ترجماتسلايدر

تطور الفن السوري الثوري

عندما اندلعت الاحتجاجات في سورية أوائل عام 2011، طالب المتظاهرون بإنهاء قانون الطوارئ (المعمول به منذ أكثر من 40 عامًا)، وبالإصلاحات الديمقراطية الأساسية الأخرى. ولكن بشار الأسد صمّ أذنيه أمام كل هذه المطالب قبل عام 2011 بفترة وجيزة، لذلك، في ضوء الاحتجاجات التي تجتاح العالم العربي، لا شك في أن المتظاهرين شعروا بأن مثل هذه الطلبات لم تكن غريبة واستثنائية.

بعدها، في شباط/ فبراير 2011، نقشت مجموعة من الأولاد رسومات وكتابات على الجدران، مناهضة للنظام في مدرستهم في درعا. وكتبوا بواسطة الدهان: “إجاك الدور يا دكتور”، في إشارة إلى بشار الأسد، الذي كان سابقًا طبيب عيون. من المؤكد أن الرسومات والكتابات لم تكن مميزة، لكن النظام فهم تداعياتها المحتملة، ورأى أن من الضروري معرفة من يشتري علب الدهان، إذا كانت الحكومة تريد معرفة الفاعلين. اُعتقل الأولاد، الذين رسموا رسومات على مدرستهم على شكل زرافة، وتعرضوا للتعذيب الوحشي. وبغض النظر عن خطر المعارضة، خرج المجتمع للاحتجاج بأعداد كبيرة في الشوارع. وكما قال دان جورمان (مدير مهرجان شباك): “لقد تم ثقب جدار الخوف”.

ربما، من غير المفاجئ أن تصبح الملصقات السياسية وفن الشوارع أمرًا شائعًا في الثورة السورية. أهمية الكتابة على الجدران، والرسومات، والملصقات السياسية، ليست مسألة خاصة بسورية أو الشرق الأوسط. فالثورتان الكوبية والروسية أنتجتا صورًا أيقونية مترادفة مع تلك النضالات. وأنتج الكفاح الفيتنامي ضد التدخل الخارجي ملصقات دعائية ما تزال تُباع في هانوي إلى اليوم. يبدو أن العديد من الملصقات السياسية للثورة السورية مستوحاة من الصراع الفلسطيني.

كجزء من الفضاء العام، يرتبط استخدام الكتابة على الجدران واللوحات الجدارية كشكل من أشكال التعبير بشكل طبيعي بعامة الناس أكثر من الفن المعلق في صالات المعارض. ضخمت الإنترنت هذه الصور وأوصلتها إلى أبعد من الجدران، وشاركت رسائلها مع ملايين الأشخاص، ليس فقط في سورية، ولكن مع العالم. وجعلت فن الشارع معرضًا للطقس والقصف والتمويه دائمًا. عندما أُجبر أبو مالك الشامي، فنان الشارع الشاب الذي اشتهر بجدارياته في داريّا، على النزوح إلى إدلب عام 2016، التقط صورًا لجدارياته التي انتشرت على الإنترنت منذ ذلك الحين.

“طالعة أتظاهر”. المتكلم هو أنثى للتأكيد على دور المرأة في الثورة (الشعب السوري يعرف طريقه)

بالنسبة إلى النظام، لا شيء يمكن أن يكون أكثر رعبًا من القدرة على نشر هذه الصور على نطاق واسع. هذا هو سبب القضاء على محرضي هذه الأفكار. في تشرين الأول/ أكتوبر 2013، اختطف عناصر النظام ممثلًا فلسطينيًا يُدعى حسان حسان، في أثناء محاولته مغادرة مخيم اليرموك جنوب دمشق. كان حسان قد سجل مسودات/ اسكتشات لنفسه يسخر من النظام. أُبلغت أسرته بوفاته بعد شهرين. وفي تشرين الأول/ أكتوبر 2015، قُبض على نيراز سعيد، المصور الفلسطيني، الذي سبق أن صوّر ظروف الحصار الذي فرضته الحكومة على اليرموك، وانتشرت صوره على نطاق واسع في جميع أنحاء العالم. وفي نهاية عام 2018، أُبلغت أسرته أنه توفي في السجن. فضح هؤلاء الفنانون الشباب سردية النظام، بأنه كان حامي النضال الفلسطيني.

عرفت أنظمة الشرق الأوسط الإمكانات السياسية للفن. ولهذا السبب، فهي تراقبه عن كثب دائمًا. قبل الثورة، تم تشجيع الكتاب والفنانين في سورية على الانضمام إلى النقابات التي ترعاها الحكومة. كان على الفنانين السوريين المنشقين أن يوازنوا بدقة، بين الرغبة في انتقاد النظام، والخطر من نشر نقد حقيقي علني، والخوف من أن يتم اختيار عملهم كدعاية حكومية، كما تسميه ميريام كوك “نقدًا مأذونًا”. لقد فهم النظام بخبرة كيف أن الهوامش الصغيرة للمعارضة حسّنت صورتها، من دون تشكيل أي تهديد حقيقي للنظام. بعد نجاح الثورة الروسية، أدرك السوفييت أيضًا المخاطر المحتملة لحرية التعبير الفني. ولمكافحة هذا، فرضوا بصرامة مذهب الواقعية الاشتراكية، وهو علامتهم التجارية الخاصة للفن المقبول. وكان أيّ شيء بعيدٍ منها يُعدّ تهديدًا. سيرغي باراجانوف، المخرج السينمائي السوفيتي والفنان المنحدر من أصل أرمني، الذي اخترع أسلوبه السينمائي الفريد من نوعه، سُجن سنوات مع فنانين آخرين خلال الحقبة السوفيتية، ومُنع عملهم في جميع أنحاء الاتحاد السوفياتي. وقُتل آخرون مثل الفنان ألكساندر دريفين بسبب أعمالهم.

قد لا يعني دور الفن السياسي والجداريات في الوقت الحالي سوى القليل، بالنسبة إلى ملايين النازحين داخليًا في سورية واللاجئين. فلم تغيّر الصور واللوحات النتيجة لضحايا الحرب السورية. بدلًا من التحريض على التغيير الإيجابي، كان ثمن أغاني الاحتجاجات والكتابات على الجدران حياتهم. مع مقتل رائد فارس وعبد الباسط الساروت، أيقونات الثورة السورية، في الأشهر القليلة الماضية، واقتراب النظام تدريجيًا من هدفه المتمثل في الاستيلاء على كل شبر من سورية؛ يبدو أن أيام الثورة السورية المفرحة قد ولّت.

في الوقت نفسه، تشن روسيا، الحليف القوي للنظام السوري، حربًا دولية شديدة الفعالية بثمن بخس، نشر الأخبار الكاذبة لزرع الفوضى في أوروبا والجمهوريات السوفيتية السابقة وسورية والولايات المتحدة. إضافة إلى التدخل في الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2016، تنشر روسيا معلومات خاطئة عن الحرب السورية، مشيرةً إلى أن المتظاهرين المسالمين كانوا جزءًا من مؤامرة عالمية، وأن ضحايا القصف الجوي المدنيين هم ممثلون، وأن عمال البحث والإنقاذ هم إرهابيون.

ومع ذلك، فإن جهود النظامين الروسي والسوري، في وسائل الإعلام وعلى الإنترنت، تفضح رغبتهم في الفوز، ليس فقط في الحرب العسكرية، ولكن في سردية الحرب. في هذا الصدد، يلعب الآلاف من المنفيين السياسيين والفنانين ورسامي الكاريكاتير المنتشرين في جميع أنحاء العالم، دورًا مهمًا مع المؤرشفين. منذ عام 2011، قامت مجموعات مختلفة بأرشفة مئات الصور، بدءًا من الرسومات والكتابات السياسية على الجدران، والملصقات السياسية الساخرة في كفرنبل. ويوضح العدد الهائل من الصور من جميع أنحاء سورية مدى انتشار الثورة واستمراريتها.

(كش ملك)، هي منظمة مجتمع مدني تهدف إلى الوصول إلى العالم، من خلال مبادرة تجميع الرسومات السورية. في الآونة الأخيرة، واجهوا دعاية النظام، التي تبناها الموسيقي روجر ووترز ضد المتطوعين السوريين في مجال البحث والإنقاذ، من خلال ملصق يستهدف تصريحات فنان فرقة بينك فلويد المضللة. الصورة في إدلب، سورية، تصور (ووترز) يحمل بندقية هجومية مكتوب عليها عبارة “رسالة من السوريين في إدلب إلى روجر ووترز: يا أنت، لا تساعدهم في دفن النور”، في إشارة إلى كلمات أغنية فرقة (بينك فلويد).

ملصق على جدار في إدلب، ينتقد تصريحات روجر ووتر. الصورة من (كش ملك)

لا تزال هذه الصور جزءًا من ذاكرة سورية الجماعية، ودعوة إلى السلاح، والتنفيس عن الإحباط. كما قالت مالو هلسة، وهي محررة في موقع (سورية تحكي)، قسم الفن والثقافة من خط المواجهة: إن الثورة السورية هي قصة “كيف أصبح الشارع مرئيًا”. وبفعل ذلك، تسربت هذه الأعمال من سورية إلى ضميرنا الجمعي، كقطعة من الأعمال الفنية والتعبير السياسي. حتى المتحف البريطاني عرض قطعًا مختلفة من فن الاحتجاج السوري كجزء من معرض “تاريخ الحياة”. تضمنت المجموعة العديد من الأعمال من خلال الملصق الجماعي مجهول المصدر: الشعب السوري يعرف طريقه. أرشفت الذاكرة الإبداعية للثورة السورية أيضًا مئات الصور مع إحصائيات عن الكلمات المستخدمة وعدد الجدران التي يُكتب عليها شهريًا.

“شهيد الخبز” في إشارة إلى الحصار الذي تفرضه الحكومة على جميع أنحاء سورية. من ضمن مجموعة ملصقات (الشعب السوري يعرف طريقه)

 

مع ازدياد حالة اليأس في سورية واستمرار النظام في قصف المشافي، من دون تدخل دولي، انخفض عدد الصور السياسية التي تظهر من سورية بشكل ملحوظ منذ السنوات الأولى للثورة. بالنسبة إلى السوريين، يبدو أن لا أحد يصغي لهم، لكن هذا لا يمنع البعض من كتابة تعليق باللغة الإنكليزية للوصول إلى جمهور أوسع. لا تزال هناك حركة لإنقاذ من بقي في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة من القصف الجوي، وإطلاق سراح السجناء، والعثور على معلومات عن المختفين. بالنسبة إلى السوريين المعرضين للخطر اليومي، لم تنتهِ الحرب، وللتو بدأت الحرب عن سردية تاريخ الثورة.

اسم المقالة الأصلي The Evolution of Syrian Revolutionary Art
الكاتب ناتاشا هول،NATASHA HALL
مكان النشر وتاريخه المجلس الأطلسي،Atlantic Council، 5/8
رابط المقالة https://www.atlanticcouncil.org/blogs/syriasource/the-evolution-of-syrian-revolutionary-art
عدد الكلمات 1148
ترجمة وحدة الترجمة/ أحمد عيشة

صورة الغلاف: رُسمت هذه اللوحة في مدرسة تعرضت للقصف. يكتب الطالب: “كنا نمزح ونقول، يا ربّ، تنهد المدرسة… وانهدت”. تصوير أبو مالك الشامي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق