تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

تغييرات أمنية تجعل روسيا “مايسترو” المؤسسة الأمنية والعسكرية السورية

في الثامن من الشهر الجاري، قالت مصادر إعلامية وأهلية مقرّبة من النظام السوري: إن رأس النظام بشار الأسد أجرى بعض المناقلات بين رؤوس الأجهزة الأمنية، وعيّن علي مملوك، الذي يُعرف في سورية بـ “رجل الظل”، نائبًا له، ورجّحت المعارضة السورية أن تكون التغييرات قد جرت بطلب أو أوامر روسية، ولم تُحاول أن تقرأ عمق هذه التغييرات التي يمكن أن تكون مؤشرًا في غاية الخطورة والأهمية، لمسار سورية المستقبلي.

أهمّ الأشخاص الذين أطيح بهم، اللواءُ جميل الحسن، مدير إدارة المخابرات الجوية، الذي اقترح على النظام السوري منذ بداية الثورة استخدام البراميل المتفجرة العشوائية لقمع الحراك السلمي، ونقلت وسائل إعلام قوله إنه “مستعد لقتل مليون سوري” وأن يقودوه بعدها لمحاكم دولية، واسمه يرد بالفعل في قائمة العقوبات الأميركية والأوربية، وهو مطلوب لمحاكم أوروبية.

كذلك تم تعيين اللواء غسان إسماعيل مديرًا لإدارة المخابرات الجوية خلفاً للواء جميل الحسن، وتعيين اللواء حسام لوقا مديرًا لإدارة المخابرات العامة، خلفًا للواء ديب زيتون، وتعيين اللواء ناصر العلي رئيسًا لشعبة الأمن السياسي، خلفًا للواء حسام لوقا، واللواء ناصر ديب مدير إدارة الأمن الجنائي، خلفًا للواء صفوان عيسى.

وعلى الرغم من أن وسائل الإعلام السورية الرسمية لم تنشر أي خبر حول هذه التعيينات والمناقلات، وكذلك لم يصدر أي بيان رسمي بشأنها، فإن المعارضة السورية سارعت إلى القول إن روسيا هي من أملت على الأسد التغيير في هذه المرحلة، لتحقق مكاسب سياسية ولضرورات تكتيكية.

حقيقة الأمر أن جميع من تم تعيينهم في المناصب الأمنية العليا حاليًا هم من المقربين من روسيا، وهم مقربون من النظام، لكن ولاءهم لروسيا خضع لمحكّ، ونجحوا فيه، وكانت لهم زيارات عدة لموسكو خلال السنتين الأخيرتين، وعلى الرغم من أن جميعهم شركاء للنظام في جرائم الحرب التي ارتُكبت خلال السنوات الأخيرة، فإن الفرق الوحيد أن موسكو تثق بهم، وهم على استعداد لتلقي الأوامر منها، حين يحين الوقت.

جميل الحسن الذي أزيح من إدارة المخابرات الجوية، يُعدّ -وفق تقارير حقوقية كثيرة- المسؤول عن عدد من المجازر المرتكبة في سورية، وعن مئات القتلى تحت التعذيب في أقبية مطار المزة العسكري، ويُعرف بعلاقاته المتينة مع بشار الأسد، ومع الجانب الإيراني أيضًا، وهو مدرج على قائمة العقوبات الأوروبية، وسبق أن تم تمديد خدماته سبع مرات، وأبدى أكثر من مرة أسفه لعدم إظهار النظام مزيدًا من العنف تجاه المحتجين عام 2011، وكان من السهل على الأسد أن يمدد خدماته مرة ثامنة، وهو بالتأكيد يريد ذلك، وتنحيته عن منصبه كسر لأحد الأيدي التي كان يعتمد عليها الأسد ويثق بها.

أما اللواء محمد ديب زيتون، فقد كان عضو خلية الأزمة التي شكلها النظام عام 2011، وكان يشغل منصب مدير شعبة الأمن السياسي، وبعد تفجير خلية الأزمة، تم ترقيته وتسلم إدارة المخابرات العامة، بدلًا من اللواء علي مملوك الذي أصبح مديرًا للأمن القومي، وتفيد تقارير حقوقية عديدة بتورطه في ارتكاب عدد من المجازر في مناطق متعددة نم سورية، وهو مُدرج على قائمة العقوبات الأميركية والأوروبية، وهو أيضًا أحد أذرع الأسد الموثوقة.

أما اللواء حسام لوقا، الذي تم تعيينه مديرًا لإدارة المخابرات العامة، فقد عُرف بأنه عراب التهجير في سورية، وكان مديرًا لشعبة الأمن السياسي، وهو مدرج على قائمة العقوبات الأوروبية والأميركية، وهو أيضًا أحد المقربين من الأسد.

جميع من تم تعيينهم في المناصب الأمنية العليا في سورية الآن، نحو 40 منهم بالتحديد، باعوا العلاقة مع إيران ومع الأسد، مقابل علاقة وثقى مع روسيا، ونجحوا في اختبارات الولاء لموسكو، وحين طلبت منهم موسكو زيارتها، وافقوا فورًا دون الرجوع إلى مراجعهم، فاعتبرتهم موسكو خامة مطواعة للولاء لها، فاشتغلت عليهم وخضعوا لدورات عسكرية أمنية استراتيجية في موسكو، وكل من طلب من كبار ضباط الأمن الرجوع إلى مرجعياته (السورية أو الإيرانية) ليحدد موقفه من زيارة موسكو، اعتبرتهم موسكو غير أهل للثقة، فاشتغلت عليهم أيضًا، تدريجيًا وبحنكة، وأبعدتهم من مناصبهم خلال الأشهر الستة الأخيرة.

صارت الساحة الأمنية الآن في سورية ممهدة لموسكو، حيث وضعت مؤيديها في الكثير من المناصب العليا في الأمن والجيش، وهي قادرة على تغيير المشهد الأمني السوري بأسرع مما يمكن توقّعه، إن أرادت ذلك، لكن جميع المؤشرات تفيد بأنها ليست على عجلة من أمرها في هذا الأمر، وهي تُمسك ورقة الانقلاب جاهزة كورقة رابحة لأي خيار مقبل.

بعد تلك التعيينات الجديدة، قالت مصادر إعلامية متعددة، موالية ومعارضة، إن مملوك بات نائبًا للرئيس، وهو أمرٌ لم يصدر به أي بيان أو قرار رسمي مُعلن، ومن المستبعد أن يكون هذا الأمر صحيحًا، وإلا كان قد أُعلن عنه، باعتبار أن منصب نائب الرئيس هو منصب حكومي، لا أمني، وراحت بعض المعارضات السورية تقول إنه البديل المحتمل للأسد روسيًا، في أحاديث تؤكد أنهم لا يعرفون ما هي وظيفة الرجل وقدراته ومواطن قوته وضعفه، لأن مملوك، بالرغم من قوته الاستخباراتية -كصلةِ وصلٍ مع الاستخبارات العالمية والدولية والعربية وكمخزن أسرار المخابرات السورية والأسد- لا يمكن أن يكون بديلًا، فهو لا يملك أي سلطة داخل سورية من أي نوع، ولا يمكن أن تضع روسيا بيضها في سلته.

ومملوك (73 سنة) الذي شغل سابقًا منصب رئيس فرع أمن الدولة، ثم رئيسًا للأمن الوطني، وينحدر من منطقة لواء إسكندرون، وهو مُدرج ضمن لائحة العقوبات الأوروبية منذ أيار/ مايو 2011، بسبب تورطه بأعمال العنف ضد المتظاهرين السلميين الذين خرجوا ضد النظام السوري في آذار/ مارس من نفس العام، قام خلال السنوات الأخيرة بزيارات سرية عديدة إلى دول خليجية وأوروبية، من بينها إيطاليا والسعودية وموسكو ومصر والأردن وغيرها، كضابط ارتباط بين الاستخبارات السورية والقيادة من جهة، وبين الاستخبارات العربية والدولية من جهة أخرى، وكحافظ أسرار النظام، والثعلب الذي ورّط الأسد في الكثير من القضايا الأمنية والسياسية التي أغرقت الأسد في وحول لم يعد يعرف كيف يخرج منها.

مارست روسيا خلال الأشهر الثمانية الماضية ضغوطًا على الرئيس السوري، لاستبدال قيادات أمنية وعسكرية رفيعة المستوى، والتفت على المواقف، واستبعدت بطرق شتى الكثير من الموالين للأسد وغير الموثوقين من قبلها، والكثير ممن لم يُبدوا كفاءة في تنفيذ المهام المطلوبة منها.

باتت روسيا الآن “المايسترو” للمؤسسة الأمنية والعسكرية السورية، وهي قادرة على صنع انقلاب بساعات، يُطيح بكل من يعارضها، مهما صغر شأنه أو علا، وصولًا للرئيس شخصيًا، وبالتالي باتت قادرة على صنع التغيير الكامل، إن أرادت، ومن الواضح وفق استراتيجيتها هذه أنها ستريد في يوم من الأيام، لكنها تنتظر التوافق مع الأميركيين من جهة، والسعر المناسب من جهة ثانية، والتأكد من دورها المستقبلي من جهة ثالثة.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق