مقالات الرأي

ماذا يمكن للسوريين أن يفعلوا؟

في لقاء تلفزيوني، حول تطور المقتلة السورية خلال الأسابيع الأخيرة، وما حملته معارك ريف إدلب وريف حماة من تطورات، خصوصًا في ظل تنفيذ التوافق الروسي/ التركي الذي تمّ تتويجه بصفقة صواريخ إس 400 الاستراتيجية، التي بدأت أنقرة باستلام دفعات منها، والتي تتردد موسكو بتسليمها حتى للدول الحليفة تاريخيًا لها، سألني الصديق المحاور، بعد أن استمع لرأيٍ تشاؤمي للوضع القائم، عمّا يمكن للسوريين القيام به، للخروج من عنق الزجاجة القذرة التي وجدوا أنفسهم فيها نتيجة تكالب ذوي النوايا السيئة في الوطن والإقليم والعالم عليهم!

وعلى الرغم من توقعي للسؤال، فإنني وجدت نفسي فعلًا مُجرّدًا من أي إمكانية عقلانية، للرد السريع المقتضب الذي يحترم ذكاء المتابعين، ولا يقترح حلولًا لا باع لي في فهم معانيها، فكيف لي البحث عن كلام يحمل الحد الأدنى من الإجابة؟ وسألت نفسي: كم من نخبنا المفروضين علينا أو المختارين منا، قادر على الإجابة بسلاسة على مثل هذا التساؤل الإشكالي! كم منهم قادر على صياغة جواب مقنع نسبيًا، ولا يستهزئ من خلاله بمن يستمع لكلامه ومن يحاوره؟ الجواب الذي يرد للأذهان منطقيًا أنه من شبه النادر أن يتوفر مثل هذا الإنسان. أما في الواقع، فغالب من يدعي وصلًا بالنخبة ثقافة أو سياسة، سيتنطّح ويُجيب إجابة العارف الواثق المتمكن، ويبدأ بطرح السيناريوهات وما أكثرها! وما أكثر تفاصيلها التي لا يعلم بها إلا هو! إضافة إلى العلم بالشيء المجهول حتمًا، ستفصح قريحة المتحدّث عن مصادر للمعلومات، لو سنح لجدنا آدم أن يحصل على واحد بالمئة منها، لامتنع عن أكل التفاحة، واكتفى بالنظر إليها مع شيء من الإعجاب والوله غير الضارين.

خلال السنوات الماضية، وعلى “هامش” موت السوريين وتهجيرهم واعتقالهم وتدمير حيواتهم المادية وغير المادية، وانتهاك أعرضاهم وأطوالهم، والاستهانة بأوجاعهم وبمجاعاتهم، والعنصرية المستدامة بحقهم من كل أطراف الجوار، الشقيق منها وغير الشقيق؛ ظهرت كتلة بشرية، كالورم الخبيث، من النخب المثقفة أو السياسية، أو ممن تحقق فيه الشرطان، وهذا نادر، لكي تُغدق علينا وعلى كل مساكين البلاد ومن آزرهم ومن تعاطف مع قضاياهم، أو حتى من يشمت بمآسيهم، بالتحليلات المتشعّبة والتفسيرات الكاشفة للخبايا، والتوقعات التي تفوق في رداءة صياغتها أكثر المنجمين نفاقًا والتواءً واعوجاجًا.

صرنا قادرين على صناعة خبراء في السياسات الدولية قادرين على تغطية أحداث الكرة الأرضية والمجرات. ولا ضير في أن يسعى كل من أفراد الجنس البشري لتصور سيناريوهات، والخروج بحلول عجائبية، ولكن الخوف، وهو أولًا على الذكاء البشري، هو من اختراع المصادر واللقاءات والتسريبات والأرقام والتواريخ. فصار الكل صديقًا لسفير تلك الدولة العظمى الذي لا يمكنه النوم في دارته العامرة، إن لم يُفصح لصاحبنا (الخبير في كل الأمور) بأسرار دولته العظمى، وخصوصًا ما هو مرتبط بالشأن السوري. فالسفير الأميركي، السابق والحالي وما بعد الحالي، زاروا خبيرنا الاستراتيجي الدفاعي الأمني التكتيكي الباحث في شؤون الذرّة وزراعة البطيخ في الأراضي القاحلة وسكنى القمر وري المريخ (…)، في دارته أو في فندقه أو حتى في تريضه وصولًا إلى أحلامه، كي ينقل إليه، أولًا، تحيات الرئيس الأميركي، وكي يُسرّ له بخبايا البنتاغون وخططه المستقبلية في ما يتعلق بالوضع السوري. أما السفير الفرنسي، فوقف على باب دار خبيرنا ينتظر الفرج من صاحب العقد والحل، لكي يمنحه دقائق من وقته ليُفصح له عما تتداوله دهاليز قصر الإليزيه من “حتوتات” سورية. ولا يقتصر الأمر عليهما ليلتحق بهما سفيرٌ روسيٌ في عاصمة غربية كبرى، طلب بإصرار لقاء خبيرنا المشغول بإعادة اختراع الدولاب، فمنحه بعد طول انتظار بعضًا من وقته الثمين لينقل له، طالبًا كتمان السر، كلّ تفاصيل العملية الروسية بالتنسيق مع تركيا، التي ترتقبها المنطقة الشمالية في سورية. ولكن خبيرنا لا يملك أن يكتم السرّ عن مواطنيه الذين وعدهم، منذ البدء، بأن يخبرهم بكل شاردة وواردة في مناماته المزعجة، أو عفوًا، في لقاءاته العامة. وأخيرًا، وليس آخرًا بالتأكيد، لأن الخيال واسع والذمة أيضًا، فسيكون له موعد على العشاء مع السفير الصيني الذي استطاع إليه سبيلًا، بعد معاناة امتدت شهورًا لم يملك خلالها صاحبنا الوقت لملاقاته. وقد أسرّ له ممثل بكين بما تتداوله القيادة الصينية، من سيناريوهات مسبقة الإعداد مع الأخوات والإخوة في موسكو وضواحيها.

وعلى هامش ممثلي الدول الخمسة الأعضاء في مجلس الأمن الذين يتسابقون للقاء خبيرنا، والتصريح له بما خفي وعظم، فإن مبعوثين خاصين لكافة أمراء وملوك المنطقة يصطفون أيضًا على بابه، ليخبروه بأسرار البلاط. وبالتالي، فهو يملك القطبة المخفية وسر حركة المجرّات.

من المسلي ربما الاستماع إلى من يدّعي أنه ركب في الطائرة إلى جانب مونيكا بيللوتشي، وجرى بينهما حديث حميم. بالمقابل، الادّعاء، في أمور الألم والمعاناة، قبيح ويجرّ الآمال نحو الهاوية. إن أحب بعض الخبراء الهاوية، فعليهم القفز إليها بسرعة، وليتركوا الناس من شرّ أفكارهم الرغبوية ومعلوماتهم المنسوجة في خيالهم الخصب.

أما أنا، فلا أملك جوابًا عن سؤال الصديق المحاور.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق