مقالات الرأي

على مرأى من العالم: صور سورية ومسمار منزل

لا أعلم ما هي الطريقة التي يمكن أن تصف بدقة فيها واقعةً ما في سورية، وربما أقول ليست في سورية وحدها، بل في بلدان طغى فيها مستوى الجريمة حتى فاق القدرة على الوصف!

ليس لأنني سوري فقط، أو لأنني ممن يحاولون النحت في روحهم قبل ورقهم، أصوّر الحدث السوري، الفاجعة السورية، بل لإن ما تمر به هذه البلاد، وقد عَجفت سنونها وتجردت جبالها، وتكاد تتصحر كلماتها كما سياستها، قد فاق حدود الكلمة ومشتقاتها وصفًا وتصويرًا؛ فبين هذه الـ “قد” وتلك، انجرار نحو الهواية قيمًا وحضارة وتفككًا وتشظيًا! ومع هذا وترافقًا لما يكرره الصديق العزيز الشاعر والكاتب السوري فرج بيرقدار: “لنبقِ على شطر الكلمة مفتوحًا نقشًا على جدار الروح”، أضيف: علّنا نجيز معنًى على سفح هذه الفانية، المنهدمة موتًا وفجيعة، حيث بات المسير وعرًا ومعتمًا، لولا بصيرة قلب وشيء من أمل!.

في بعض صور الكارثة السورية، تطالعك عظام الوجه، جحوظ العينين، صراع البطون الخاوية، هجرة وكوارث، نزوح وويلات حرب، وليس ذلك فقط، ثمة شرود يكتنف الجميع، مغالبة واستسلام، إصرار وتراجع، حلم ناهض وصدمة واقع، فرح بلقاء وبكاء فجيعة لوداع.. وعمر هذه التناقضات يكاد لا يجاوز الساعة من الزمن!

  • في صورة أولى، امرأة عجوز تجاوز السبعين من العمر، تدخل محلًا، وتحمل بيدها آلة موسيقية تعرضها للبيع، الآلة “أكل عليها الدهر وشرب” مهترئة على آخرها! يتردد البائع في قبولها، يرد بارتجاف: غير قابلة للبيع والشراء يا ستي! تحيد المرأة بصرها: علك تدفع بها ما يدفع عني شر الحاجة! تصفرّ الوجوه وتعرق، ويدفع البائع ما تيسر، وتمضي هي بعيدًا! أتبعها، وألح بسؤالها: مَن صاحب الآلة يا خالة؟ تنظر إلى السماء، ويهطل قلبها قبل عينها… بات نجمًا في السماء، وتمضي في صمت ثقيل الخطوة…
  • في صورة أخرى، يقترب شاب يسند عجوزًا من الحدود الشمالية، يعاجله دركي الحدود ويخبره أن العبور ممنوع.. يصرخ الشاب أن والده المسن بحاجة إلى حالة إسعافية بسرعة، والقصف الروسي المتوالي في الشمال السوري قد أجهز على المشافي الطبية معظمها. يصرّ الدرك على تنفيذ تعليمات عدم جواز المرور من ضفة حرب وموت، إلى ضفة لجوء وأمان مؤقت.. يتوسل يصرخ: لم يبق إلا أنا وهو وأمي العجوز في البيت من أفراد الأسرة العشرة! ينحني الأب عن كتفي ابنه فتبرز في جوار خصره علاقة مفاتيح كبرى، يردد في رجفة مرض وخوف: خذ مفاتيح الدار يا ولدي، وامض في أي اتجاه بالأرض، ابحث عمن يودع الحياة معاني، لا تفرط بها أبدًا… يعاند الشاب يتململ، يحاول العبور بأبيه من دون جدوى…. شوهد الشاب بعد مدة من الزمن يحمل علّاقة كبيرة من مفاتيح، يعدها، يتفقدها، يشم رائحتها، وليس ذلك فقط، ثمة علّاقة أخرى أودعها ناحية قلبه، مسامير عميقة تحمل قلوب وذكريات من ودعّهم، من غادرهم، من رحلوا عنه وغادرهم… واحدة تثقل خصره فيعرج ملتويًا، وأخرى تثقل روحه فتعرج السماء على ظهره، فيكاد لا يخطو ولا يستطيع الوقوف في بلد نزوح وهجرة…
  • في مشهد آخر، بيت مهجور، في الوسط من سورية، في قلبها النابض حيث لم يبق من سكان أحيائها سوى بقايا أعمدة من إسمنت وبضعة جدر، وكثير من الطيور والفئران تعبث ببقايا حطامه، بعد أن هجر أهله، واستولت على أثاثه ورخامه الفصائل المدعوة “حماية” و”لجان شعبية”، وبئس الاسم والوظيفة! في المنزل لم يبق سوى مسمار، مسمار عودة! هذا المسمار المعلق على جدار بيت يعرف تمامًا قبّعة صاحبه، رائحة عرقه، اتساع دائرة عقله وصدره إن شاء… كل البيوت المهجرة تركت مسامير عودة، وبضع قطرات من عرق الرعب والخوف المرير، وما زالت المسامير تنتظر.
  • في مشهد من نوع مختلف، حوار يدور بين حبيبين على قارعة طريق، يقول الشاب: سأرحل، أجل سأغادر هذه البلاد، لكن ليس قبل أن آخذ بثأر أبي الذي اغتاله عناصر أحد حواجز السطو المسلح وعصابات الفتوة والغطرسة. تجيب الفتاة: أخشى أن أفقدك كما فقدت أباك، أنت لست بحجم إجرامهم وانفلاتهم! أرجوك هاجر وخذني معك نبني حياة، خلاف هذا الموت، أرجوك! يرد الفتى بتشنج وقهر: سأهاجر ولكن لن أدع أبي يموت مرتين! تضيق الدنيا في وجه الفتاة، تحاول احتضان ألمه وقهره، وتردد بهدوء العارف: قبل أن تخطو ناحية الحرب والقتال، تذكر، وأنت المحب للسلام والحياة، تذكر أن تلك اللحظة هي قرار قتل، سواء قُتلت أم قَتلت، تلك مفارقة كبرى بين لغة وأخرى، بين لغة الحياة ولغة الموت!

يقف المخرج مشدوهًا، أي الصور يجعلها فاتحة مسرحه، وأيها خاتمة إسدال ستارتها! يستدير نحو كاتب السيناريو، ويسأله مَن كتب هذا الفيلم الطويل؟ يجيب أنا! ومن تكون؟ يقول أنا حامل مفاتيح داري، وابن بائعة آلة الموسيقى، وأخو ابنها الضحية، أنا من لم يستطع أن يأخذ بثأر أبيه، وخرج يبحث عن موقع يحمي به بقية حلم، وما زال المسمار في جدار المنزل ينتظر..

يتلفت المخرج ناحية خشبة المسرح، إذًا اكتب على مشهدها الأول: على سفح جبلٍ قتل قابيل أخاه هابيل، وذلك الجبل المعروف بالأجرد لليوم، كما أن الغراب الذي دل على طريقة دفن الجثة وفعلة قابيل شاهد لليوم على سوء الجريمة! فلا يدهشني أبدًا أن باتت هذه الأرض تعج بالغربان وتستحيل جبالها جرداء لا تظلل حتى عصفورًا…. افتح المسرح وادعوا جمهور الأمم المتحدة وغيرها لحضور العرض، فثمة مسمار بالقلب علقت عليه صور كل صنوف الموت الحرام والذكريات على مرأى من أعينهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق