مقالات الرأي

رواية سورية الموعودَة

لا يمكن أن يُحصى عدد التغيّرات والمفاجآت والمفارقات والغرائب، السارة منها و/أو المؤلمة، التي أحدثتها ثورة السوريين، اعتبارًا من بدايات عام 2011. ولسوف نستعيد بعضها أو أكثرها، فرديًّا أو جماعيًّا، كلما دُعينا إلى قراءة هذه الأيام الأولى من العام المذكور، وتلك التي تلته خلال ما يقرب من عام، لا للبكاء على الأطلال، بل لكي نستحوذ مرة أخرى على معان باتت اليوم وكأنها تبدو لنا من عصر آخر، في الوقت الذي لم نغادر فيه بعدُ العقد الثاني من القرن الحالي الذي شهد كل ذلك، أو صادرة عن شعب آخر تتقاسمه اليوم مع ذلك وبسبب ذلك أرجاء المعمورة كلها، كما لم تتقاسم في تاريخها كله شعبًا آخر!

مناسبة هذه السطور قراءتي أخيرًا للمرة الثانية لكتاب الصحفية السورية هالة قضماني (سورية الموعودة) الذي صدر بالفرنسية قبل نيف وخمس سنوات، لكنه لم يجد بكل أسف طريقه إلى قرّاء العربية حتى اليوم.

صدر هذا الكتاب بعد ثلاث سنوات من انطلاق الربيع العربي عمومًا، وثورة السوريين خصوصًا، أي حين كانت هذه الأخيرة، بعد دخولها في متاهات الصراعات المحلية والإقليمية والدولية، تعيش ذروة الحسم في حمّى التحولات التي أدّت يومها إلى إخراجها عن الطريق الذي شقته لها جماهيرها منذ اليوم الأول، بوصفها ثورة حرية وكرامة، ولا سيّما بعد بدء تشقق اللاءات الثلاث في نهاية آب/ أغسطس 2011: لا للعنف؛ لا للطائفية؛ لا للتدخل الخارجي..”، وذلك تمهيدًا لتصفيتها تدريجيًّا.

لم يكن الكتاب يسلك طريقًا مألوفًا في حديثه عن الربيع العربي وعن السنة الأولى لثورة السوريين. فالصحفية هالة قضماني لم تكتب -كما كان متوقعًا منها على وجه الاحتمال- تأريخًا تقليديًّا موثقًا بالمعنى الصحفي للكلمة لأيام الثورة وانطلاقها ومشكلاتها وعقباتها وطرق مواجهة النظام الأسدي لها. لا بل لم يكن ذلك كله واردًا حين بدأت تحرير الكتاب، واختارت شكلًا أدبيًّا عرفه تاريخ الرواية الفرنسية خصوصًا، أعني شكل رواية الرسائل المتبادلة، دعتها إليه فجيعتها برحيل أبيها الذي أرادت أن تستعيده عبر حوار انقطع وتتقمص فيه دوره، بادئة بالحديث حول معاناتها كفتاة فرنسية من أصل سوري، بينما تشهد الطريقة التي طرحت بها مشكلة الهوية في فرنسا التي كانت يومها موضع أخذ وردّ بين اليمين التقليدي واليمين المتطرف الفرنسييْن. سوى أن الرسائل التي بدأت حول هذا الموضوع في منتصف تشرين الثاني/ نوفمبر 2010، سرعان ما انعطفت تحت وطأة ما بدأ يتفجر في العالم العربي بدءًا بتونس، كي تتناول ما بدا يومئذ أملًا آخر، مما سيغير موضوع الكتاب ومساره في إطار الشكل الذي بني عليه.

من المؤكد أن القراءة الأولى للكتاب في أثناء ذروة الحدث السوري ستحيل إلى حوار حميمي بين المرأة المفجوعة بغياب أبيها أمام ما تعيشه من أحداث، وكانت تتمنى لو أنها كانت تعيشها معه، وبين الأب الذي تتمثل بحكم معرفتها العميقة به وبتاريخه، ردّات أفعاله وتعليقاته إزاء ما تصفه له. لكن القراءة الثانية، بعد مسافة زمنية أشبه بالمسافة المكانية الضرورية لتأمل واكتشاف أبعاد لوحة فنية، سوف تكشف عن قراءة صارمة للحدث العربي عمومًا والسوري خصوصًا، لم تتخذ من العلاقة الحميمة في الحوار بين أب وابنته إلا لتكشف عن بعدٍ آخر رئيس لهذا الحدث، يجسده الأب، ناظم قضماني، لا بوصفه دبلوماسيًّا عاصر مختلف تقلبات الوضع السوري سياسيًا واجتماعيًا على الصعيدين العربي والدولي، خلال السنوات الممتدة بين نهاية الأربعينيات ونهاية الستينيات من القرن الماضي فحسب، بل كذلك بوصفه مناضلًا عروبيًّا كان من أوائل المنتمين إلى حزب البعث الذي اتخذ منه النظام الاستبدادي جسرًا للهيمنة ولاستملاك البلد أرضًا وشعبًا بل وتاريخًا، وانتهى إلى أن يشهد ثورة الشعب عليهما معًا. بعبارة أخرى: ليس الكتاب كما قيل عنه لدى صدوره مجرّد نص يتداخل فيه الخاص والعام في حياة امرأة سورية، ولا سيما أن الخاص فيه (صفة الأب) هو في حقيقة الأمر شأن عام، ما دام الدور الذي أنيط به في الكتاب هو دور مراقب ومعلق وشاهد ينتمي إلى الجيل الذي لم يحقق هذه الثورة التي حققها جيل ابنته. وبذلك، فالكتاب أقرب إلى رواية تسجيلية للحدث السوري طوال سنة كاملة، بنيت على مئة واثنين وثمانين رسالة تتقاسمها الابنة مع أبيها في متابعة الحدث انطلاقًا من فرنسا ومن ثمَّ تونس إلى مصر وميدان التحرير وليبيا وصولًا إلى سورية.

سرعان ما تتحول الكآبة المخيمة في الجو الفرنسي لدى الابنة، إلى بهجة، حين ينطلق الربيع العربي بتونس: “حين قال والد صديقتي أنيسة العجوز بالقيروان لابنته أمس إنه سعيد أن عاش ما يكفي من أجل أن يرى هذا، استحوذت عليَّ الغيرة وبكيت غيابك كثيرًا!”. هي ذي الفتاة التي كانت تتعرف نفسها فرنسية من أصل سوري تكتشف بسعادة وفخر سوريتها في الوقت نفسه الذي كان السوريون أنفسهم يكتشفون هويتهم وبلدهم، بعد أن حطم شبابهم جدران الخوف ورفعوا شعارات “الموت ولا المذلة”؛ “الشعب السوري ما بينذل” في وجه نظام مافيوي ظنّ أن بوسعه استملاك سورية إلى الأبد. ترى الابنة هالة نفسها سوريةَ الهوية، وفي تناغم تام مع أبناء بلدها الذين كانت تتابع تحركاتهم في مختلف المدن السورية، بمختلف وسائل التواصل التي أتقنها هذا الشباب الرائع. أما شهادة الأب حول جيله هنا فهي حافلة بالدلالات: “انتهت أحلامنا إلى أن تصادر من قبل العسكر والجهلة (…) والمحاولة في الاشتراكية والعدالة التي انخرطت فيها أنا أيضًا، عبر انتسابي إلى البعث، كانت فشلًا كليًّا”. ولا يفوته أن يشير أيضًا إلى أن حزب البعث، منذ بداياته، أيَّدَ أول انقلاب عسكري، مثلما رضي كذلك أن يمسك زمام السلطة عام 1963 إثر انقلاب عسكري آخر! وحين يعترف الأب ناظم لوالده بأنه هو الآخر أيّد انقلاب حسني الزعيم شخصيًا، يتلقى من أبيه هذا الجواب: “ما جرى يا بني سابقة خطيرة لأنه يجعل من الجيش فاعلًا سياسيًا يهدد النظام الديمقراطي الذي نتمسك به.. سوف تندم بمرارة على هذا الموقف المحابي للانقلاب ضد الشرعية الدستورية”. ولسوف يندم بالفعل حين كان جزاؤه بعد أن طرح على وزير خارجية سورية، إبراهيم ماخوس، إثر هزيمة حرب حزيران 1967: “ها قد اعترف عبد الناصر بالهزيمة أمام شعبه وقدم استقالته، فماذا أنتم فاعلون هنا؟”، أن يسجن ستة أشهر، وأن يُسَرَّحَ من عمله في وزارة الخارجية، وأن يرغم على المنفى!

هذا الأب الذي عاش النضال ضد فرنسا شابًا، اختارها مقامًا له ولأسرته بعد أن فقد أسباب الحياة في بلده. وها هو حين يصغي إلى ابنته تصف له طريقة تنظيم المظاهرات في رمضان، يتذكر الطريقة التي كان السوريون ينظمون مظاهراتهم أثناء الاحتلال الفرنسي: “أترين، ها أنا في طريقي إلى مقارنة الانتفاضة التي تصفينها لي بالنضال من أجل استقلال سورية! (…) ذلك لأن هذا النظام يتصرف كقوة احتلال أجنبي ضد الشعب!”. ولسوف ينهي الكتاب بعد أن قرأ ما كانت تؤول إليه الثورة في سورية، وما كان يشعر به بعد قراءة كل رسالة من رسائل ابنته منتظرًا خبر سقوط النظام. لكنه سرعان ما ينسى خيبته، حين يقرأ بدلًا من ذلك وثبة جديدة يقوم بها الثوار كي يعود، من بعدُ، إلى انتظار أسوأ من السجن”! ذلك أنه فهم جيدًا ما كتبته له ابنته: “رهاننا في اليوم الأول على تفكك أو انفجار النظام تحت ضغط متزامن للعزل الدولي والاختناق الاقتصادي، وخصوصًا على تحول القوات المسلحة بدا خاسرًا”.

هو ذا ما تقدمه قراءة جديدة لهذا الكتاب الذي يعيد لقارئه تفاصيل ثورة شعب كان يطلب الكرامة قبل الخبز، والحرية قبل الاستقرار، والذي كتب في أربعة فصول أشبه بأربع حركات موسيقية رئيسة في سمفونية روائية متعددة الأصوات والمستويات، تجلى فيها وعبرها الشعب السوري لنفسه وللآخرين. مهداة رغم كل شيء إلى سورية الموعودة، سورية الغد.. تلك التي لا يمكن أن يساور الثوار شكٌّ في قدومها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق