أدب وفنون

“شيطان أبد الدهر”

ما الذي يوجد في اللحم الكتابي لرواية “شيطان أبد الدهر“؟

محارب في صفوف الجيش الأميركي رأى بعينيه رفيق دربه مسلوخًا ومعلقًا من قبل اليابانيين، لم يربح شيئًا من الحرب سوى مسدس من طراز ألماني، يتزوج من امرأة تدعى “شارلوت” كانت نادلة في حانة، تصاب بمرض السرطان، فيضطر إلى تقديم القرابين أمام صليب في غابة مهجورة. حيث اصطاد الجرذان وذبح الخرفان وقتل الكلاب، ثم علقها على أغصان الشجر وترك دودها يجتاح أمكنة صلاته، وحين ماتت قرر الانتحار ليجده ابنُه ميتًا حذو ذلك الصليب، وبالقرب منه جثة الكلب “جاك” معلقة بالمسامير على شجرة.

ما الذي يوجد في اللحم الكتابي لرواية “شيطان أبد الدهر”؟

رجلا دين، أحدهما مُقعَد، تورطا بشكل فاجر وحاد في ممارسة الإثم والخطايا، احترف أحدهما الكذب والتدجيل وأكل الحشرات والعناكب في الكنائس، وتزوج الآخر امرأة، ثم قتلها لا لشيء إلا لأنه شعر بأنها أبعدته من الرب والصلاة والواجب الديني، ترك ابنته في رعاية أم ذلك المحارب، وهاجر مع صديقه بعيدًا، كان يدعي أنه بإمكانه إحياء الموتى، لكن في نهاية المطاف مات صديقه، وحين قرر العودة بعد زمن طويل للبحث عن ابنته، كانت نهايته هو الآخر على يد زوجين اختارا صيد الضحايا في الطرقات السريعة.

ما الذي يوجد في اللحم الكتابي لرواية “شيطان أبد الدهر”؟

رجل مهووس بعالم التصوير، يُقنع زوجته بممارسة الأفلام الإباحية، ويأخذها إلى أصدقاء تعرّف إليهم بقصد إجراء اختبار في ذلك، تفشل في مهمتها بمجرد أن افترعها أحدهم من الخلف فيغمى عليها. قررا من وقتها التحول إلى مجرمين ساديين، اختارا حياة الطرقات السريعة وصيد الضحايا، وفي كل مرة كان يطلب الزوج من كل راكب معهما ممارسة الجنس مع زوجته، بغاية التقاط صور لهما، على أن يكون مصيره الموت المحتم فيما بعد، بينما تظل صورته عالقة في كاميرا ذلك الزوج الذي يعشق الاستمناء بمجرد مشاهدة الجثة، وهي في وضعية عناق مع زوجته.

ما الذي يوجد في اللحم الكتابي لرواية “شيطان أبد الدهر”؟

ابن ذلك المحارب الذي ربته جدته مع ابنة رجل الدين الذي قتل زوجته، كان مهووسًا بالدفاع عنها في المدرسة، رغم كونه لم يقتنع مثلها بأداء الصلاة أو الإيمان وطاعة الوعاظ في الكنائس. ولكنه قرر الثأر لها بعد أن انتحرت شنقًا. لقد علم فيما بعد أنها حملت جنينًا في بطنها، بعد أن أغواها الواعظ في الكنيسة المجاورة للغابة، كان عليه أن يقتله بنفس المسدس الألماني الذي ورثه عن أبيه.

كيف تم تسريد أحداث الرواية من قبل كاتبها: دونالد ري بولوك؟

نحن أمام كتابة مشهدية قدت بنيتها، على نحو سينمائي كشف عن تصفية مرعبة لشخصيات الرواية، فهي تموت تباعًا وتخرج من أفق صناعة الحدث الروائي بشكل حاد، لكنها تظل حاضرة من خلال قوة تأثيرها على مصاير الشخصيات المتبقية. لقد ماتت زوجة المحارب الذي انتحر فيما بعد، وتعرف الطفل، حين أراد ردم جثمان أبيه، إلى ضابط الشرطة الذي تبين فيما بعد أنه أخ تلك المرأة العاهرة التي تصاحب زوجها في الطرقات بقصد اصطياد البشر مثل الذباب، ومات رجل الدين المقعد، ومات أيضًا رجل الدين الآخر، على يد الزوجين بعد أن رفض ممارسة الجنس مع تلك الزوجة العاهرة، وهو في طريقه إلى البحث عن ابنته التي ماتت بدورها، ثم مات الواعظ الذي حملت منه جنينًا. في تلك الأثناء مات الزوجان على يد ابن المحارب، وهو في طريقه مجددًا إلى تلك الغابة حيث الصليب وجثة الكلب “جاك”. طبعًا، لقد أتى دور ضابط الشرطة بعد الشكوك التي حامت حول ابن المحارب، ليلقى المصير نفسه في نهاية المطاف.

ما الذي يوجد في الكون الروائي لرواية “شيطان أبد الدهر”؟

ثمة الفزع والخوف والرعب لا أكثر: لقد حطم الروائي بشكل سوداوي وعنيف ومرعب سردية النموذج الأميركي وخيبة أجيال هناك بأكملها، في فترة الستينيات من القرن الماضي، فهنا رجال دين لا مهمة لهم غير اغتصاب الفتيات، وعصابات للقتل والتنكيل، ورجالات أوقع بهم الجنون، وانتشار عظيم للدعارة والمتاجرة باللحم البشري، وسقوط الرب المسيحي في أدران البشرية، وضباط من الشرطة مرتشون وقتلة، والكثير من المحامين المتحيلين، وتفشي الفقر إلى درجة النهب والسرقة وأكل الجيف والحشرات، وتخييم الرعب والخوف في الحانات والملاهي، وتعدد المثليين وكل مظاهر الشذوذ الجنسي.

  • لقد كف الأميركيون عن إعمال عقولهم.

علينا أن ننتبه إلى أن هذه العبارة ليست مجازًا أو غلوًا في الوصف، إذ كيف يمكن مصاحبة ذلك المشهد المروع، ونحن نرى ذلك المحارب وهو يعنف ابنه كي يتلو الصلوات بصوت عال، بينما تحيط بهم روائح القرابين من الجثث الحيوانية قرب ذلك الصليب؟ وكيف يمكن لذلك الطفل الذي كبر فيما بعد أن يقتل بدم بارد، وهو سيبكي بمجرد أن يتذكر كيف قتل أبوه الكلب “جاك”؟ وكيف نحتمل سادية ذلك الزوج ومازوشيته في الآن نفسه، وهو يسلم زوجته للدعارة مقابل دولارات قليلة، على أن يقتل الضحية فيما بعد؟ وكيف نصاحب شخصية واعظ الكنيسة، وقد احترف فضّ بكارة الفتيات بشكل هستيري ودائم؟ وكيف ننظر إلى شخصية ضابط الشرطة الذي لم يغضب من عهر شقيقته إلا حين اقتربت الانتخابات، فخاف على منصبه من الشائعات؟ وكيف نحتمل معاجم القتل والدم والقذارة والأوساخ والقيء والمني والعنف والتطرف التي صيرت عالم هذه الرواية؟

يبدو أن الروائي دونالد ري بولوك لا يمتلك قلمًا للكتابة. إنه يكتب بالسم ولا شيء غير السم. أو لنقل إنه يمسك بمعول حاد ومخيف، يضرب به جسد المجتمع الأميركي ويمعن في التنكيل به. على الأرجح، ليس ذلك فحسب، إنه يجر من خلفه آلة تشبه المحراث، وبقدر ما ينتقل من صفحة إلى أخرى من الرواية، تكون رائحة الجريمة والإثم والخطايا قد وصلت إلى أنوفنا بشكل لا قدرة لنا بعدها على التنفس.

نحن لسنا أمام شخصيات أميركية سوية أو متوازنة اجتماعيًا، بل أمام رهط من المسوخ تعيش في مجتمع يقدم نفسه على أنه الأفضل عالميًا، ولكنه لا يحيا الآن إلا في صورة لا إنسانية، ولا يُصَير وجوده إلا في مقام الوحش الآدمي: ربما آن الأوان لوصفه على لسان الروائي، كما في عتبة هذه الرواية، بأنه “شيطان أبد الدهر”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق