مقالات الرأي

التغريبة والتهجير ومستقبل الهوية السورية

تشغل قضية اللاجئين السوريين الرأي العام في دول الجوار السوري، وتؤثر في تحولات تعاملها مع الملف السوري، وقد ضاعف التواجد الكثيف للسوريين أزماتها الاقتصادية والاجتماعية، وأحدث تأثيرات متباينة في بيئتها المحلية، وازدادت الأوضاع سوءًا مع عدم ظهور بوادر حل سياسي يسمح بعودة طوعية لملايين اللاجئين، وتراجع قدرة تلك الدول على استيعاب اللاجئين ودمجهم، إضافة إلى تحولهم إلى ورقة ضغط ومساومات رخيصة بيد قوى سياسية محلية وإقليمية.

تم استيعاب موجات اللاجئين السوريين في أوروبا وإدماجهم خلال وقت قصير، ولم يحُل دون ذلك استغلال اليمين المتطرف ملف اللاجئين والمهاجرين لمكاسب انتخابية، ويعزى النجاح الأوروبي إلى تجارب وخبرات سابقة في التعامل مع ملفات إنسانية، إضافة إلى توفر إمكانات اقتصادية وتنظيمية كبيرة، وفي الواقع يقف وراء ذلك حاجة أوروبا الماسة إلى تغطية النقص البشري الهائل الذي دفعها إلى اتباع سياسة الحدود المفتوحة أمام اللاجئين، وقد تجاوزت تقديرات التناقص في عدد سكان ألمانيا عام 2015 حدود المليون ونصف.

استغل نظام الأسد العامل البشري في مواجهة ثورة شعبية عارمة، حيث دفع الثورة من السلمية إلى العسكرة ثم العنف والتطرف، لتبرير سياساته في التدمير والتهجير القسري المنهجي، ثم تحالف مع الأقليات وزجها في مواجهة مع الأغلبية المعارضة، مما أدى إلى تفتيت مكونات المجتمع السوري وخلق صراعات داخلية عميقة فيما بينها.

تجاوزت معدلات النمو السكاني في سورية قبل الثورة حاجز 2.5 بالمئة، مع ارتفاع متزايد في نسبة الشباب وأعداد الداخلين إلى سوق العمل التي وصلت إلى مستويات قياسية على المستوى العالمي، وشكلت القوة الديموغرافية السورية المتعاظمة إنذارًا بظهور قوة إقليمية كبيرة، ولذلك تلقفت “إسرائيل” فرصة الصراع في سورية، ودعمت بقاء نظام الأسد، وعملت على تعويمه بكل الوسائل بإطالة أمد الحرب، واستثمار ما يقوم به نظام الأسد، من أجل إضعاف دور سورية كدولة مواجهة، عبر تدمير البنى التحتية للبلاد وتهجير قسري لملايين السوريين.

بدورها استغلت إيران والميليشيات الطائفية المتحالفة معها حاجة نظام الأسد إلى الدعم والحماية من السقوط، وشرعت في استغلال الظروف لبناء الحسينيات ونشر التشيع وشراء الأراضي والعقارات، وبعد تصريح بشار الأسد بأن السوري هو الذي يدافع عن سورية، جرى تسهيل إجراءات الحصول على الجنسية السورية للكثير من الوافدين، لتكريس توطينهم واستقرارهم بشكل طويل الأمد، وتقاتل إيران بشراسة للبقاء في سورية، وضمان خط إمداد بري يصلها بسورية ولبنان عبر العراق.

جاء الموقف الروسي برفض استلام السنّة أو الأغلبية للسلطة، لضمان المصالح الروسية من خلال تعويم النظام، ولذلك دعمت روسيا عمليات التهجير القسري من مناطق الأغلبية، وتريد استمرار النظام الطائفي الذي تدعمه عبر فرض (كوتا) طائفية في الدستور الذي تعمل على إصداره من خلال مسار أستانا.

تاريخيًا، لعب العامل البشري دورًا مؤثرًا، سواء في إغناء التنوع الثقافي والاجتماعي ورسم ملامح الهوية الوطنية، أو تشويه متعمد للثقافة والهوية، وقد تشكلت هوية أميركا على سياسة إلغاء الآخر تمامًا منذ اكتشاف كولومبوس لها، حيث قام المهاجرون الأوروبيون بعمليات إبادة واسعة للهنود الحمر سكان البلاد الأصليين، كما جلبوا الأفارقة للخدمة والعمل في مزارعهم، كعبيد ومرتزقة.

جرى تأسيس كيان “إسرائيل” على خرافة عودة الشعب اليهودي لأرض الميعاد، وعمل الصهاينة على طرد أصحاب الأرض الفلسطينيين من بيوتهم وديارهم، لإقامة الدولة اليهودية الخالصة، وعلى الرغم من ذلك، لم تُفلح سياسات “إسرائيل” في القضاء على عرب 48 الذين عادوا لتشكيل تهديد ديموغرافي مستقبلي لهوية “إسرائيل”، لازدياد كبير في معدلات النمو السكاني لديهم، وكونهم من حملة الجنسية الإسرائيلية.

تشعر أوروبا بصعوبة الحفاظ على الهوية والثقافة، وبتهديد خطر الانقراض العرقي الناجم عن ضعف الإنجاب، لأسباب تتعلق بشيوع المثلية الجنسية وأنماط ثقافية في تخفيف الإنجاب ظهرت تحت تأثير الحرب العالمية الثانية، ومن المحتمل أن تفتح الزيادة الكبيرة في أعداد المهاجرين واللاجئين صراعات خطيرة على الهوية بأبعاد عدائية.

وعلى الرغم من عمليات التدمير والتهجير والتطهير الواسعة التي طالت السوريين، وعمليات إحلال وتوطين غرباء في بيوتهم، وفرض ثقافة دخيلة عليهم بغرض تغيير ملامح المجتمع السوري ومحو معالم هويته الأصيلة؛ فإن الهوية السورية التي عمرها آلاف السنين تستطيع المقاومة والانتصار على موجات طارئة من غزو فج.

كانت تغريبة بني هلال، بسبب الجدب والقحط الذي ضرب بلاد الشام، لكنها وصلت إلى تونس الخضراء، وكان لها إسهامات في تعزيز أواصر القومية العربية، ثم تحولت إلى سيرة شعبية محببة، فكيف سيكون حال العالم مع تغريبة سورية وصلت إلى حدوده وأطرافه؟ وما هو حجم الجمال والدهشة في تفاصيل تلك التغريبة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق