ترجماتسلايدر

لا تُسمّوا أطفال سورية ضحايا.. إنهم قتلى أبرياء

مع تصاعد العنف، مات كثير من الأطفال في المناطق التي يسيطر عليها المتمردون في الشهر الماضي، مقارنة بعام 2018.. لكن يبدو أن لا أحد يأبه لموتهم؟

لم يعد الأطفال المقتولون أخبارًا. والتغطية الإعلامية الدولية للحرب في أفغانستان -حيث بلغت وفيات الأطفال أعلى مستوى لها على الإطلاق في العام الماضي- هي تغطية متقطعة وغير منتظمة في أفضل الأحوال. في اليمن، تشير التقديرات إلى وفاة ما لا يقل عن 85 ألف طفل دون سن الخامسة، بسبب الجوع، وهو رقم يُذهب العقل. في سورية، على وجه الخصوص، من الصعب أن تستمر في إحصاء عدد الأطفال المقتولين، لأنهم يُقتلون كل يوم تقريبًا، ومن ذا الذي سيظل يحصيهم حقًا؟!

تجذب الصور المروعة انتباه الجمهور مدة وجيزة. أظهرت واحدة من أحدث الصور، وهي صورة ريهام البالغة من العمر خمس سنوات، وهي تكافح وسط أنقاض منزلها الذي قُصف في أريحا، في محافظة إدلب شمال غرب سورية، لإنقاذ (تقى) شقيقتها الرضيعة. توفيت ريهام في وقت لاحق في المشفى مع والدتها وشقيقتها الأخرى. وبفضل جهودها، وجهود رجال الإنقاذ ذوي الخوذ البيضاء، نجَت أختها (تقى).

لكن في اليوم التالي، قُتل ما لا يقل عن 10 مدنيين آخرين، بينهم ثلاثة أطفال، نتيجة غارات جوية على قرى وبلدات عدة، في المناطق التي يسيطر عليها المتمردون في إدلب وحلب وحماة. ووفقًا لمنظمة (أنقذوا الطفولة)، فقد قُتل عدد أكبر من الأطفال في الشهر الماضي، مقارنةً بعام 2018. يقول المراقبون إنه كان هناك 800 قتيل، منذ بدء الهجوم الذي شنه النظام السوري بدعم من روسيا على إدلب، في نيسان/ أبريل، منهم 200 طفل. ولكن لم يتم تصوير معظم عمليات القتل هذه عبر الفيديو.

هناك طرق أكثر راحة لوصف وفيات الأطفال. حيث تشير كلمة “خسائر/ ضحايا” إلى أن القتل قد يكون عرضيًا/ غير مقصود. لكن القتل هو قتل، بماذا يجب أن يُسمى؟! هذه جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، نُفذت، في نهاية المطاف، بناءً على أمرٍ من رئيسين -بشار الأسد وفلاديمير بوتين- ويجب أن يواجها العدالة يومًا ما. وإلا؛ فلا معنى للقانون الدولي.

أعلنت ميشيل باشيليت، مسؤولة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، أن “الهجمات المتعمدة ضد المدنيين هي جرائم حرب، وأولئك الذين أمروا بها أو نفذوها هم المسؤولون جنائيًا عن أعمالهم”. وقالت: “في وقت سابق من الحرب في سورية المستمرة منذ ثماني أعوام، أظهر العالم قلقًا كبيرًا. أما الآن، فإن الغارات الجوية تقتل وتشوّه أعدادًا كبيرة من المدنيين، عدة مرات في الأسبوع، ويبدو أن الرد ليس إلا لامبالاة جماعية”.

ينكر القادة الروس والسوريون أنهم يستهدفون المدنيين عمدًا. إنهم يكذبون مثلما كذبوا، مرارًا وتكرارًا، بشأن هجمات الأسلحة الكيمياوية. وتشير الأدلة التي جُمعت خلال الأشهر الثلاثة الماضية إلى سياسة متعمدة لسحق السكان المدنيين في إدلب، من أجل عزل المتمردين والجهاديين واستئصالهم.

كما حصل من قبل في تكتيكٍ استُخدم حول دمشق وفي مدينة حلب، يتمّ اليوم قصف العشرات من المشافي والعيادات والمدارس والأسواق والأماكن العامة في إدلب. وهذا ما ذكرته منظمة (أطباء بلا حدود) الأسبوع الماضي: “تصاعد العنف خلال الشهر الماضي، وأدى إلى مقتل أو إصابة المزيد من الأشخاص، أكثر من أي وقت في هذا العام حتى الآن.. القصف والقذائف… أجبرا أكثر من 450 ألف شخص على الفرار إلى الشمال”.

الآن تلوح أزمة لاجئين جديدة، مع توجه العائلات النازحة إلى تركيا، وربما إلى أوروبا والمملكة المتحدة. وقد تضطر الحكومات قريبًا إلى إيلاء اهتمام أكثر.

يصرّ الحلفاء الغربيون على أنهم قلقون بشدة بخصوص المدنيين السوريين. ولكن في اجتماع لمجلس الأمن الأسبوع الماضي، قام مارك لوكوك، رئيس منسقي الإغاثة في حالات الطوارئ التابعة للأمم المتحدة، بانتقادهم (وروسيا والصين) “لعدم القيام بأي شيء طوال 90 يومًا، مع استمرار المذبحة أمام أعينكم”. وسألهم: “هل أنتم مستعدون أخيرًا، للإصغاء إلى أطفال إدلب؟”.

الجواب الذي حصل عليه لوكوك لم يكن هو الذي أراده. في محاولة لتجاوز الفيتو الروسي المعتاد، أقنعت غالبية أعضاء المجلس الأمين العام للأمم المتحدة، لبدء تحقيق حول تدمير مشافي إدلب وغيرها من المرافق التي تدعمها الأمم المتحدة. ولكن، مثل التحقيقات المشابهة، من المحتمل أن يقاطعها النظام ويتجاهل نتائجها. لا يوجد تحرك قوي وعاجل لوقف القتل.

في ردة الفعل المحتملة على عاصفة الانتقادات هذه، قدّم/ عرض نظام الأسد، المدعوم من موسكو، هدنة محددة يوم الجمعة، 2 آب/ أغسطس، مشروطة بانسحاب قوات المعارضة من منطقة عازلة تم إنشاؤها في أيلول/ سبتمبر الماضي، واُنتهكت مرارًا من قبل الجانبين. هذا سؤال كبير. لا تستمر عمليات وقف إطلاق النار مدة طويلة في سورية. ربما تريد قوات الأسد، التي لم تنجح حتى الآن في محاولتها اجتياح إدلب، ببساطة الوقت لإعادة تجميع صفوفها.

إن المعركة من أجل إدلب تكمن في جوهر ما تهتم به الحكومات من جميع الأطراف: ميزان القوى المستقبلي في سورية. هناك مسألة وثيقة الصلة، على سبيل المثال، هي من سيسيطر على المناطق ما بعد الدولة الإسلامية (داعش) في شمال شرق سورية. لا تزال القوات الأميركية موجودة، بالرغم من أن ترامب تعهد بسحبها. وكذلك الأتراك. أدى تعاون الولايات المتحدة مع القوات الكردية السورية، التي تعدّها تركيا جماعة إرهابية، إلى تجدد التهديدات باستيلاء القوات التركية على الأراضي شرق نهر الفرات، على غرار عملية العام الماضي في عفرين. في هذه الأثناء ، يبدو أن المشاعر المعادية للاجئين داخل تركيا تتصاعد، وهي مشكلة أخرى للفارين من سكان إدلب.

تنافس إيران أيضًا على موقع مهم. أفادت التقارير أن ميليشياتها لم تشارك في هجوم إدلب، لكن دعمها لدمشق لم يتوقف، كما يتضح من استمرار إيصالها للنفط إلى مصفاة بانياس السورية. في حزيران/ يونيو، تم تفجير خطوط أنابيب نفط تحت سطح البحر من قبل مهاجمين مجهولين، وفقًا لموقع بيلينغ كات Bellingcat الاستقصائي. تزامن ذلك مع هجمات الألغام البطيئة على ناقلات النفط في الخليج والتي أُلقي باللوم فيها على إيران (التي نفت تورطها). وسبق ذلك بمدة قصيرة استيلاء بريطانيا، على ما يبدو بناء على أوامر الولايات المتحدة، على ناقلة إيرانية بكامل حمولتها قبالة جبل طارق.

هل من الممكن أن يكون ترامب وأصدقاؤه في المنطقة مهتمين بمتابعة انتقامهم من إيران أكثر من اهتمامهم بإنقاذ حياة الأطفال السوريين؟! إن الإجابة الوحيدة الواضحة للغاية على هذا السؤال –وهي مسألة بغيضة للأولويات- تحمل مفتاح مأساة إدلب المشينة وغير المنتهية على مستوى العالم.

اسم المقالة الأصلي Don’t call them Syria’s child casualties. This is the slaughter of the innocents
الكاتب سيمون تيسدول،Simon Tisdall
مكان النشر وتاريخه الغارديان،The guardian، 4/8
رابط المقالة https://www.theguardian.com/world/2019/aug/03/syria-idlib-child-deaths-airstrikes-assad-putin-russia?fbclid=IwAR2Lho5lkQ–tDUcT9j8U58kctmWlBsQN7k8VxSxy3MtGNO2MLCmGwrzysY
عدد الكلمات 948
ترجمة وحدة الترجمة/ أحمد عيشة

صورة الغلاف: أحد عمال الإنقاذ (الخوذات البيضاء) يحمل طفلًا أنقذوه من تحت الأنقاض في منطقة أريحا بإدلب، بعد غارات جوية من قبل روسيا ونظام الأسد في 24 تموز/ يوليو. الصورة: محمد سعيد/ صور جيتي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق