مقالات الرأي

محاكمة النوايا

كانت المحاكمات الفكرية في القريب من الزمان، قبل “فاجعة” اختراع وسائل التواصل الاجتماعي، تدور رحاها على صفحات المجلات والجرائد إن كانت ضعيفة الحجج والبراهين، أو في صفحات الكتب، إن هُيئ لها أن تتزوّد بعناصر قوة إقناع، وذلك عبر الإصدارات المتقابلة والمتناحرة للنظريات الفكرية. وقد شهد التاريخ الحديث نزاعات فكرية غنية المحتوى وجزلة التعبير ومفيدة المتابعة، وقد أثرت الفكر وسمحت للمدارك بالتطور وللعقول بالانفتاح.

وأحيانًا، مع سهولة السفر المتزايدة، أصبح من الممكن لهذه المناظرات الفكرية، على مستوى معين من الاحترام، أن تجري وجهًا لوجه في أماكن عامة تسمح لعدد لا بأس به من الناس المهتمين، بالمتابعة والوصول في نهاية المطاف إلى اختبار ترجيح كفة هذا الاتجاه أو ذاك، أو البقاء على حيادٍ متعلمٍ واعٍ بالاستحواذ على ذخيرة فكرية من هذا وذاك.

تطور الجنس البشري، وتطورت معه وسائل تواصله الحديثة، وازدادت فرص التبادل والمناظرة والمناقشة نظريًا، ولكن ذلك أصابها في شبه مقتل في المضمون عمليًا. فمع نمو التعامل الافتراضي واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي عبر الشبكة العنكبوتية والمساحة الافتراضية، تدمقرط الانخراط في المناظرات والمواجهات والصدامات، وأصبح عمل من ليس له عمل؛ وصارت صفحات وتطبيقات هذه الفضاءات مرتعًا رحبًا يتابعه مئات الملايين من البشر، وصار هذا النوع من التعبير والتعبير المضاد في هذه الوسائل “مرجعًا” للكثيرين حول المواقف، وأضحى المستهدفون بمجرياته كما الداخلين في مسارح الرومان منتظرين الحيوان المفترس ليقوم بإنجاز المشهد المثير.

لقد كانت مسألة الصدام المباشر المستند إلى “الحكم على النوايا”، لدى جميع الأطراف، صعبة الممارسة في الأنواع القديمة من التواصل، والذي كان لا يسمح مبدئيًا، من خلال منهجيته المشار إليها في الأعلى، بمثل هذه الأحكام، مستندًا إلى قاعدة أن النقاش مهما احتد وتنافر القائمون عليه، يبقى في أطر محددة منهجيًا ومن حيث المفردات المستعارة للتعبير عنه.

إلا أن اقتحام وسائل التواصل الاجتماعي حيوات الناس بسرعة كبرى وبفاعلية قصوى، أدّى إلى اقتحام مساحة التعبير لكل من استطاع إلى هذه الوسائل سبيلًا تقنيًا ولو كان محدودًا. وإضافة إلى الكلام النابي الذي صار يشكل الحجم الأكبر من المفردات الأساسية للنقاشات والحوارات، فقد تبدّى للملاحظ أن مستخدمي هذه الوسائل طوّروا حقلًا لا معرفيًا بامتياز يستند إلى نشر الشائعات، واللجوء إلى الكذب، وممارسة التشويه والتزوير فيما “يُغنون” به هذا النوع من “الحوار”. كما أنهم صاروا جميعًا “خبراء” في السياسات العامة وفي العلاقات الدولية، وفي الاحتباس الحراري، وفي علم الأديان، وفي كل حقول العلوم الإنسانية كما التطبيقية، وإن لم يمارسوا بأنفسهم كل ما ورد من موبقات، فهم على الأقل يساهمون في النشر وفي التوزيع.

لقد ساهم هذا الانحراف، في الأداء وفي التعبير، في انتشار الحكم على النوايا كالنار في الهشيم، وصارت التصنيفات السلبية، أو التي يعتقد من يستخدمها بأنها سلبية، تُلاحق من نختلف معه وتُلبسه ما تيسّر من صفات. فإن كان لا يتفق مع عنفواننا الثوري، فهو متخاذل، ويمكن الرجوع إلى تاريخ أسرته لإيجاد شجرة عائلة من التخاذل والانهزامية. وإن كان إيمانه لا يُترجم بنفس شعائرنا، فالإلحاد يلتصق به في أحسن الأحوال، إن لم نلجأ إلى وصمه بالكفر، وكذلك سنجد في تاريخه العائلي ما يدعم تصنيفنا. وعلى العكس، فإن كنا نعتبره متمسكًا بدينه وبممارسته، فسنصنفه متخلفًا رجعيًا، كما سنعمد أيضًا وأيضًا إلى تاريخه العائلي، لنسند حكمنا بالتي هي أحسن.

الابتعاد من صلب الموضوع المطروح أرضًا للنقاش صار هو القاعدة، وصار من الأجدى أن نلجأ إلى أحكام النوايا التي نقوم من خلالها بنفي قدرة الآخر العلمية والذهنية والأخلاقية على مناكفتنا أو مخالفتنا. لقد تدمقطرت السلطوية افتراضيًا، وصار كلّ منا سجّانًا وضابط تحقيق وقاضيًا افتراضيًا أيضًا. وفي حين كان الناس، خصوصًا في المناطق المحرومة من حرية التعبير، ينتظرون من وسائل التواصل أن تكون مُنقذًا ومنفذًا حرًّا للتعبير، يبدو أنها صارت وسائل قمع وترهيب وتنديد وتشويه. ومهما حافظت على طابعها الافتراضي غير الملموس غالبًا، فإن وقعها النفسي يبقى أشد مضاضة من غيابها.

هذا الوباء لا يُصيب السوريين والعرب خصوصًا بمعزلٍ عن باقي سكان الكرة الأرضية، إلا أن طابعه أشد ووقعه أقسى لديهم، بسبب ضحالة ثقافة الحوار التي تأسست منذ قرون في الكثير من دول باقي أنحاء المعمورة. وإن عرف العرب يومًا مناظرات سجلتها كتب التاريخ، فإن حاضرهم لا يعرف إلا سوط المستبد الحاكم، ولوحة مفاتيح القضاء الشعبي المستعجل الذي يُطلق أحكام النوايا بغزارة مثيرة.

تنظيم الفضاء الافتراضي صار ضروريًا، وقد هرع المشرعون الغربيون لدراسة أفضل السبل في هذا الاتجاه، وعلى العرب السعي في مناكبها أيضًا، على أنه يجب الحذر من استغلال هذه الضرورة القصوى لتعزيز الاستبداد حقيقة وافتراضًا. وكما يقول عبد الرحمن الكواكبي: “لمّا كان ضبطُ أخلاق الطبقات العليا من النّاس أهم الأمور؛ أطلقت الأمم الحرّة حرية الخطابة والتأليف والمطبوعات مستثنيةً القذف فقط، ورأت أن تحمل مضرَّة الفوضى في ذلك خير التحديد؛ لأنَّه لا مانع للحكّام أنْ يجعلوا الشّعرة من التقييد سلسلة من حديد، يخنقون بها عدوّتهم الطبيعة، أي الحريّة”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق