تحقيقات وتقارير سياسية

“أميركا أولًا” تضع سورية أخيرًا

بعد أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 19 كانون الأول/ ديسمبر 2018، بعد ما يزيد عن 4 سنوات من التواجد العسكري الأميركي المباشر على الأرض السورية، تراجع وأعلن عن نيّته إبقاء بضع مئات من الجنود في شمال سورية، وبالطبع فإن هؤلاء الجنود المئتان سيكونون بحماية قواعد عسكرية أميركية عديدة في الجوار وفي سورية نفسها، وسيبقون (مسمارًا) أميركيًا في سورية، وبالتالي، فإن فكرة انسحاب الولايات المتحدة من سورية عسكريًا قد تبخّرت.

هذا القرار الأميركي كان رسالة لأنقرة أن تبتعد عن شرق الفرات شمال سورية، وفتح المجال واسعاً للتوقعات والأحاديث بإمكانية وجود أو إنشاء منطقة آمنة وقوات مراقبة تُشرف على هذه المنطقة من الشمال السوري.

المتحدث باسم وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) شون روبرستون، أكّ> في وقت سابق مطلع العام الجاري أن القوات الأميركية ستُنشئ منطقة آمنة في شمال شرق سورية في سياق قوة متعددة الجنسيات، بالتعاون مع دول في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وأشار إلى أن هذه المنطقة سوف تخلو من أي قوات تركية أو قوات تابعة للمعارضة السورية.

رغم أن واشنطن لم تلغ قرار الانسحاب من سورية، إلا أن الإبقاء على عدد محدود من قواتها في سورية، وحتى إن كان هذا الوجود رمزيًا، فإنه يعني عدم التفاهم مع تركيا في هذه المنطقة، وطالما أن الولايات المتحدة لم تُغيّر مواقفها واستراتيجياتها فإن ذلك يعني أن الخلاف مازال موجوداً ومستمراً حتى إشعار آخر.

من الصعب الآن أن تتمدد القوات التركية شرق الفرات شمال سورية، على الأقل في المدى المنظور، فوجود جندي أميركي واحد كاف لحماية كل الميليشيات الكردية التي تريد أنقرة طردها من الشمال السوري لما تُشكّله من تهديد لأمنها القومي باعتبارها امتدادًا لحزب العمل الكردستاني الذي تصنفه تركيا منظمة إرهابية.

واضح أن الولايات المتحدة تُساوم تركيا وتضغط عليها، فهي تريدها أن تبتعد عن الحلف الروسي – الإيراني وتنضم للحلف السعودي لحصار إيران مقابل رفع الغطاء عن الميليشيات الكردية في الشمال السوري، بينما لا تثق تركيا بالوعود الأميركية، وتتردد في التقدّم خطوة نحو واشنطن دون ضمانات راسخة، معتمدة على قواتها العسكرية المنتشرة في سورية، وتشكيل محور يضم روسيا وإيران والصين، والضغط على أوروبا بموضوع اللاجئين.

بعد انتهاء الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، مازال في سورية عدة حروب قائمة ومستمرة، فهناك حرب الثورة ضد عائلة الأسد، التي تحكم سورية بنظام شمولي عسكري أمني منذ 50 عامًا، والحرب الثانية هي حرب بعض الأكراد الذين رأوا الثورة السورية فرصتهم للانفصال وتشكيل كيان قومي كردي مستقل، واستفادت منهم الولايات المتحدة كقوات برّية لقتال (داعش)، وتحالفت معهم، لكن هذا التحالف أثار مخاوف الأتراك، من طموحات الأكراد الذين يحلمون بـ “كردستان” التي تضم وفق خارطتهم جزءًا كبيرًا من تركيا وسورية والعراق وإيران، وثالث هذه الحروب هي حرب متعددة الجوانب طرفاها الأساسيان الولايات المتحدة وروسيا، على توازع النفوذ واقتسام الساحة السورية، وربما هي حرب إملاءات أمريكية على روسيا، أو هي حرب محاولة روسية لإثبات الذات، لكنها في النتيجة حرب بين طرفين غير منسجمين بالأهداف والغايات، فيما تأتي الحرب الأخيرة، الفارسية – العربية، التي تشنها إيران عبر العراق وسورية ولبنان للسيطرة على الشرق الأوسط كجزء من استراتيجية تجعل منها دولة مؤثرة في القرار الدولي.

وسط هذه الحروب، ووفق المعطيات، من الواضح أن مصلحة الولايات المتحدة هي في البقاء في سورية، حتى بعد هزيمة (داعش)، فترامب لاشك يُدرك أن انسحابه يعني خسارة مباشرة وسريعة للأكراد الذين دعمهم وتحالف معهم، كما يعني انتصارًا لنظام الأسد ليعيد السيطرة على سورية ويحوّلها لدولة وراثية، كما يعني انتصاراً لتركيا لا يريده البيت الأبيض، وانتصارًا لروسيا التي ستصبح القطب الأهم في الشرق الأوسط، وكل هذا ما يعني المزيد من الأزمات لواشنطن.

من مشاكل السياسة الأميركية أنها تقول “أميركا أولًا”، أي التصرف من جانب واحد، ويبدو أن هذا الشعار فهمه ترامب “ترامب أولًا”، فهو لم يطلب من فريق سياسته الخارجية أي توضيحات أو مشاورات حول الشأن السوري، ولم يطرح أسئلة شائكة ضرورية، مثل ما هي نهاية اللعبة في سورية؟ وما الذي يجب أن تسعى إليه الولايات المتحدة في سورية؟ وما هي التحالفات التي تريدها ومع من؟ ولم يُحاول ترامب تقديم إجابات حول كيف يمكن كبح روسيا ولجم إيران وتهدئة تركيا وإرضاء العرب؟

هذه الأسئلة التي تبدو بسيطة، إجابتها غاية في التعقيد، وهي خارج قدرات ترامب ونطاق خبراته، وبدلًا من طرح أي سؤال، قرر ترامب إعلان النصر على (داعش) ومغادرة سورية فجأة، ثم يتبيّن مع الأيام أن القرار خاطئ جدًا، فيبدأ رحلة التراجعات، لكن المشكلة أن التراجعات لا يرافقها خطط جديدة واضحة، وهذا يزيد من غموض دور وسياسات واستراتيجية الولايات المتحدة الحالية واللاحقة في الشرق الأوسط عمومًا.

مشكلة السوريين الآن مضاعفة، فهناك مشكلتهم مع “الولايات المتحدة أولًا”، ومشكلتهم مع رئيس أميركي ليس لديه فكرة عما يفعله، وغير قادر على قياس تصرفاته قياسًا لدروس التاريخ، خصوصًا في منطقة أمنية واستراتيجية تُعدّ الأكثر إلحاحًا على مستوى العالم، ويريد أن يقول “ترامب أولًا” ولا يهمه إن بقيت سياساته غامضة وارتجالية وغير مسؤولة.

حروب عدّة تحتضنها الساحة السورية، والولايات المتحدة الوحيدة القادرة على وضع حد لها، بالتحالفات أو بالعصا الغليظة، لكنها لا تُبدي إلا السلبية، وتكتفي بأن تقوم بإدارة الأزمة الشرق أوسطية في سورية دون أن يكون لها دور واضح في حلّها، وتستمر في مراقبة المأساة السورية وتوزيع الأدوار، وهذا يؤكد أن سياسة (أميركا أولًا) تضع سورية أخيرًا، مهما كانت النتائج مؤلمة بالنسبة للسوريين.

Author

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق