم الدولة الإسلامية”، فيما ستكون النتائج غير مرضيةٍ للنظام السوري وروسيا وإيران، الذين يرون أن تركيا تحصل على ما تريد، وستظهر في سورية مناطق آمنة للمدنيين الراغبين في العودة، وتصطدم روسيا بمناطق محظورة على طيرانها.

لكن المنطقة الآمنة في شمال سورية ليست حلًا كاملًا للقضية السورية، فأهالي جنوب سورية يريدون مثلها، وأهالي شرق سورية أيضًا، وعشرات المدن والبلدات السورية تتمنى أن تصبح ضمن أي منطقة آمنة، أميركية أو أممية أو عربية لا يهم، المهم أن لا يطالهم طيران النظام السوري والروسي.

المنطقة الآمنة ستكون حلًا جزئيًا لمنطقة بعينها، ويصعب تعميمها أو توسعها لأكثر مما اتفق عليه الأميركيون والأتراك، وستبقى حلمًا بالنسبة إلى أهالي بقية المناطق السورية الذين ينتظرون أمنًا ومنعًا للطيران والقصف والتدمير، ليعودوا إلى بيوتهم آمنين، والخشية أن يستمر حلمهم هذا إلى وقت طويل.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق