سلايدرقضايا المجتمع

أين أبي؟

يجلس هذا الشاب بهدوء ولكن بعيون وجسد مترقبين وشفتين لا تستطيعان انتظار أسئلة المعالج، لينطلق بالتعريف عن نفسه، فجأة يغمرك سيل الكلمات والأفكار المتدفقة والمدفوعة برغبة شديدة في إثبات وجود وكينونة شخص تعرض بشكل منهجي لمحاولات مسحه، مسح آرائه وذاكرته وذاته، حتى آثار التعذيب عن جسده، ينقلك معه في رحلة صوريّة فتجد نفسك معه أمام الحائط معصّب العينين وتستشعر رطوبة المكان، وعندما تُماط العصبة عن عينيه ترى من خلال عينيه تلك الشجرة المرسومة على الحائط، إنها شجرة برتقال، وتحاول الابتسام معه، لكنه لا يبتسم، فتضيع ويبدأ في إرشادك مجددًا لما تعنيه هذه الشجرة، يقول له المحقق الغامض المتخفي كالسارق خلف لثام الخوف من أن يقطف برتقالًا من على هذه الشجرة: لو تواجد طفل بعمر الخامسة على أعلى تقدير، لكان سخر من إمكانية قطف برتقال مرسوم على الحائط. فيتلكم هذا الشاب الجامعي أن لا إمكانية لذلك، فيكون الجواب بكهرباء تسير في جسده عدة مرات، كعقاب للنقاش أو عدم تنفيذ الأمر، حتى يبدأ هذا الشاب بقطف البرتقال المرسوم.

لا يتوقف الاستهزاء بعقل وكرامة هذا الشاب، بل يقودونه إلى رسمة دراجة نارية على الحائط. وعندما يُطلب منه قيادتها، يجيب الشاب إنها لا تعمل، فيُطلب منه أن يبول على الحائط لكي يملأها وقودًا. مع استمرار التعذيب والضرب والكهرباء، ويتم سؤاله عن الذي يشاركه في أفكاره، ومن يقف وراء هذه الجرأة ليكتب على وسائل التواصل ما كتب. ليكتشف الشاب لاحقًا أن من يعذبه هي ميليشيا أزعجها ما كتب هذا الشاب عن حقٍّ مدنيٍّ له. ويتم وضع السلاح المخيف أمام جبهته، وتستشعر وأنت المستمع، ببرودة معدنه، وتحت وابل التهديدات يضغط على الزناد، وإذ بصوت مدوّي مع شيء مؤلم يرتبط بجبهته مع انتشار شديد لرائحة البارود مع رذاذه ليُعمي عيني الشاب الفتية. يجمد في مكانه من شدة المفاجأة والخوف. يقهقه المحقق قهقهة الجبان ويستطرد، فقد وجد قوة وهمية فيما يفعل، ثم يعيد التهديد على أن الطلقة القادمة هي قاتلة وليست وهمية، ويعيد الكرّة فقط لمتعة شخصيته المنحرفة.

يخبرك الشاب بألم عمّا تبعه من كمادات للعيون ومياه باردة للقدمين، قُدّمت له لإخفاء آثار التعذيب أثناء المحاكمة. لم يكن التعذيب الجسدي والإذلال النفسي وخرق المحرمات الدينية والجسدية كافيًا، بل تمادى إلى درجة إخفاء آثار التعذيب، وتجريده من حقه بأن يظهر ويشتكي ويدافع عن نفسه. تم اختطافه من الشارع من دون مذكّرة حتى لا يكون له حق أو أثر أو مطالب. يؤخذ منه اسمه ويتحول إلى نكرة، ولا يُقيّد له دخول، ولا يتم التواصل مع ذويه، وهذا فعل منهجي تشترك فيه كل سلطة ديكتاتورية سياسية أو دينية.

كل ما تنطوي عليه هذه المقتطفات المختصرة من الاختطاف، والقابلة نوعًا ما للقراءة من عنف أو إذلال أو محاولة لمحو الذات أو تشويهها، فإن الناتج عنها من آثار في كينونة هذا الشخص من انعزال وخوف وهلاوس وتغيير حقيقي في منظومته المعرفية التي يعرف من خلالها نفسه وعلاقته مع المجتمع من حوله هي حتمية. مع ذلك وجب التنبيه إلى أن ما أنف ذكره من أعراض للصدمة النفسية هي بقدر ما هو حتمي، وقد تظهر بعد فترة قصيرة من مروره بالتجربة، أو قد تستغرق وقتًا أطول لتظهر، ولكن مدى شدتها وتعطيلها لقدرة هذا الشخص على التعايش هو أمر فردي. الأمر نفسه ينطبق على مدى سرعة الشخص لخلق معنى لما مرّ به والتعاطي معه والاستمرار من بعده، بغض النظر عن مدى شدة التجربة أو مدتها، وهذا يعود لعوامل شخصية متعددة كالمرونة النفسية، ومجتمعية كالدعم المجتمعي من حوله.

في مجمل الأحوال، فإن أدبيات الصدمة النفسية للمعتقلين أو ضحايا الاختفاء القسري عديدة وعابرة للثقافات. ولكن يبقى هناك في جميع منشوراتنا وحتى وسائل الإعلام مهملًا بقصد، وبمعظم الأمر بغير قصد، لفئة مهمة ألا وهي من بقي وراء المختفي قسريًا من عائلة وأصدقاء. فبقدر ما يكون هذا الاختفاء القسري بكل تفاصيله مؤذيًا للمختطف نفسه، هو مؤذ بنفس الدرجة، ويسبب صدمة نفسية للطفل المتروك وحيدًا بلا جواب، أو الأم التي تترقب بين طيات الأيام خبرًا أو رائحة تشدها لطفلها المغيب. الكثير من المقابلات مع أشخاص كبروا كأطفال لآباء مغيبين، دارت عن الحزن والبكاء وتعابير التجهم، فبحسب قولهم: كانت تعابير الوجه الوحيدة التي شاهدوها والحزن هو الشعور الوحيد الذي اعتادوا محاكاته. فلطالما عبّر أبناء المختفين عن غضب أو حزن أو فراغ أو خجل وانعزال يسيطر على حياتهم. ألم الأمهات والجدات يُتعلم ويُتوارث ويخلق صدمة ثانوية في طفل لم يلتق في معظم الأوقات بهذا المختفي.

إن الآثار على من بقي خلف المختفي ليست نفسية فقط، بل إن لها تبعات كحقوق مدنية مسلوبة وتعليمية واقتصادية. فبسبب اختفاء الأب أو الأخ أو الشخص المُعيل، فإن من بقي بعده يفقد سنده. بالإضافة إلى غياب استمرار دخل أو مساعدة من حكومة، لأن ليس هناك جهة تعلن مسؤوليتها، وبالتالي فلا دعم له. وفي حالات عديدة تمت معاقبة من بقي قانونيًا، فتتم مصادرة أملاكهم وبالتالي يزداد الحمل والضغط النفسي والنزاع الداخلي مع ذكرى الغائب بين خوف عليه وغضب منه. ونزاع خارجي مع الخصم الذي أخذه وغيّبه وحوّل حياة الأسرة إلى جحيم. فإن إحساس العجز وعدم القدرة على تغيير واقع واسترداد مخطوف يدمي القلب ويشعل نار الغضب وأحيانًا يستشري اليأس الذي يطفئ وقود الروح.

كل ما ذكر يُلخّص بعدة كلمات ألا وهي انتقال الصدمة النفسية عبر الأجيال والحقد والرغبة في الانتقام من الخصم، سواء أكان نظامًا حاكمًا أو مُعتقد هذا النظام أو طائفة تنتمي لها هذه الميليشيا. أكثر ما يوجع في الصدمة أنها تُورث، وليست حصرًا على من خطف أو تعذب، بل هي على من حُرم من شخص ما وبقي من دون إجابة ومن دون جثمان ومن دون خاتمة لوجعه. إيقاف حرب أو حصار أو إحلال حل سياسي ما لا يشفي جرحًا من دون تقديم أجوبة من أي جهة على الأرض خطفت وعذبت. كلّ ما ذُكر سابقًا هو أمر عالمي وعلمي وروايات هؤلاء الأشخاص تمّت في جلسات العلاج، وكان بعضهم سوري والبعض عربيًا. وكان السؤال في ذهني دومًا، هل علاج هذا الشخص وحده سيفيد؟ وأنا أعلم في قرارة نفسي أن ما يمرّ به السوريون وما يحملونه معهم من جروح وندبات حول العالم لن يغيب. بُعدهم عن سورية لا يعني أن أطفالهم سليمون، وأن الجرح والألم ذهبا مع ذهاب تهديد (داعش) أو ميلشيات (قسد) أو غيرها مما اختلفت مسمياته ولكن مضمونه واحد.

ذكرت سابقًا وأعيد بأننا جميعًا نتوق إلى التعافي، ولكن أي تعاف يتطلب عملًا حقيقيًا وإشراكًا لجميع الأطراف، حتى عائلة المختطف في البحث والتحقيق، حتى التنقيب عن آثار، فكل ذلك يساعد في إيجاد خاتمة لذلك الجرح. هذا العمل يتضمن سن قوانين لحماية الحقوق المدنية للشخص المغيب وعائلته وقدرته على مزاولة مواطنته، والتعامل مع مكونات مجتمعه بالتساوي.

أول ما تسلبه الصدمة للشخص هو هدوء الروح وسكينة العقل واقتلاع الجذور من المجتمع، ومهما طال الزمن سيستيقظ ويعود الدمار والانتقام. في سورية وفي ظل الرغبة في التعافي، وهي أمر مهم، ويبقى لدينا هاجس العمل على ما تحتاج إليه الأجيال لنعيد للروح هدأتها.

_____

(*) من المواضيع المشاركة في مسابقة (حسين العودات للصحافة العربية – 2019).

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق