سلايدرقضايا المجتمع

المعتقلات السوريات بين مطرقة الاعتقال وسندان المجتمع

“الداخل مفقود… والخارج مولود” عبارة سمعها كثيرون، لكن ربما لا يعلم معناها إلا من قرأها بعينه لحظة دخوله أحد الأفرع الأمنية التابعة لنظام الأسد في سورية. وقابلتها عبارة أخرى “الأسد أو نحرق البلد” أطلقها شبيحته مع بداية انطلاق الثورة السورية في عام 2011، وفعلًا أصبح البلد كما أرادوه، بعد أن قاموا باعتقال وتعذيب وقتل كل من هبّ للمطالبة بالحرية والعدالة والكرامة، والتخلص من عبودية الأسد، إن صح التعبير، التي دامت عشرات السنين.

لم تكن النساء السوريات بمعزل عمّا دار في سورية، منذ آذار/ مارس 2011 وما بعده، إذ لم تقفِ المرأة على الحياد، بل نزلت مع بداية الاحتجاجات الشعبية إلى جانب الرجل في الشوارع والساحات، مطالبة بالحرّية والديمقراطية. فطالت حملات الاعتقال النساء المشاركات والناشطات البارزات، وتعدّتهنّ لتطال قريبات الشبان المطلوبين أمنيًّا أو زوجاتهم، وذلك بغية الاستفزاز ودفع الرجال المطلوبين إلى تسليم أنفسهم، وهذه السياسة كانت ديدن النظام الأسدي منذ الثمانينيات.

رحلة الاعتقال

تبدأ رحلة الاعتقال من الحواجز المنتشرة، أو من خلال حملات دهم على المنازل، وصولًا إلى الأفرع الأمنية التي تعد المرحلة الأصعب في هذه الرحلة، حيث ستتعرض المعتقلة هنا إلى كافة أنواع التعذيب الجسدي والنفسي، خاصة إذا وقعت بين مجموعة من الوحوش البشرية الفاقدة لكل شيء له علاقة بالإنسانية والإنسانية.

تتعرض المعتقلة في الأفرع الأمنية للشبح والضرب، إضافة إلى نزع الملابس أمام عدد من السجانين والمحققين، ولا يخلو الأمر أحيانًا كثيرة من حالات الاعتداء الجنسي والاغتصاب، وقد تكون أصعبها أمام زوجها أو أهلها، بغية انتزاع اعترافات من أحدهم.

حالات الاغتصاب العديدة التي سمعناها وقرأنا عنها، بعد خروج الكثير من المعتقلات، كانت السمة الأبرز لكل حالات الاعتقالات التي طالت النساء، ومنهنّ من حملت وولدت في المعتقلات، مع الأسف، وسط صمت العالم أجمع وعدم مطالبة النظام بالإفراج عنهن أو حتى معرفة مصيرهن داخل المعتقلات.

مرحلة ما بعد الاعتقال ونظرة المجتمع

خروج المعتقلة من سجون النظام لا يعني أن رحلة عذابها قد انتهت، فهناك فصول جديدة وأنواع أخرى من العذاب بانتظارها خارج السجن، خاصة عندما لا يفرّق المجتمع بين معتقلة رأي ومعتقلة جنايات وجرائم، أو بين إنسانة وجدت نفسها بين ليلة وضحاها في المعتقلات، من دون أن ترتكب أي ذنب وأخرى مجرمة.

فالفتاة الجامعية ستجد نفسها خارج الجامعة، والموظفة خارج وظيفتها، كله بسبب قرار فصل تعسفي من قبل السلطة الحاكمة والمستبدة في البلاد التي ستعاقبك، داخل المعتقل وخارجه.

سيرفض العديد من الشبان الزواج من معتقلة، ناهيك عن حالات الطلاق التي حدثت بكثرة بعد خروج المعتقلة المتزوجة، وينتج عن ذلك فقدان الأولاد لأمهاتهم مرة أخرى، بعد أن أفقدهم إياها الأسد أول مرة، وليكمل الأب الجاهل على ما قام به الأسد “وظلم ذوي القرابة أشد مضاضة”.

لكن يبقى الأقسى من ذلك كله عندما لا يعترف الأهل بابنتهم (فلذة كبدهم) خشية “العار”، نظرًا لما يحمله ذاك الجسم الضعيف والمظلوم من علامات الاغتصاب والاعتداء الجسدي، ليبقى السؤال الأصعب الذي تواجهه وتخشاه كل معتقلة دخلت معتقلات النظام: هل اغتصبوك؟ فتصمت المعتقلة، وتتكفل العينان والدموع بالإجابة على هذا السؤال القاسي.

تسبب الانتهاكات التي تتعرض لها المعتقلات، داخل السجن وخارجه، العديد من الأزمات والأمراض النفسية التي ليس من السهل تجاوزها، أبرزها: الاكتئاب النفسي والتوتر والقلق والقهر النفسي والخوف، وهي حالات قد تؤدي إلى تفكير المعتقلة بالانتحار، ما لم يتم الإسراع بمعالجتها، وهنا يكمن دور المجتمع أولًا، ودور المنظمات والمؤسسات المختصة بهذي الأمور، إلا أن أغلبها غافل عن هذه الأمور، للأسف.

وقد وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان 7571 معتقلة، بينهن 85 طفلة قيد الاعتقال والاختفاء القسري، لا يزال مصيرهن مجهولًا حتى اللحظة، بينما فشلت كل المناشدات للمنظمات الدولية والأممية في محاولة معرفة مصيرهن ومصير الكثير من المعتقلين السوريين، كما فشلت كل المحاولات والمؤتمرات والاتفاقيات الدولية في إنهاء أكبر الملفات في سورية، بسبب رفض النظام السوري الخوض بأي حديث عنهم، لكنه عمد في الأيام الأخيرة إلى فتحها بطريقته الإجرامية المعتادة، حيث قام بتسليم الكثير من ذوي المعتقلين والمعتقلات أوراقًا، تفيد بوفاة أبنائهم داخل المعتقلات بسكتة قلبية، من دون تسليم الجثث لذويهم، أو حتى معرفة مكان دفنهم، فقط شهداء على ورقة، وهذه جريمة أخرى تضاف إلى السجل الإجرامي الطويل لنظام احترف الجريمة بكل أشكالها.

_____

(*) من المواضيع المشاركة في مسابقة (حسين العودات للصحافة العربية – 2019).

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق