اقتصادسلايدر

النفط السوري لعبة بين الأكراد والإسرائيليين

على الرغم من مرور أسبوع على انتشار أنباء ووثائق تفيد بأن “مجلس سوريا الديمقراطية” الكردي، التابع لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، وافق على بيع نفط شمال سورية عبر وسيط إسرائيلي، فإن أي جهة كردية رسمية لم تُقدّم وثائق تؤكد عدم صحته، والتصريح الوحيد صدر عن رياض درار، الرئيس العربي لـ (مجلس سوريا الديمقراطية/ مسد) الذي يمثل هذه الميليشيات الكردية في سورية، إلى وسيلة إعلام روسية، وبيان متواضع ينفي، لكن لا يقدم معلومات أو حقائق، فيما قالت مصادر كردية إن النفط ما زال يُسوق حتى الآن عبر وسيط سوري.

تسريب معلومات عن إجراء صفقة بين “مجلس سوريا الديمقراطية” ممثلًا برئيسته التنفيذية إلهام أحمد، مع رجل الأعمال الإسرائيلي موتي كاهانا، تفوّض من خلاله الأخير بتمثيل المجلس في جميع الأمور المتعلقة ببيع النفط السوري في المناطق التي تُسيطر عليها الميليشيات الكردية بدعم من القوات الأميركية، حيث من المفترض أن يتولى كاهانا تصدير النفط السوري المستخرج من المناطق الكردية شرق الفرات، الذي تُسيطر عليه القوات الكردية، والذي يُقدّر بـ 125 ألف برميل يوميًا، مع إعطائه الامتيازات والتسهيلات اللازمة لإجراء الاستكشاف والتنقيب عن المزيد عن الآبار وزيادة طاقتها الإنتاجية لتبلغ 450 ألف برميل، خلال الفترات المستقبلية القادمة.

من جهتها، أكدت مصادر كردية سورية أن النفط الذي تسيطر عليه القوات الكردية “ما زال يُصدّر عبر رجل أعمال سوري، كلّفه تنظيف خط سير النفط ومسار أنابيب النقل أكثر من 40 مليون دولار وأكثر من 50 قتيلًا، ولا يمكن تجاوز هذه الوساطة الآن وأحقيته في استمرار التعاون معه، لما فيه مصلحة للطرفين”.

وأضافت هذه المصادر لوكالة (آكي) الإيطالية للأنباء: “لن تُمانع الإدارة الذاتية الكردية في التعامل مع أي جهة تُحقق لها المنافع أو المكاسب الاقتصادية، لكن عوامل عدة تُقلل من قدرتها على التصرف بحرية كاملة، من بينها مصالح وشراكات مع رجال أعمال سوريين، وتوافقات تُحدد المسموحات والممنوعات أميركيًا، ثم الحدود والعلاقات التي لا بدّ من أخذها بعين الاعتبار مع الجانب السوري، أي النظام، القادر على العرقلة والتخريب بوسائل عدة”.

وأوضحت: “الشراكة في تسويق النفط هي مع رجال أعمال سوريين، وهناك خلافات بينهم وبين كبار رجالات أسرة الأسد المختصين بالقضايا الاقتصادية وبإدارة الشؤون المالية للحلقة الصغيرة للنظام، وهذه الخلافات تنعكس على العلاقات الكردية مع المحيط السوري، فهم مُلتزمون مع من يُحقق لهم منفعة أكبر، لكنهم في الوقت نفسه يحتاجون إلى علاقة جيدة مع رجال النظام”.

وكان درار الوحيدَ الذي دفعته الإدارة الذاتية إلى التصريح حول الموضوع، حيث نفى صحته، وقال إن التقارير التي أشارت إلى وثيقة تتضمن موافقة الرئيسة المشتركة لـ (مسد) إلهام أحمد على تفويض رجل الأعمال الإسرائيلي كاهانا بتمثيل المجلس، في ما يتعلق ببيع النفط السوري في مناطق سيطرة (قوات سوريا الديمقراطية/ قسد) “غير صحيحة وملفقة، والأحمد ليست مخولة بتوقيع وثائق، لأن هذا من عمل الإدارة الذاتية، وإلهام هي مسؤولة سياسية لا تعقد اتفاقات لا نفطية ولا بيع حبوب”.

وقال إن التصريح الذي أورده كاهانا، يقول فيه إنه ينتظر موافقة الولايات المتحدة، وليس موافقة (قسد) أو (مسد) أو (الإدارة الذاتية) الكردية، على بيع النفط، لأنه يريد أن يمنع بيع النفط إلى سورية وإيران”. واتهم تركيا بتلفيق تلك التقارير الإعلامية، وقال: “نحن لا نمنع نفطنا عن أبنائنا، ولسنا بصدد منع بيع النفط أو إعطائه لشعبنا في سورية”.

ما فعله “مجلس سوريا الديمقراطية” هو أن أصدر بيانًا تقليديًا حزبيًا جافًا متعاليًا، لا حقائق أو وثائق تدعمه، قال فيه: “إن محاولات الإساءة للمجلس وإثارة الأباطيل لن تدفعه إلا ليُجدد التأكيد لشعبنا السوري على موقفه الثابت، تجاه وحدة الأراضي السورية وسيادتها”.

وتسيطر القوات الكردية على نحو 90 بالمئة من أهم الموارد النفطية في سورية، بما في ذلك أكبر الآبار المُنتجة للنفط، وتحظى بحماية مباشرة من القوات الأميركية في شمال شرق سورية.

ووفق ما قال كاهانا، في لقاء مع تلفزيون (i24) الإسرائيلي، فإن الاتفاق مع الأكراد يتعلق باستثمار 11 بئرًا نفطية، لاستخراج 400 ألف برميل (يوميًا) وبيعها، وعلى أن تتم عملية البيع لأي جهة وأي شخص، شرط أن لا تصل أموالها إلى سورية وإيران.

وقال رجل الأعمال الإسرائيلي – الأميركي، في مقابلته إن لديه الآن “مصادقة وموافقة من الأكراد على تصدير 125 ألف برميل نفط يوميًا” موضحًا أنه يطمح إلى زيادة هذه الكمية، لتصل إلى 450 ألف برميل نفط، وهو ينتظر الموافقة على ذلك، كما أنه ينتظر الموافقة الأميركية على تصدير هذا النفط، بعد حصوله على الموافقة الكردية، وقال إن عمله وتعاونه مع القوات الكردية “يأتي بصفته الشخصية، وليس له علاقة مع أيّ جهة رسمية”.

ولا يفصح الأكراد في سورية عن الأرقام الخاصة بالنفط، إنتاجًا وعوائد، لكن تقديرات مختصين تشير إلى أن إنتاج حقول وآبار دير الزور في الجزء الخاضع لسيطرة الأكراد لا يزيد عن 35 ألف برميل يوميًا، تُشرف على إنتاجه وبيعه هيئة تُدعى “هيئة الطاقة” في الإدارة الذاتية الكردية، وكانت هذه الحقول تُنتج ما يُعادل 250 ألف برميل يوميًا قبل عام 2011، ويأمل الأكراد أن تُنتج لهم اليوم 125 ألف برميل.

تحوّلت آبار النفط في سورية إلى مصدر تمويل للأكراد ذوي النزعات الانفصالية، بعد أن كان في مرحلة سابقة مصدر تمويل لـ (تنظيم الدولة الإسلامية)، وأنبتت تجارة النفط السوري شريحة من أمراء الحرب ممن رأوا أن ربحهم المادي أهمّ من الوطن.

وأدّت الحرب التي قادها النظام ضد المطالبين بإسقاطه، والتي دخلت عامها التاسع، إلى تدهور قطاع النفط، وبين أعوام 2012 و2014، صار نحو 70 بالمئة من إجمالي آبار النفط والغاز تحت سيطرة المعارضة السورية، لكن لم تستطع هذه المعارضة التحكم بالنفط أو تشغيل الآبار أو بيع النفط لصالحها، واستفاد من هذه الفوضى بعض السكان المحليين الذين أقاموا أكثر من 500 مصفاة صغيرة، تُكرر لهم بضع براميل من النفط كل يوم، وتسببوا في كوارث بيئية، فيما استمرت الحكومة في التحكم في مصافي التكرير وموانئ التصدير.

منذ عام 2015، بدأ تنظيم “الدولة الإسلامية” يسيطر على آبار النفط تدريجيًا، كما بدأ الأكراد التابعون لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (الذراع السوري لحزب العمال الكردستاني التركي) السيطرة المنهجية على آبار النفط في شمال وشرق سورية.

تراجع إنتاج النفط السوري منذ بدء الثورة، من 370 ألف برميل من النفط يوميًا إلى أقل من 70 ألف برميل، وفاقت الخسائر 3 مليارات دولار، وكان النفط بالنسبة إلى النظام وسيلةً لتحقيق أمنه، فكلّ إيرادات النفط خلال أربعة عقود كانت تُحوّل إلى حساب خاص يتحكم فيه الرئيس شخصيًا.

ساهمت العقوبات الأوروبية والأميركية المفروضة على قطاع النفط السوري في شل عمليات البيع والشراء والإنتاج والتصدير، فلجأ النظام السوري إلى بيع النفط إلى إيران وروسيا.

لا يمتلك حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي القدرةَ على تصفية وتسويق النفط الخام، وحاول في مرحلة سابقة عام 2015 أن يُحضر خبراء من خارج سورية لإقامة مصاف صغيرة، ووجد أن الأمر صعب، فلجأ إلى الاتفاق مع النظام السوري، عبر وسطاء، لتتم تصفية النفط في مصافي الدولة، ويقتطع النظام جزءًا من الإنتاج، ويعيد تسليم الباقي للقوات الكردية.

لم تؤد الحرب السورية إلى خسائر بشرية قاربت المليون قتيل فحسب، ولم تقتصر على تدمير المئات من البلدات والقرى، وبعض المدن فحسب، ولم تُخلّف مليوني معاق إعاقة دائمة، ومليون يتيم فحسب، بل أيضًا دمّرت البنى التحتية والاقتصادية، ودمّرت صناعة النفط السورية، وحوّلت آبار النفط إلى مصدر تمويل لميليشيات غير نظامية، ذات نزعة دينية أو قومية، وأنبتت شريحة من أمراء الحرب من النظام، ومن غير النظام، ممن يرون أن ربحهم المادي أهم بألف مرة من وجود وبقاء الوطن، أو من بيعه لـ “إسرائيل” أو لغيرها، وهذا بعض من مآسي الحرب السورية التي لا تُحصى.

Author

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق