سلايدرقضايا المجتمع

مراكز الاعتقال في سورية… التجربة الجحيمية

لم يبالغ الشاعر اللبناني جبران خليل جبران، حينما وصف سورية، قبل أكثر من مئة عام، بالقول: “سورية كرمة قد نمت قدمًا أمام وجه الشمس، وأعطت عنبًا لذيذًا تمجدت بطعمه الآلهة، وخمرًا سحريًا شربت منه الإنسانية فسكرت، ولم تصحُ بعد من نشوتها”.

لكن هذا الوصف البليغ في أرض الحضارة تلاشى بين عشية وضحاها، بعدما تحوّلت سورية، من قبلة الرافدين وملتقى السائحين وغنوة العرب، إلى وطن يضمر مكيدة لكل من ينتسب إليه، ويزف كل دقيقة شهيدًا إلى الجنة.

ثورة الربيع العربي حينما وصلت إلى سورية شوّهت الماضي وحصدت أحلام الحاضر، بدلًا من أن تزرع بذور الأمل للمستقبل، بعدها خيّم الصمت على سوق الحميدية الصاخب، وانقطعت صلاة الأعياد بالمسجد الأموي، وملأ الحزن جنبات قصر العظم، وضاعت أفراح الروضة، وفُرشت أرض الغوطة بالشهداء، وجفّ شط اللاذقية من الحياة.

السواد الذي توشحت به سورية واكتظت به المعتقلات، حجب سماء هذا الوطن، فتحولت سجون سورية إلى وطن يعيش فيه الباحثون عن الحياة والحق والعدل، حيث زُج فيها كلّ صوت بحث عن التصحيح والديمقراطية والعدل الاجتماعي، وعجّت زنازينها بشرفاء هذا الوطن الجريح.

لم تكن تشغلني قضية المعتقلين السوريين، قبل أن تجمعني الصدفة بشابٍ نجا من الموت في سجون الأسد، وقرر هجرة ذاك الوطن الذي ضاق بأهله، وحط رحاله في قاهرة المعز، التقيته مصادفة في أحد مقاهي مدينة 6 أكتوبر، كان وجهه شاحبًا يشوب السواد لون عينيه الجميلتين، ماتت فيه كل ملامح الأمل والفرحة، ولم تبق سوى الذكريات الأليمة التي تطارده، كنا نشاهد مباراةً للأهلي معًا، ومن انفعالاته عرفت أنه سوري، فبدأت الحديث معه دون أن تكون لدي نية الكتابة عنه، لكن الكتابة أحيانًا تكون وليدة المصادفة.

لماذا هاجرت من سورية؟ كان سؤالي البريء له دون مقصد للتحري، فأجابني: “في سورية، لا يوجد سوى القتل والسجن، وأنا صقرٌ تعوّد الحريّة”، شجعني ردّه على الدخول أكثر في خصوصياته، فسألته عن معاناته، فأجابني بسرعة كمن كان يبحث عن أحد يقصّ له حكايته ووجد ضالته فيّ. وتابع: “يا أخي، لم يبق ألم في سورية لم أتذوقه، ولم تبق مصيبة لم تنزل على رأسي، ولم تبق مذلة لم أتجرعها، قُتل صديقي ووالداه أمام عيني في تظاهرة سلمية، وبعدها ألقت قوات الأسد القبض عليّ من منزلي، وجردوني من ملابسي، وأخرجوني من بيتي عاريًا، كمن يُضبط متلبسًا في أعمال مشينة”. قال كلماته الأولى كمن يشجعني على التعرف أكثر إلى مأساته فقلت له: أكمل.

فأضاف: “أدخلت إلى سجن كبير يسمّى صيدنايا، بداخله سجون أصغر، بداخلها زنازين صغيرة، بداخلها أقفاص حديدية تغطي جوانبها الأربعة أسلاك شائكة، وبمجرد دخولي هذا المعتقل عرفت أني قطعت تذكرة إلى الآخرة، فالداخل إلى هذا السجن مفقود، قابلت وجوهًا كأنها لم تخلق إلا لعذاب الناس، طلبوا مني الاعتراف بأن بشار رئيسي وربّي وأبي وأمّي ونبيّ الله المرسل لإنقاذ البشرية، وتهاوت قدرتي على الصمود وإنكار ما طلبوه، حينما بدؤوا مسلسل التعذيب الذي لا يتحمله بشر”.

قبل أن أطلب منه المزيد، نظر إلي بضحكة تخفي وراءها سخرية اليائس، وقال: “فضول المصريين فيه إغواء لا يستطيع المرء مقاومته، سأقصّ عليك كيف عذبوني، أتريد معرفة كيف كانوا يربطون شريطًا بلاستيكيًا على عضوي الذكري، ويسحبون طرفَي الشريط ونحن مكتوفو الأيدي والقدمين؟ أم تريد معرفة كيف كانوا يُسقطون النار على أجسادنا وهي تتساقط قطرات من أكياس بلاستيكية محروقة وشديدة السخونة؟ أم تريد معرفة الطريقة التي كانوا يستخدمون فيها السلك الشائك، ونحن عراة كما ولدتنا أمهاتنا؟ أم لديك رغبة في معرفة كيف كانوا يضعوننا عراة 15 سجينًا، في زنانة مساحتها 140 × 140 مدة يومين، أو كيف كنا نفرق بين النهار والليل في حجرات مظلمة لا تدخلها الشمس؟!”.

حديث هذا الشاب الذي رفض ذكر اسمه، حينما أبلغته أني سأكتب عن مأساته، دفعني إلى البحث أكثر عن قصص مشابهة، وقادني لذلك إلى شاب آخر يُدعى “فراس الدباغ”، وهو شقيق معتقل سوري سُجن شقيقه بين حيطان الخوف في سجن النصيرية، بينما اعتُقل هو داخل سجون الصمت، وحينما يئس من التقاء الأحبة، فرّ هاربًا إلى مصر، وتطلب حديثه عن هذا الأمر خروج تنهيدة، فيها ما فيها من وجع، تحدث بأنفاس مرهقة من ألم الصمت وصوت منقطع من إيمانه باللا جدوى، وقال: “لم أرَ شقيقي منذ 6 سنوات، خرج في تظاهرة يبحث عن حقوقه، وخرجنا بعدها نبحث عنه، لم نعلم أن طريق الحق يمكن أن يسوده هذا الظلام. تحدث معي ليلة الخروج وهو يضحك، ابتسامته الصافية ما زالت تسرق النوم من عيني، ذكرني كيف عاش جيفارا مناضلًا للحرية مؤمنًا بأنه لا بد أن يحترق البعض ليضيئوا طريق الحرية للآخرين، عرفنا أنه في معتقل الناصرية، لكننا لم ننجح في لقائه، وكل غايتي أن أعرف مصيره: هل زف إلى الجنة مع من زفوا من الشهداء، أم أنه ما زال يناضل الظلم والغربة في سجون الوطن!”.

وجع عائلة الدباغ عاشته آلاف العائلات في سورية، فبحسب منظمات حقوقية عالمية، وصل عدد المعتقلين إلى 135 ألف معتقل، معظمهم يعاني ويلات القهر والذل والحرمان، ويتحمل أبشع أنواع التعذيب، لكن البعض الآخر فارقوا الحياة، إما لأنهم لم يتحملوا رؤية وطنهم جريحًا وهم بين جدران لا مفر منها، وإما لأنهم قُدموا إلى محاكمات رمزية قصيرة سلبت حياتهم في بضع دقائق، وهو ما حدث لوالد رامي حيالدي، شاب سوري ودع والده الموظف الفقير، ليلة التاسع من حزيران/ يونيو قبل 5 سنوات، دون أن يعرف أن يلقي عليه النظرة الأخيرة ويقبله قبلة الوداع، خرج الرجل إلى مكان عمله لكنه لم يعد من حيث خرج، وبعد 4 سنوات وبضعة أشهر، كان اسمه ضمن قائمة الوفيات في معتقلات الأسد.

بعد الاقتراب من مآسي هؤلاء المنكوبين، وإيماني أكثر بأن خلفهم عشرات الآلاف من الضحايا، ورؤيتي للأنظمة البراغماتية التي ترفض نظام بشار أو هي تتقبله بحسب مصلحتها المشتركة معه، تذكرت قول الروائية الجزائرية أحلام مستغانمي: “نحن أمة تتوارث فن تجميل الهزائم والجرائم، ونصنع تماثيل لأكثر الأشياء التي نفتقدها لا التي تمثلنا”.

_____

(*) من المواضيع المشاركة في مسابقة (حسين العودات للصحافة العربية – 2019).

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق