مقالات الرأي

في محاولة تلمُّس صورة سورية القادمة

سيكون من نافل الكلام القول بأنّ سورية لن تعود كما كانت من قبل، وأنها لن تكون كما يريدها أي طرف حالي موجود على الأرض السورية، كقوة أمر واقع، وما زال يوهم نفسه ومريديه بأن يجعلها على مقاس رغباته، سواء من خلال محاولة فرض رؤاه بقواه الذاتية، أو بمساعدة حلفائه الإقليميين أو الدوليين.

كما أنه من البلاهة أو العمى السياسي عدم رؤية سورية الحالية، وقد أضحت مجرد حصص تتقاسمها القوى الخارجية، نفوذًا وتحكمًا، بكل ما فيها وبدرجات مختلفة، وأن جميع قوى الأمر الواقع المحلية مجرّد تنظيمات منضويةً تحت سقف هيمنة الأطراف الخارجية، ويتحدد دورها في السعي لتأمين مصالح هذه الأطراف بالدرجة الأولى، أو مشاركتها في بعض المصالح والمهام، فيما تستمر القوى المحلية هذه في ممارسة سطوتها وتنمّرها على المدنيين الذين لا حول لهم ولا قوة في مناطق سيطرتها المنقوصة.

واقع الحال يقول بأن ثمة ضربًا من الوصاية الدولية المستترة على سورية بصورةٍ ما، من خلال اتفاقيات ثنائية أو ثلاثية فيما بينها، مكتوبة أو متّفق عليها. لكنها وصاية غير مسؤولة، والدول التي تفرضها هي قوى محتلة بدرجاتٍ وصيغٍ مختلفة، وإن وجود هذه الدول على الأرض السورية غير مقونن أمميًا، ليتم تحديد مهامها ومسؤولياتها بدقة، وعلى رأسها حماية المدنيين وتنظيم عودة اللاجئين الذين باتوا يتعرضون للكثير من المضايقات في الدول المجاورة، كما يحدث في لبنان من وقتٍ لآخر، وما حدث أخيرًا في تركيا.

في ظروف الهيمنة هذه، يشعر السوريون بأنهم بلا وطن، وأن الجميع خذلهم، حتى نُخبهم، ما يجعلهم على استعداد للانتماء والالتحاق بأي دولة أو طرف يعتقدون بأنه يحميهم أو يتوهمون ذلك، ولا تعني صورة سورية القادمة بالنسبة إليهم الكثير. السبب ذاته هو ما يجعلهم، على العموم، غير مباليين عندما تستولي الدول المهيمنة على ما بقي من مقدرات بلدهم. هذا الأمر ليس وليد الحدث السوري الكبير وحسب، فقد كان موجودًا، وإن بدرجةٍ أقلّ، خلال عقود الاستبداد، نظرًا لانعدام الشفافية، والتسلط والإقصاء السياسيين.

وباعتبار أن معظم السوريين غارقون في أزماتهم المتلاحقة، وأن الحرب ما زالت قائمة، ولا أمان لهم ولا كفاية في عيشهم، لا في الداخل ولا في الدول المجاورة، فإنّهم على استعداد لمقايضة بعض الأمن والخبز، بالصمت والرضوخ، فيما ينظرون إلى المستقبل الغامض من دون أي بارقة أمل في المدى المنظور. في هذه الحال، من الصعب الاستجابة لأفكار سياسية لا تقدم لهم سوى الوعود غير الملزمة وغير القابلة للتطبيق، وحيث السيناريوهات المستقبلية ما زالت تحوم في ضباب الغموض، أو أنها مجرد فقاعات متلاشية في سماء سورية الداكنة.

ولا شك في أن ثمة قناعة شبه راسخة بعدم وجود أي تمثيل حقيقي، في أي مكان من سورية الحالية، وأنه ليس لدى أي طرف سياسي أو سياسي – عسكري رؤيا لحل وطني سوري في المستقبل، وإنّ الاقتناع بذلك يُعدُّ الخطوة الأولى للتفكير بالبدائل التمثيلية والسياسية المحتملة، التي قد تساهم في إنقاذ سورية، من خلال المشاركة في الحل السياسي القادم أو استثمار مخرجاته لصالح سورية والسوريين.

يرتبط الأمل باستمرار سورية، على رسم صورة جديدة لها، والجهة الوطنية التي تنجح في وضع هذه الرؤيا الاستشرافية يمكن أن تحجز لها مكانًا عند توفر الشروط المناسبة في قادم الأيام، وأهمها وقف الحرب والتوافق على حلٍّ دولي. إلى ذلك الوقت، تكون جميع محاولات التمثيل الحالية والسابقة، المرتبطة بنفوذ هذه الدولة أو تلك، قد احترقت أوراقها كاملةً على شرفة المأساة المستمرة منذ ثمانية سنوات ونيّف.

بين الواقع السياسي السوري الحالي، وما هو مأمول، تكمن مسافة عمياء، كما في مرآة السيارة تمامًا، وهي ما يجعل الكثيرين يقعون في مطبّ اليأس المطلق. في هذه المسافة العمياء يكمن “اللعب” الدولي الحالي، الذي لا يترك أي حيّزٍ أو مكان لفكرة وطنية أن تتجلى. وفي سيناريوهات التوافق الدولي المرتقبة أو عدمها تكمن درجات مختلفة من صعوبة مهمة الوطنيين السوريين، فهم، إما أن يستلموا سورية موحدة، ويكون بوسعهم التحرك والعمل فيها بحرية، أو يرثونها مقاطعات متعارضة المصالح، وفي كلتا الحالتين تكون قد فعلت فيها قوى متباينة، واختلفت طرائق حوكمتها خلال سنوات الحرب، فضلًا عن الخراب والدمار المقيمين.

لا شك في أن المهمة صعبة جدًا على الوطنيين، ولكنها ليست مستحيلة، وتحتاج إلى تغيير الظروف التي أبعدتهم، منذ البداية، عن العمل والمشاركة في صنع الحدث وتوجيهه، ذلك حين ارتضت معظم القوى شبه الوطنية السورية العمل ضمن أجندات الدول، أملًا في تحقيق انتصار سريع، على الطريقة الليبية، والعراقية قبلها، وهو أمر غير مجدٍ ولم يتحقق في سورية لظروف باتت معروفة، وتركت الشارع لتفعل به المفاعيل غير المواتية للانتقال من الاستبداد إلى المرحلة الوطنية الديمقراطية. بالطبع، لا يمكن تحميل المعارضة السياسية السورية إلا جزءًا من المسؤولية في المسار العريض الذي تتابعت فيه الأحداث، ولكن التطورات برهنت على أنها مارست دورها في المكان والاتجاه الخاطئين.

وبانتظار تجاوز “المسافة العمياء” ووضوح الرؤية، ستكون أمور كثيرة قد تغيرت، وأوراق كثيرة قد احترقت، وعقائد سياسية قد تهشمت، وأفكار جديدة قد ظهرت، وتوافقات دولية قد حصلت، ما يسهّل العمل على أرضٍ جديدة خالية من الكثير من العوائق الاجتماعية والسياسية، وقد أخذ الجميع دروسًا مهمة ودفعوا باهظ الأثمان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق