سلايدرقضايا المجتمع

الاعتقال في سورية يطال جميع الفئات

الاعتقال يصيب تقريبًا كلّ منزل سوري ما زال صامدًا في وجه الجحيم، طاعون يخنق كل من اشتم رائحته، أما من نجا منه، فقد غادر جغرافيا المكان.

الاعتقال سلاح النظام السوري في وجه أعدائه ومؤيديه، على حد سواء، كعصًا يخيف بها كل من يُفكّر برفع كلمة اعتراض أو تذمّر، كي يُبقي الجميع في “حظيرة” الطاعة، ترعى بذلّ وتنام بذلّ في الظلمة، خوفًا من ذئاب الأسد التي تتربص بكل من ينبس بكلمة.

ما يميز نظام الاعتقال في سورية أنه لا معايير ثابتة له، ولا أحد يمكن أن يكون بمنأى عنه، ولا موسم له، فالاعتقال طال في البداية المعارضين السلميين، ثم المسؤولين الذين يميلون للمعارضة ضمنًا، لأن المتظاهرين السلميين كانوا وقود الثورة وضجيجها ووهجها، فلم يتوان النظام عن زج هذه الفئة في سجونه، وحرص على التخلص منها بشتى الطرق، وإخراجها من رقعته الجغرافيا بالاعتقال أو التهجير أو القتل، لأنهم كانوا العمود الفقري للثورة.

كلّ من حالفه الحظ وأُفرج عنه فرّ هاربًا خارج سورية ليتابع نشاطه الثوري، بعد أن حظي بالحرية خارج الوطن، أما أهاليهم فالأغلب أنهم تبرؤوا منهم ظاهريًا، لينقذوا أنفسهم وليبقوا “تحت سقف الوطن” المرصع بالقمع والمحاصر والمهدد، يجترون الذل وينتظرون الفرج المؤجل.

الصنف الثاني من المعتقلين هم الرافضون التعامل مع النظام، أولئك كانوا رماديين انتظروا أن تميل كفة الصراع ليحددوا موقفهم، وهؤلاء لا يزالون ينتظرون، ومنهم من انكشفت أوراقه، ففروا من بطش النظام وشكلوا أحزابًا خارجية تُلامس أهداف الثورة من دون أن تشملها، كي تلاقي رضا المجتمع الدولي وتحظى بمقاعد في أي سلطة قادمة، أما من بقي منهم تحت “سقف النظام”، فمنهم من اعتُقل لعدم مشاركته في التبجيل للنظام والتنكيل بالمعارضة، أو من سُحب إلى الخدمة في صفوف قوات النظام وميليشياته، كي يقاتل أعداء النظام، ففي مملكة النظام لا وجود للرماديين الصامتين.

الصنف الثالث الذي خضع للاعتقال هم المؤيدون، بعض الشبيحة والمرتزقة العاملون في الجيش والأجهزة الأمنية والمؤسسات المدنية، الذين يُسمح لهم بممارسة الرشوة والتعفيش والاغتصاب والسرقة وممارسة كل أنواع الرذيلة، لكن ضمن قواعد لعبة النظام وتحت شعاراته وسلطانه، من دون أن يتجاوزا سقف الطاعة، وحين تتطاول رؤوسهم فوق أسوار شعارات النظام وبنيانه، أو تعلو الأصوات المطالبة بمحاسبتهم، ويخضع النظام للضغط الخانق؛ فإنه يُضحي بهم بالتدريج، فيستخدمهم لإنعاش هيكله المتراخي ويضخ في جسمه بعض الحياة، ويُقدّم نفسه كمحكمة عادلة ويستجيب لمنتقديه؛ فتبدو المسرحية الهزلية سلعة رخيصة تُقنع البسطاء وتُبهج المؤيدين الغارقين في وهم النظام. وهذا الصنف أكثر الأصناف خطرًا على النظام والمعارضة، وأهالي هذه الفئة لا يوثق بهم، ويتحاشاهم الشريف ويستخدمهم الخبيث أدواتًا لمآربه.

ماذا سيفعل آلاف المعتقلين المدفونين أحياءً في سجون الدكتاتور وزنزاناته، إذا أُفرج عنهم، إن عاشوا في مناطق النظام، وكيف سيصافحون يدًا بطشت بهم وحرمتهم من عمرهم وأهلهم، كل تلك السنين، وإن فروا خارج بلادهم وحالفهم الحظ في الهروب إلى بلاد أكثر حرية وديمقراطية؛ فسوف يخططون لاسترجاع ما خسروه بشتى الطرق، والانتقام من النظام وزبانيته، فتتوارث الثارات وتتخمر الأحقاد حتى يتفجر بركان القهر يومًا ما.

(أحمد) مساعد متقاعد في جيش النظام سابقًا، يقيم في دمشق حاليًا، اعتقله النظام ثلاثة أشهر، ثم أفرج عنه بعد رشوة مالية في عام 2016، دُفعت لأحد السماسرة بين السلطة والشعب. لم يسبق له أن تظاهر ضد النظام، فأولاده متطوعون في كتائب أمنية لدى النظام، وهو يُحسب على الرماديين الذين يضمرون الكره للنظام ويحابونه علنًا، لكنه طالب ببيته الذي يقطنه جنود النظام، فعاقبه النظام بالاعتقال، نام في أقبية السجون ثلاثة أشهر، وخرج منها كفيفًا، وحاليًا يرقد مع زوجته وحيدًا في مدينة دمشق.

(أمين) المختفي قسريًا منذ أربع سنين، اعتقله النظام في مدينة دير الزور، عندما كان برفقة زوجته عائدًا إلى المدينة من رحلة نزوح قصيرة في دمشق، ليُختطف من حاجز عسكري على بوابة المدينة، ويتنقل في سجون النظام من دون تأكيد يُثبت بقاءه على قيد الحياة الآن، بينما هاجرت زوجته وأولاده بحرًا إلى إحدى الدول الأوروبية ليكملوا حياتهم بعيدًا من والدهم الذي إن حالفه الحظ فسوف يبقى وحيدًا في وطنه يناجى ربه على أمل اللقاء بأهله.

(حنان) المعتقلة الشهيدة المغتصبة، اعتُقلت واغتُصبت وعُذبت من فروع الاعتقال في حمص، ثم سلمت جثة هامدة لذويها، ومعها تقرير طبي كتب فيه: “توفيت إثر إجهاض حملها”، ولتدفن قصتها إلى الأبد، أما زوجها فما يزال حتى الآن منتسبًا إلى إحدى فصائل الجيش الحر على حدود تركيا، يرفض البقاء حيًا حتى يقتل آخر عسكري في جنود النظام، وابنتها ما زالت تحمل اليافطات تجوب شوارع نيويورك، على مرأى موظفي مجلس الأمن، تُطالب بحقوق المعتقلين، والثأر من قاتلي أمها، من دون صدى لصوتها.

(لين) التي بدأت تتعافى من مرض أحاق بها في سجون الأسد بأعضائها التناسلية، وبدأ بصرها يتعافى، كيف ستواجه النظام وهي التي قضت ربع عمرها في سجونه، وحُرمت من استكمال تعليمها الجامعي، ولم تشهد لحظات والدها الأخيرة، وتحلم بالاجتماع بأمها المهاجرة إلى كندا، تقيم في منزل عمتها في مدينة إدلب، وتحلم بالعودة إلى غوطة دمشق، وتنتظر الانتقام من نظام الأسد بفارغ الصبر.

_____

(*) من المواضيع المشاركة في مسابقة (حسين العودات للصحافة العربية – 2019).

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق