هموم ثقافية

حمَّى كتابة الرواية

أعرفُ أنَّ النص الأدبي أو الفني، أيًا كان جنسه، هو نصٌّ ينطوي على عقلانية النفي، هو عملٌ احتجاجي، بعد قراءته نصير نغني، نرقص، نتساءل، نسأل، وربَّما نضحك أو نبكي، أو يزداد تعالينا على الألم والحزن والهزائم، لأنَّ النص سواء أكان رواية أم قصيدة أم مسرحية أم.. هو تعالٍ على التجربة الحياتية الواقعية وإعادة اعتبار لإنسانيتنا، هو ردُّ حقٍ تمَّت سرقته أو اغتصابه ترهيبًا أو ترغيبًا في لحظة ضعف، وإلا -وهذا من غير المعقول أو لا يقبله العقل- فستكون هذه النصوص وسائل لتدمير الحياة، نصوصَ موت، وبمثابة ألغام تنفجر، تفترس كل نشاط فكري عقلاني.

ما الذي أصابنا، أصاب روحنا فنعيش كالخشب جفافًا؟ نحن الذين من البشر/ الإنس، وليس من الجن. ألا تمتُّ بنا صلة قرابة إلى هؤلاء الكتَّاب، بالدم أو اللحم، أو بالنسب والحسب، أو بالقانون، أو بيولوجيًا أو أيديولوجيًا أو ثقافيًا، فيعيدوا النظر في ما يكتبونه، فلا يخاطبوننا بهذه اللهجة الاستبدادية؟ ما ذنبنا إن كنَّا نقرأ وهم يجهلون أنَّ القراءة تحل التناقضات؛ الخلافات. وتزيد في المعارف؛ العلوم. وتثيرُ الحماس؛ الحب؛ الكره؛ الحقد. وتغيِّر الآراء؛ المواقف. وتولِّد الحياة؟ وأنَّ القراءة -وإن كانت فعلًا أنانيًا- إنَّما هي فعل خير فيه منفعة، هي فعلٌ، تجربة يومية لا تزول، بل تتطوَّر، من أوَّل أشكال الكتابة إلى اللغة المسمارية والهيروغليفية إلى اللاتينية ومشتقاتها فالعربية.. وأنَّ القراءة تُلهم وتثير التفكير، وتُعيد الثقة بالعقل، مهما كان يضمر من أغراض دنيئة، لأنَّه من يقودنا إلى الوجود، ولأنَّه وحده من يملك حق النقد والتحليل؟

أكثر من احترمَ المكان، سواءً كان مكانًا خاصَّا أو عامًّا، في أدبنا العربي هم الشعراء الجاهليون؛ حتى إنَّ قصائدهم تبدأ بالوقوف على الأطلال (بقايا المكان/ الديار). فنرى إدراكهم الحسِّي به وكيف ينشرون في فضائه قِواهم النفسية والعاطفية والفكرية؛ بل إنَّ بعضهم يمكن أن نسمِّيه (شوارعجي) من كثرة ما حكى وذكرَ الأمكنة في أشعاره.

لكننا، اليوم، مع هذه الحمَّى التي أصابت الأدباء!! حمَّى كتابة الرواية، لا نكادُ نعثرُ على مكانٍ، سواء كان مقدَّسًا أو عامًا، في رواياتهم، مع أن ذلك شرطٌ من شروط تحقُّق الفعل الروائي إلى جانب الزمان. فالروائيون وخاصَّةً هؤلاء الجُدد الذين عثروا على حالهم في هذا الفن الذي ساهم في إثراء فكر عصر النهضة الأوروبية، تراهم لا يذكرون المكان، وإن كانت شخصيات رواياتهم من قطَّاع الطرق أو المجرمين.

لقد استسهلوا الكتابة في هذا الفن الذي تحوَّل على أيديهم إلى مأوى للعجزة وعديمي الموهبة، فصارت الرواية هي المكان الذي يأوون إليه. وكأنها سجنٌ، لا يغادرونه إلى أمكنة تالية، فنرى اكتشافاتهم، وكأنَّهم لم يقرؤوا “ابن بطوطة” ولا “ألف ليلة وليلة”، فيتعلَّموا كيف تُكتَشف المدن والأنهار والجزائر والبحار والصحاري والجبال والوديان، والغرف السرية التي تُعقد فيها المؤامرات والصفقات. عجيبٌ أمر هؤلاء الروائيين، فالمكان عندهم، إن وُجِدَ وعثرتَ عليه؛ مكانٌ موحش خالٍ من الإنس والجن إلاَّ من هواجسهم، التي تكشف سطحية تفكيرهم وأنانيتهم؛ وجهلهم بمقوِّمات هذا الفن. فترى الرواية وقد طفحت بروائح الغرائز، ولا سيما المغمَّسة بالشبق كعنصر جذبٍ داعم، متناسين أن يحمِّلوا المكان دلالات وإشارات، كما في روايات عبد الرحمن منيف، أو نجيب محفوظ، أو فواز حداد، أو حنا مينا، أو رشيد بوجدرة، وإلياس خوري، والطاهر وطار، وجمال الغيطاني، وهاني الراهب، وفارس زرزور، وآخرين.

دلالات تبعث الجمال في إحداثيات المكان الواقعي أو المتخيَّل، باعتبارها إحداثيات موازية ومشاكسة لحياتنا التي نعيش، فتحضُّ قارئها على الحركة والفعل بدلًا من السكون؛ دلالاتٍ على الغالب تحفِّز إدراكنا الحسِّي بالمكان، فنراه بضوء الشمس والعقل معًا ليتشكَّل الزمن، وذلك حين ننتقل من “أرض السواد” إلى “الشراع والعاصفة”، ومن “باب الشمس” إلى “الزيني بركات”، ومن “المهزومون” إلى “معركة الزقاق”، ومن “تياترو 49” إلى “عرس بغل”. فنرى (الزمن) وهو يمر متبخترًا باعتبار أنَّ المكان هو الميدان الذي سيكشفه الضوء الذي فوق، في الرأس، وليس الذي في العين.

مكانٌ، كأيِّ مكان دارت فيه حكاية حُبٍّ أو حربٍّ؛ مثل هذه الحرب السورية التي مرَّت بمراحل من العنف أفقدتنا الإيمان بالإنسانية، لا إنسانية ولا إنسان معنا، حربٌ ماكرة؛ استغراقٌ في القتل، ونبذٌ قاسٍ للسوري. وكل ما كُتب عنها، من شعر ومسرح وموسيقى ورسم ورواية، لا يتعدى الوصف الإنشائي للمكان والزمان والضحية. في حين لو تأمَّلنا رواية مثل “الحرب والسلم” لتولستوي أو “الجنرال” لألان سيليتو أو “صمت البحر” لفيركور، للاحظنا أنَّ الإنسان قد مثَّل الحقيقة المطلقة فيها، فهو الأوَّل والآخر، ومن دونه لا تقوم حربٌ في زمانٍ ما ومكانٍ ما؛ إنْ في الجو أو البحر أو البر. فنسمعُ ونرى ونحنُ نقرأُ أصواتًا وصورًا، بل ونلمسُ نبض الروح وهي تفارق جسدها، والجسد صارَ ذراري. ماذا فعل هؤلاء الكَتَبَة، أمامَ جحيم هذه الحرب التي كَثُرَ فيها الأعداء وقلَّ الأصدقاء، وصارَ المعبدُ مسلخًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق