سلايدرقضايا المجتمع

ناجيات من وحشية النظام… ماذا عن المغيبات قسرًا؟

منذ اندلاع الصراع السوري، قضية المعتقلات تُراوح مكانها، ولم تتحرك قيد أنملة، رغم تَحرك المفاوضات بدءًا من جنيف 2012، وانتهاء باجتماعات أستانا 2017 التي كان من المفترض أن تناقش قضيتهم المُعلّقة.

تقول (سيرين)، وهي ناشطة مدنية كانت تقدم الإغاثة مع مجموعة من الشبان والشابات للمناطق الخارجة عن سيطرة النظام بريف دمشق: “خرجتُ في أحد أيام العام 2014 من النادي الرياضي، وإذ بسيارة ذات لون أسود تقف بجواري”، وُضعت (سيرين) داخل السيارة، ومعها كيس أسود كان بجوارها. وعند إغلاق باب السيارة؛ علمت أنها اعتُقلت.

سيرين ذات الحس الفكاهي والمرح أخذت تضحك طوال الطريق، وتقول: “شر البلية ما يضحك”، وصلت إلى الفرع وما زالت تضحك. هذا ما استفز عناصر الفرع والمحقق الذي انهال عليها ضربًا، ولكن سيرين بين نوبات البكاء كانت تُمرر ضحكات خفية، وعندما فُتح الكيس الذي جُلب معها اتضح أنّه كيس قمامة كان مرميًا على الرصيف الذي كانت تقف عليه، ومن سخرية الموقف، كانت تحاول أن تقول لهم إنّ الكيس ليس لها وتضحك، وبعد اكتشاف المحقق موضوع الكيس، قام بشبح سيرين وضربها.

تضحك سيرين، وهي تروي لنا القصة، وتقول: “إنّ ظرف اعتقالي كان مُضحكًا جدًا، وربما هَوّن عليّ فكرة الاعتقال”. تدمع عيناها، وهي تصف لنا البرد والماء البارد الذي كانوا يسكبونه عليها، وتصف لنا كرسي الكهرباء: “كانوا يضعونني على كرسي ويربطون سلكين كهربائيين بأصابعي، وعندها لا أعلم ما يحدث، كل ما أستطيع تذكره بعدها هو سطل الماء البارد الذي يُدفق على وجهي لإيقاظي”.

خرجت سيرين بعد حوالي العام من مشاهد التعذيب التي كانت تعيشها، مشتاقة للحرية وللون الشمس وطرقات بيتها وعملها، مشتاقة للحياة، وعادت لحياتها التي لم تعد حياة طبيعية بعد ذلك العام، فهي تعاني من نظرة المجتمع، بالخوف منها حينًا، والشفقة عليها أحيانًا كثيرة، وكانت تصف أعين الجيران وهم ينظرون إليها، كلما خرجت من المنزل، قائلين، على حد تعبيرها: (الله يعين أهلها، والله ما عاد حدا يتجوزها.. يا حرام) كما أنها فقدت عملها الذي لم تستطع العودة إليه، بعد مرور عام كامل على تركها مكتب الترجمة الذي كانت تعمل فيه.

لكن ظروف اعتقال (عبير) الفتاة الدمشقية لم تكن مُضحكة، فهي كانت تعمل مُهندسة، ومن عائلة أغلب أفرادها الشباب ينتمون إلى فصائل مسلحة وشخصيات معارضة، خرجت لعملها في منتصف 2016 ولكنها لم تعد.

اختنق صوتها مرارًا أثناء الحديث، لم تستطع الكلام فورًا، تَذكر لحظات اعتقالها بقهر وتقول: “ما دخلني ما عملت شيء”، ولكن من سوء حظها أنّ عجلة النظام داست الجميع، ويكفي حصولهم على مُعتقلة والتهمة جاهزة، وتتابع: “تعرضت لأبشع أنواع التعذيب من شبح وكهرباء ودولاب”. حيث كانوا يشبحونها في صالة الشباب، كأسلوب بشع من أساليب العنف المستخدم من قبل النظام للضغط على المعتقلين.

خرجت عبير بعد عامين من رحلة التعذيب، وتقول إنها لم تسمع باسم أي منظمة قامت بالبحث أو الحديث عنهم، وإنّ “ما كان يفعله الصليب الأحمر، عندما وصلوا إلى السجن المركزي، هو الاهتمام بوجبات الطعام فقط لا غير، ونجح مرة في تأمين وجبة عشاء لنا، في حين كنا نأخذ فقط وجبتين الفطور والغداء”.

كما أنّ هناك العديد من السجينات اللواتي لم يستطعن الوصول إلى ذويهم، ولا يملكن المال لتأمين احتياجاتهن، عانت عبير من المحيط الاجتماعي كما أنّ أهلها لم يسمحوا لها بالعودة إلى عملها خوفًا عليها، كما قالت.

وحيال ذلك تقول الناشطة سمر الخليل، من منظمة (ليليت) التي تُعنى بالمعتقلات: “تواصَلنا مع العديد من الفاعلين الدوليين والمنظمات الدولية، لنتمكن من تأمين احتياجات المعتقلين داخل السجون المركزية، إلا أننا كنا نصطدم بالواقع المرير، فالجميع كان يطلب منا التوثيق فقط، ولا يُعنى بشؤون المعتقلات داخل السجون إلا كأرقام.” وتابعت: “تصل إلينا يوميًا عشرات المكالمات من داخل السجن المركزي، تحمل قوائم طويلة من الحاجيات لهؤلاء الفتيات، ولا نستطيع تأمينها، لأن التمويل محلي فقط وضعيف”.

وأضافت: “إن أصعب ما يواجهنا، كمنظمة، عندما تحتاج إحدى المعتقلات إلى دفع كفالة خروج بعد حصولها على قرار قضائي بالإفراج عنها، فتكون الحاجة مُلحة وسريعة ولا تحتمل التأجيل”، وتابعت: “تخيل أن تكون إحداهن تحتاج إلى دفع كفالة بمبلغ 75 ألف ليرة سورية، ولكننا لا نملك المبلغ، وهي تحتاج إليه في اليوم التالي، لتنال حريتها بعد سنوات من الاعتقال”!

والمُضحك أنك تفتح صفحات السوشيال ميديا، وتجد باصًا، يدعى “باص الحرية”، يجوب أوروبا بآلاف الدولارات، كنوع من البروباغندا الإعلامية التي لا تشكل أي ضغط على النظام، وإنما تضحكه أحيانًا، على مبدأ: “اعمل اللي بدك ياه ولا تقرب عليّ”.

ومع كل جملة تقولها لنا كل من سيرين وعبير، كانتا تقولان “الحمد الله”، بمرارة تختصر سنوات ماضية من الاعتقال الوحشي، وحاضرة دومًا في ذاكرتهن. ولا نعرف في نهاية المطاف مَن نرثي: هل نرثي حال المغيبات قسرًا أم العدالة المغيبة قسرًا؟ أم المفاوضات لأجل المفاوضات فقط؟!

_____

(*) من المواضيع المشاركة في مسابقة (حسين العودات للصحافة العربية – 2019).

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق