أدب وفنون

الحب في مأساة الواقع السوري

عن مسرحية (الليلة الثانية عشرة) لوليم شكسبير، من إعداد عبد الرحمن دقماق، ومتابعة درامية لقمان ديركي، وإخراج أسامة حلال، قدمت فرقة (العمل للأمل) عرضها المسرحي بعنوان (إش لي بدش) على مسرح دوار الشمس ليومين متتالين، العنوان (إش لي بدش) يعني باللغة الألمانية (أحبك).

في الجزء الرابع من كتابه (تاريخ المسرح أعلام وأعمال، دار الآداب، 2012) يكتب المؤلف روجيه عساف عن نص (الليلة الثانية عشرة) لوليم شكسبير: (إنها الأخيرة من كوميديات شكسبير، وتجمع في توليفها كل الاختبارات الكوميدية السالفة: الالتباس بين توأمين، وتنكر فتاة في شخصية غلام، وتشابك الغراميات بين العشاق، وتماس الدرامي والهزلي، وحتى أجواء المرح في عصبة من المزاحين. ومع ذلك تبلغ أعلى درجات التناغم بين الشاعرية والطرافة وحذاقة الواقعية النفسية، ويعتبر البعض أنها جوهرة الكوميديات الشكسبيرية).

على مستوى العرض، يحافظ المخرج على العناصر الفنية–المسرحية التي عرفت عن عرض شكسبير الذي قدم للمرة الأولى العام 1600. حيث تحتل الموسيقى والكوميديا الهزلية مركزًا أساسيًا في خلق الأجواء المناسبة، يُدخل المخرج أسامة حلال، مجموعة الممثلين مع فرقة موسيقية من بين مدرجات الجمهور، بأداء أغان راقصة تهدف إلى إثارة الجمهور وخلق التفاعل بين الخشبة والصالة، كما يبدأ العرض –أيضًا- بطريقة عرفت من الأساليب الشكسبيرية في التعامل مع الكوميديات، حيث لدينا راو يعرّف بالشخصيات في المسرحية، ويخلق جوًا من التفاعل مع الجمهور.

على مستوى النص، ينجح المخرج ومعدّو النص في تحويل القصة الإليزابيثية، أي التي تعود إلى المسرح الإليزابيثي وتجري في القصور بشخصيات الدوقات والأمراء، إلى واقع المخيمات السوري اليوم. تفتتح المسرحية بمجموعة من المسافرين السوريين المتجهين إلى الحدود السورية اللبنانية، في إشارة إلى رحلة الهجرة والنزوح، تتكرر هذه الرحلة لثلاث سنوات 2012 – 2014 – 2018، وكلما اقتربت هذه المجموعة النازحة من الحاجز الحدودي؛ وقع عاشقان جديدان في حب كل منهما للآخر، وفي المرات الثلاث تضطر المجموعة إلى الافتراق، مما يحول دون لقاء أي عاشقين وإكمال قصة عشقهما، لتنتقل الأحداث تاليًا إلى داخل مخيمات اللجوء السورية.

تقسم السينوغرافيا خشبة المسرح إلى الأماكن المعتادة في مخيمات اللجوء، على يمين المسرح دكان، على اليسار صالون حلاقة نسائي، وفي العمق مقهى يجتمع فيه الشباب لتمضية الوقت في المخيم. هذه الفضاءات الثلاثة تشكل الأماكن الأساسية التي ستجري فيها أحداث المسرحية. (سينوغرافيا: فارس خليف)

أثناء رحلة النزوح إلى لبنان، تفترق (سارية، أداء: فاطمة دياب) عن أخيها التوأم ساري، وحين تصل إلى المخيم، تضطر، في سبيل الحصول على عمل، إلى التنكر بشخصية ذكر، فتقلد ملابس وحركات وطرق نطق أخيها، لتحصل على عمل في دكان (محمود، أداء عبد الله بيرقدار) الذي ما تلبث أن تتعرف عليه (سارية) حتى تقع في هواه. لكن (محمود) عالق في حب (حنان، أداء هبة عرايشي) كوافيرة المخيم، التي يقع في غرامها أيضًا (ستيف) وهو سوري عائد من ألمانيا إلى المخيم، للحصول على حب حنان.

بلفتة ذكية من النص، تتردد شخصيات المسرحية في الدخول في علاقات حب، بسبب الأوضاع الصعبة والمأسوية التي يعيشها المجتمع السوري. عدد من الشخصيات تبرر رفضها للدخول في علاقة حب، بسبب الألم على فقدان الأهل والأقرباء، على كثرة الموتى، على عدد المعتقلين في السجون، على حالات الخطف والإختفاء القسري، وعلى حالات الغرق في رحلات الهجرة عبر مياه البحر المتوسط باتجاه أوروبا. ربما تكون هذه النقطة هي الموضوعة الأساسية في المسرحية، كيف الشعور بالحب، والاستسلام للغرام لشخصيات تأتي من مجتمع يمر بهذه الظروف السياسية، الاقتصادية، والاجتماعية؟ إنه سؤال الحب واستمرارية الحياة في ظل تجربة قاسية ومأسوية يعيشها مجتمع بأكمله.

يذكر البيان الخاص بالمسرحية: (في السنوات الأخيرة، خسرنا الكثير من الأشخاص والأماكن والطموحات والأحلام، وفي ظل خيبات الخسارة وآلام الفقدان، نبحث عن أي شيء ندافع فيه عن أحلامنا وآمالنا. غالبًا ما يحتوي الحب على الجرعة الأكبر من الشعور الذي نبحث عنه).

يركز شكسبير على حضور شخصيات من المزاحين – المهرجين في عروضه، وكذلك عرض (إش لي بدش) يخلق ثلاث شخصيات من المزاحين – المهرجين، هم (هاني، أداء: أيمن السيد) الشاب السكير الذي يقع في غرام (لينا، أداء: وفاء داحوس) مساعدة الكوافيرة. يحاول (هاني) بطرق كوميدية التخلي عن عادة السكر والشرب ولكن من دون جدوى، هناك أيضًا شخصية (ستيف، أداء: أيهم عطية) السوري الذي اكتسب الثقافة الألمانية لكنه ترك كل الرفاه والحياة الأوروبية، لينتقل للعيش في المخيم البائس، كل ذلك للحصول على حب حنان. تمثل شخصية (ستيف) التصادم بين الثقافة السورية والثقافة الألمانية، وتقدم العديد من النكات على المفارقة بين الثقافتين. أما ثالث المزاحين – المهرجين فهو شخصية (هيثم، أداء: عمر بدره) مغني راب يستلهم أغنياته من الأحداث التي تجري من حوله، ويتحدث على الدوام، وكأنه يؤدي أغنية راب بالإيقاع والقافية. هذا الثلاثي يحقق معادلة الكوميديا الهزلية التي أراد شكسبير لها أن تكون أحد عناصر مسرحيته، وكذلك القائمون على عرض (إش لي بدش).

ترفض كوافيرة المخيم (حنان) حبَّ كل من (محمود وستيف)، وتقع، كما في الكثير من كوميديات الحب، بغرام المرسال بينها وبينهم، إنها (سارية) المتنكرة بزي (ساري). هذه المفارقة الجندرية التي يركز عليها شكسبير في مسرحيته، حيث العديد من قصص الحب التي تتداخل بين شخصيات تتنكر جندريًا وتغير جنسها. في أحد مشاهد المسرحية، يتنكر المتشردون الثلاثة (هاني، ستيف، وهيثم) بملابس نسائية للدخول إلى محل الكوافيرة النسائية (حنان) والحصول على معلومات عن حقيقة مشاعرها، تجري الكوميديا الجندرية هنا في الأداءات الحركية، أنواع الأحاديث، وطرق التصرف والسلوكات بين الذكورة والأنوثة.

يدمج المخرج، بالإضافة إلى الأداء التمثيلي، أداء حيًا لفرقة الموسيقية، حيث تقدم مجموعة من المعزوفات المرحة، والأغاني المعبرة عن لسان حال الشخصيات بطريقة هزلية، تحاول كلمات الأغنيات المؤداة على المسرح أن تشرح حالات الحب، التوهان في المشاعر، وأن تصف طريقة عيش الشخصيات في يوميات المخيم. (إشراف موسيقي: خالد عمران)

من الشخصيات الأساسية في المخيمات السورية، شاويش المخيم، تحرص المسرحية على تجسيدها (أبو صالح، أداء: أحمد ابراهيم)، شاويش المخيم شخصية تظهر رصينة، وعلى الرغم من التزامه الديني، فإنه يبيع الكحول للمتشردين الثلاثة، وهو متزوج من امرأتين، ولكنه فجأة، حين تصله رسالة غزلية على الواتس آب، يتصابى، يرتدي ملابس أرجوانية اللون، ويغيّر من طباعه وسلوكاته، معتقدًا أنه بذلك يتقرب من مرسلة الرسالة التي اعتقدها الكوافيرة (حنان). حكاية هذه الشخصية تكشف زيف ثوب الرصانة الذي يرتديه البعض للسيطرة والتحكم في المخيم، بينما هم ينتظرون الفرصة لتغير تصرفاتهم وسلوكاتهم، بحسب ما تسمح لهم الظروف والفرص، وهذه واحدة من تقنيات النقد الاجتماعي في المسرح الكوميدي.

في القسم الأخير من حكاية المسرحية، تصل مجموعة من الرسائل النصية على الواتس آب، إلى كل الشخصيات، كل رسالة تعد قارئها بالحب وتفيض بالغزليات، وتضرب لهم موعدًا عند شجرة كينا المخيم. كل الشخصيات تصل إلى الموعد المذكور من دون أن يخبر بعضها البعض، ومن ثم يكتشف كل منهم وجود الآخر، في اللحظة التي يصل فيها الأخ التوأم الضائع (ساري، أداء: تميم إبراهيم) إلى المخيم، ويعثر على أخته التوأم (سارية)، فينكشف تنكرها أمام الجميع، وكما في الكوميديات العاطفية، فإن النهاية هي اكتمال علاقات الحب، وتحقق الثنائيات السعيدة بناءً على منطق الأحقية والأخلاق، يكتب روجيه عساف، عن نهاية مسرحية (الليلة الثانية عشرة): ( يجتمع الشمل في المشهد الأخير، كي تتبدد الأخطاء وتنفرج الأجواء)، كما هي حال الكوميديات العاطفية.

هكذا يقدم العرض للمتلقي، جرعة من الفرجة، جرعة من الأداءات الموسيقية والغنائية، وأسئلة تتعلق بإمكانية الحب، وفتح المصير على العواطف والارتباط، في ظل الوضع المأسوي الذي يعيشه المجتمع السوري، وخصوصًا واقع المخيمات. الفقرة التالية من البيان الخاص بالمسرحية، توضح الأسباب التي دفعت القائمين على العرض إلى اختيار موضوعة الحب في المخيمات السورية لمعالجتها: (حتى الحب من طرف واحد صار محببًا لدينا، ما زالت فيه جرعة من الأمل، حتى لو كان وهمًا. نحب الوهم ونكره الواقع الملموس القبيح، نكره حقيقة ما نحن فيه، نتعلق بوهم يأخذنا نحو حقيقة أجمل. إنه الحب، ذلك الوهم أو الأمل الذي قد يستطيع انتشالنا من واقع الهزيمة والآلام والإحباط).

تأسست فرقة (العمل للأمل) المسرحية في عام 2013، وقدمت عملين مسرحيين هما (خيمتنا) و (ألف خيمة وخيمة)، في العام 2015 واصلت الفرقة التدريب مع المخرجة المصرية ليلى سليمان، ثم مع المخرجة اللبنانية كريستيل خضر التي أخرجت للفرقة عملين هما (أنجي ويالنجي) و(الفيل يا ملك الزمان). يتكون الفريق حاليًا من 17 عضوًا من النازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين، كما من اللبنانيين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق