مقالات الرأي

سورية ومشروع الشرق الأوسط الجديد*

عند مراجعة ما جرى في سورية، قد نستغرب من مواقف بعض اللاعبين الدوليين والإقليميين.

فمن جهة، نرى سياسة وحشية إجرامية من قبل نظام عائلة الأسد التي ترى في سورية مزرعة لها إلى الأبد. وتجسد ذلك من سلوك نظام الأسد خلال الثورة. ويعرف كثير من السوريين كيف استلم آل الأسد الحكم بانقلاب عسكري كرّس حكم الفرد الواحد – رأس عائلة الأسد، الذي بنى دولة أمنية بوليسية تكرس سلطة عائلة الأسد. كما أن الأدوار التي قامت بها عائلة الأسد المجرمة، ليس داخل سورية وحسب بل في المنطقة ضد الفلسطينيين واللبنانيين والعراقيين والأتراك والأكراد والعرب والسريان، تؤكد أن أحد أسباب وجود هذا النظام واستمراريته هو الوظائف التي قام بها في خدمة قوى دولية وإقليمية معادية لطموحات شعوب المنطقة. وإذا ما تمعنا في ما قام به نظام الأسد في سورية، من استبداد وقمع وإبادة وتغيير ديموغرافي ونهب للخيرات وتهجير لخيرة العقول وحرمان السوريين من أبسط حقوقهم الإنسانية والسياسية وتجريدهم من كل شيء. إذا ما تمعنا في كل ذلك؛ وجدنا أن عائلة الأسد لم تصل إلى سدة الحكم مصادفةً بل بمباركة من قوى خارجية تخدم “إسرائيل”، والدليل الأكبر هو بيع الجولان السوري لـ “إسرائيل” في حرب حزيران/ يونيو 1967، وكذلك ما قام به بشار الأسد من تنازل عن لواء إسكندرون لتركيا، وتقديم ما تبقى من سورية الخاضعة له لإيران وروسيا، ولكل من جاء من ميليشيات طائفية من كل أصقاع الأرض لدعم بقائه في السلطة.

ما قام به الأسد، بلا شك، أخرج سورية من دائرة الفعل السياسي الحقيقي في دعم قضايا الشعوب العربية، باستثناء الشعارات البراقة الكاذبة من المقاومة والممانعة وغيرها، التي يرددها أطراف هذا الحلف الخبيث الذي يقوده ولي الفقيه في قم، المعادي لقضايا شعوب المنطقة بكافة مكوناتها. وأهم شيء أن نظام الأسد حمى حدود “إسرائيل” طوال أربعة عقود. وبعد أن اندلعت ثورات الربيع العربي، التي كانت بالفعل ثورات شعبية ضد الظلم والقمع والاستغلال، حيث طالبت جماهير المحتجين بالحرية والكرامة والعدالة؛ قام النظام بدعم دولي بتدمير البنية المادية التحتية والاقتصادية والاجتماعية في سورية، مقدمًا أكبر خدمة للمشروع الأميركي الإسرائيلي الروسي.

ومن المؤكد أن نشوء ديمقراطيات حقيقية في المنطقة لا يناسب القوى الدولية، وبخاصة روسيا و”إسرائيل” وكذلك أميركا وإيران، لأنها قد تؤثر سلبًا على مشاريع تلك الدول الإمبراطورية في التوسع والهيمنة، وكذلك لأن تلك الديمقراطيات لا تفيد “دولة إسرائيل” التي تعتبر أمنها القومي فوق كل مصالح شعوب المنطقة.

التدخلات الخارجية، التي شهدناها في ثورات الربيع العربي، أدت بشكل مباشر أو غير مباشر إلى إجهاض أغلب هذه الثورات، بأسلمتها وعسكرتها، من خلال جلب قوى إرهابية وأخرى إسلامية متشددة، عملت على حرف الثورات عن مسارها الشعبي الوطني، وفرض أجنداتها الخاصة التي ترفع شعارات فوق الوطنية وأحيانًا دون الوطنية، ليصبّ كلّ ذلك في خدمة نظام الأسد ومشاريع الهيمنة على المنطقة.

لكي نكون أكثر وضوحًا، نقول: بالرغم من أن النظام يستغل الشعارات ويطرح مقولات صحيحة في ظاهرها، مثل شعارات الوحدة والحرية والاشتراكية، وكذلك صراخه في بداية الثورة بأن هناك مؤامرة كونية ضد سورية (ويقصد ضد نظام عائلة الأسد) فإن ذلك حق يراد به باطل. لكن الحقيقة أن المستهدف في سورية ليس النظام بل البلاد شعبًا وبنية تحتية، لتحويلها إلى دولة فاشلة، كما حصل في العراق وفي اليمن وفي لبنان، وفي كل هذه الدول إيران هي العامل الأنشط الذي يكمل أجندة أميركا و”إسرائيل”.

لنسمي ما بُيّت لسورية ما نسمّيه، لكنني على قناعة عميقة بأن ما يجري من قبل الدول والقوى المنخرطة في الصراعات ليس صدفة، فكل منها لديه أجندته الاستراتيجية والتكتيكية، وتقاطعت الأجندات على الأرض السورية لما لسورية من موقع استراتيجي وأهمية تاريخية وحضارية وسياسية على مر العصور، وكذلك لقربها من “إسرائيل”.

وأهم ما يجري منذ بداية الربيع العربي هو توزيع الأدوار بين الولايات المتحدة وروسيا و”إسرائيل”، في قمع الثورات وإجهاضها، كل بطريقته ووفق الدور المرسوم له.

فكل ما قامت به روسيا في سورية لا يتناقض في الجوهر مع ما تريده “إسرائيل” وأميركا، بل يخدم مشاريعها وكذلك يخدم المشروع الروسي والإيراني، وإن كانت شعارات تلك الدول هي وحدة سورية والحفاظ على سيادتها وغير ذلك من الشعارات المزاودة، فهي تقول شيئًا وتفعل عكسه.

أرى أن هناك تفاهمًا استراتيجيًا أميركيًا روسيًا إسرائيليًا، حول سورية، والدليل الاتفاق العلني الذي فاجأ الكثيرين بين ترامب وبوتين، على هامش قمة العشرين في هامبورغ بألمانيا (2017) في إنشاء منطقة خفض تصعيد في جنوب غربي سورية، في وقت كان العداء ظاهريًا على أوجه بين موسكو وواشنطن. ولنتذكر في السياق زيارات جون كيري إلى سوتشي عام 2014 ولقاءاته التي امتدت سبع ساعات مع بوتين ولافروف، واتفاقهما على خطوات مشتركة أو لنقل على تفاهمات معينة تخص سورية. وجاء التدخل العسكري الروسي في سورية بموافقة أكيدة من إدارة ترامب، حتى صار يقال إن واشنطن طلبت بنفسها من روسيا التدخل لحماية نظام الأسد من الانهيار، خوفًا من انتصار الثورة التي لن تنسجم مع السياسات الإسرائيلية الأميركية الروسية، المعادية لأي ثورة حقيقية والتي تهدف إلى كسر إرادة السوريين وتقاسم الكعكة السورية.

ثم جاء لقاء بومبيو في أيار/ مايو 2019، ليفتح صفحة أخرى في التفاهمات الأميركية الروسية، في ظل عداء كبير في الملف الأوكراني، وفي ظل عقوبات قاسية ضد النخبة السياسية والاقتصادية والعسكرية الحاكمة في روسيا. وبعد هذه القمة، صرّح جيفري المسؤول الأميركي عن الملف السوري، بأن “كل ما اقترحناه على الروس وافقوا عليه”!

وبعد القمة الأمنية الثلاثية الفريدة من نوعها في حزيران/ يونيو 2019، التي ضمت كبار المسؤولين الأمنيين في روسيا وأميركا و”إسرائيل”، وقمة بوتين ترامب التي تلتها في اليابان؛ ظهر السؤال الكبير الذي طرحه الكثيرون: ما الهدف من تلك القمة وإلى ماذا توصلت؟

اليوم، عندما نراقب السياسات الأميركية والروسية والإسرائيلية، نستنبط أشياء خطيرة تخص مستقبل سورية، يبدو أن القمة الثلاثية الأمنية وقمة اليابان قد أقرت بشكل سري اتفاقات يجري تنفيذها على الأرض.

من علائم التفاهمات الروسية الأميركية الإسرائيلية، عرقلة إنشاء منطقة أمنية تريدها تركيا وإشغالها بالوضع في إدلب، بينما تخطط واشنطن لترتيبات سياسية واقتصادية وإدارية شرقي الفرات، هدفها الأساسي خلق أوضاع تنسجم مع المشروع الأميركي الإسرائيلي (برضى روسي وبدعم من بعض الدول العربية) في بناء الشرق الأوسط الجديد، انخرطت فيه قوات (قسد) عراب هذه المشاريع، وقد تسربت معلومات عن توقيع اتفاقات مع رجال أعمال إسرائيليين، للاستثمار في منطقة شرقي الفرات، إضافة إلى نشاطات إعلامية وأمنية واضحة في المنطقة، بتعاون قسدي وبإشراف أميركي إسرائيلي.

ويرى بعض الخبراء أن أميركا تريد بناء دولة كردستان في المنطقة، مقابل هيمنة تركية على إدلب وشمال سورية وهيمنة روسيا على باقي المناطق. يعني ذلك باختصار أن هناك توجهًا لتقسيم سورية الفعلي مع الحفاظ على وحدة شكلية لسورية، وبالطبع سيكون لـ “إسرائيل” الدور الإشرافي الفعلي على مستقبل المنطقة.

ولا ننسى ربط ما يجري داخل سورية بما يدور حولها من التحضير لصفقة القرن والدور الأميركي الإسرائيلي، من خلال مشاريع تقدمها إدارة ترامب (وصهره كوشنر حصرًا) وتحشد لها الدعم العربي، وتجبر بعضهم على تمويل هذه الصفقة التي تستهدف مستقبل الشعب الفلسطيني وتجريده من حقوقه الوطنية المشروعة التي أقرتها منظمة الأمم المتحدة في العودة وبناء دولته المستقلة وعاصمتها القدس الغربية (مؤتمر المنامة مؤخرًا بدعوى الاستثمار الاقتصادي في فلسطين يصبّ تمامًا في الترويج للمشروع الأميركي الإسرائيلي في الشرق الأوسط الجديد).

لا نستطيع فهم حقيقة ما جرى ويجري في سورية والمنطقة إلا بمعرفة الأجندات الأساسية للدول الكبرى والإقليمية، والأسباب الحقيقية وراء السياسات المعلنة والخفية لتلك الدول.

وطننا سورية أصبح ساحة صراع دولي وإقليمي، وشعبنا أصبح ضحية ذلك الصراع الخسيس المجرد من الأخلاق.

ومع الأسف، ابتلينا بقوى وشخصيات تصدرت مشهد المعارضة لم تفهم تلك الصراعات، أو قد فهمت بعضها دون أن تفعل شيئًا لشعبها، إضافة إلى أنها رهنت نفسها للإرادات الدولية والإقليمية، وأصبحت ممثلة لمصالحها دون خجل.

وعلينا أن ندرك بأن بقاء نظام الأسد حتى اليوم هو حاصل تحصيل لتلك الصراعات ومدى ملائمته لأجندات الدول المتصارعة وخدمته لمصالح خارجية، مقابل السكوت عن جرائمه بحق السوريين.

ويجدر أن نعرف أن التفاهمات الدولية ليست مطلقة بل لها حدود. ومن هنا نشهد بعض التناقضات على مستوى الأحداث الميدانية أو السياسية المتعلقة بسورية. وكل ما جرى ويجري في سورية وحولها، خلال التسع سنوات الأخيرة، يؤكد حقيقة أن المشروع الإسرائيلي الأميركي، الذي تقاطعت معه مصالح روسيا، يجري تطبيقه بشكل علني من قبل أدوات محلية وإقليمية وعالمية، منها النظام و(داعش) و(جبهة النصرة) وإيران والميليشيات الطائفية التابعة لها، وروسيا بما تستخدمه من وسائل تدميرية لصالح نظام الأسد.

_____

(*) مصطلح الشرق الأوسط الجديد سبق أن سوّقت له كونداليزا رايس، وزيرة الخارجية الأميركية بين الأعوام 2005 – 2009، حيث خرج المشروع إلى العلن في واشنطن وتل أبيب، لتعلن رايس خريطة الشرق الأوسط في مؤتمر صحافي، بتصفيق من الغرب، حيث أسندت إليها وسائل الإعلام الغربية الفضل في نحت المصطلح ليحل محل المصطلح الأقدم، ألا وهو “الشرق الأوسط الكبير”، حيث ربطت المشروع بعبارة “الفوضى الخلاقة”، وهو ما يؤدي بالتالي إلى “التدمير الأخلاقي” كطريقة للوصف تعبيرًا عن فلسفتهم الليبرالية البراغماتية. وهناك كتاب لشمعون بيريز بعنوان “الشرق الأوسط الجديد”، يتحدث فيه عن المشروع وكيفية تحقيقه، ليتضح لنا جيدًا أن أميركا تنفذ أحلام الإسرائيليين وطموحاتهم في الهيمنة على المنطقة، ويعتمد مشروع “الشرق الأوسط الجديد” على تقسيم الدول الحالية التي حصلت بموجب اتفاقية سايكس بيكو، إلى دويلات جديدة قائمة على أساس ديني أو طائفي أو عرقي، وطبعًا ستكون “إسرائيل” -الدولة اليهودية- الدولة المهيمنة في المنطقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق