سلايدرقضايا المجتمع

المفتي العام في البلاد الإسلامية

ما هو الدور التشريعي للمفتي العام للدولة؟ وهل تحتاج الدولة الحديثة إلى هذا الموقع؟ أو هل يمكن أن يكون هذا الموقع إضافة حيوية للدولة، أم أنه محض رغبة سياسية للسيطرة على قطاع من الشعب؟

استحدث العثمانيون منصب “شيخ الإسلام” في السلطنة، منذ أيام مراد الثاني عام 1430، وكان بمثابة حقيبة وزارية تجمع بين القضاء والأوقاف والتعليم، وكان منصبًا كبيرًا يتمتع بامتيازات عالية، وكان “شيخ الإسلام” يقوم بتعيين المفتين والقضاة في الولايات العثمانية، وبدورهم يقومون بالإشراف على القضاة وتعيينهم، وإلغاء أحكامهم إذا رأوا أنها تخالف الشريعة.

وكان هذا المنصب أول منصب حكومي رسمي بتكليف شخص ما دون سواه، ببيان موقف الشريعة في الأعيان والأحكام، وأدى ذلك إلى فوضى الفتوى والقضاء، حيث بات التنازع بين المفتي والقاضي، في الاختصاص والحكم، مشهدًا متكررًا، وباتت أجهزة الدولة حائرة تستدل يومًا بالفقيه ويومًا بالمفتي، وكان هذا التنازع دائمًا يحتاج إلى حسم من السلطان الذي بات يملك مؤسستين تشريعيتين، يمكنه أن يتكئ على إحداهما دون أي اعتراض.

هذا الواقع الجديد جاء مختلفًا بالكلية عن السائد في التاريخ الإسلامي قبل ذلك، حيث كان الحكم للقضاة الذين تعينهم الدولة، أما المفتون فكانوا يعكسون مزاجًا شعبيًا لا يُلزم الحكومة بشيء، ولم يقدم حاكم أو خليفة أو سلطان على إنشاء مؤسسة فتوى تملك الحسم والحكم الذي يملكه القضاة، بل ظل اختيار المفتين شأنًا شعبيًا تفرضه مكانة هؤلاء الفقهاء وتأثيرهم في الشارع، وكانت فتاواهم رأي استنارة واسترشاد، لا رأي إلزام وجبر، وربما اشتهرت الدولة بارتباطها دومًا بفقيه كبير وفقهاء آخرين يقومون بدور ما في توضيح مسائل الشريعة، ويرجع إليهم الخلفاء في بعض المسائل من دون أن يكون لهم تسمية رسمية وصلاحيات دستورية مدونة.

في هذا السياق، نذكر أن أول من سماه الناس مفتيًا هو الليث بن سعد، المتوفى عام 175 هجرية الذي كان يُلقّب بـ “مفتي مصر” ولكن لم يكن هذا بحكم منصب حكومي أسند إليه، بل كان نتيجة حضوره في الشارع المتدين وثقة الناس بعلمه وفقهه، أما القضاء فقد كان مؤسسة مستقلة لا تصدر إلا بقرار مباشر من الدولة، في مختلف العصور الإسلامية.

واعتبر القرار العثماني بتأسيس مشيخة الإسلام وتاليًا مؤسسات الفتوى التابعة لها، مربكًا لمؤسسة القضاء التي كانت جزءًا من كيان الدولة منذ فجر الإسلام، ذلك أن القضاء كان منذ فجر النبوة مؤسسة حكومية راسخة وكان له دور أساسي، وفي خطابات النبي الكريم ومكاتباته كانت قرارات تعيين الولاة تترافق بقرار تعيين القاضي، وهذا يعكس وعيًا متقدمًا في احترام القضاء وتمكين استقلالية السلطة القضائية، ووجوب أن تكون أحكامها وقراراتها منفصلة تمامًا عن قرارات السلطة التنفيذية وحاكمة عليها.

فقد سُمّي علي بن أبي طالب حاكمًا على اليمن، وسُمّي معاذ بن جبل قاضيًا فيها، وسُمّي سعد بن أبي وقاص حاكمًا على العراق، وسُمّي عبد الله بن مسعود قاضيًا فيها، وسُمّي معاوية بن أبي سفيان واليًا على الشام، وسُمّي أبو الدرداء قاضيًا فيها، وكان الأمر بتعيين الحاكم وتعيين القاضي يصدر من العاصمة المركزية، سواء في عصر النبوة أو عصر الخلفاء الراشدين، وهو ما استمر فيما بعد في عهد الخلفاء الأمويين والعباسيين والمماليك.

في هذا السياق، برز عدد من القضاة كانت لهم مواقف حاسمة في محاكمات شهيرة، منها محاكمة خلفاء بعينهم، كالقاضي شريح بن الحارث الذي حاكم علي بن أبي طالب، وإياس بن معاوية والقاضي أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم، والقاضي النعمان بن ثابت الإسماعيلي، كما اشتهرت مواقف كبيرة لفقهاء رفضوا تولي منصب القضاء، حين تأكدوا من عدم توفر استقلال القضاء وحريته، ومنهم أبو حنيفة وإياس بن معاوية. وكان أكثر القضاة وضوحًا واستقلالًا القاضي حاضر بن جميع، الذي أمر بإخراج الجيوش الفاتحة من سمرقند وأوزبكستان، بعد أن حكم على الفتح الإسلامي لأوزبكستان بالبغي وتجاوز قيم الإسلام، وتم تنفيذ الحكم بدقة بإشراف القاضي نفسه وتفويض كامل من الخليفة عمر بن عبد العزيز.

وهكذا فإن القضاء الذي يعكس في الواقع سلطة حقيقية مستقلة يختلف تمامًا عن الفتوى التي ظلت في التاريخ الإسلامي مجرد رأي يقدمه الفقيه ويستند إليه من يريد الحكمة والشورى، واقتصر دوره غالبًا على العبادات والسلوكيات دون أن يتدخل في الحقوق المتنازع عليها أو في الدماء والحدود، وظلّ المفتون والفقهاء يشاركون الناس في حياتهم العامة، كخبراء ومرشدين، يستفتيهم الناس في مسائل الدين ويأخذون منهم ويتركون، ويشتهر منهم فقيه وينطفئ آخر، وتحكم بينهم الجنائز.

وفي قراءة واعية للتشابك والتقاطع بين القضاء والفتوى، يمكننا أن نلاحظ الفروق الأساسية الآتية:

  • الأولى: القضاء ملزم والفتوى غير ملزمة
  • الثانية: القضاء حكومي رسمي والفتوى شأنها أن تصدر من الأفراد
  • الثالثة: القضاء لا يجوز أن يتعدد والفتوى قد تتعدد
  • الرابعة: القضاء ملزم بالراجح المعتبر تشريعيًا والفتوى لا تتقيد بالراجح بل بالنظر والدليل
  • الخامسة: القضاء يحكم في الحدود والدماء، أما الفتوى فلا يجوز لها أن تقتحم اختصاص القضاء في الدماء والحقوق المتنازع فيها، وإنما مناطها العبادات والأخلاق والأحوال الشخصية.

والخلاصة أن الفتوى هي اجتهاد الفقهاء والخبراء، وهي لا تلزم أحدًا، ولكن يستأنس الناس بها ويسترشدون، فيما القضاء حكم جبري إلزامي ليس للناس خيار في طاعته أو تنكبه. وبه تعلم أن قيام بعض الدول بتسمية مفتين رسميين ومنحهم صلاحيات تتجاوز إبداء الرأي إلى الإلزام هو خلل دستوري وتشريعي وحقوقي، ويتناقض تمامًا مع الدولة الحديثة.

الفتوى منبر الاجتهاد الحر والبيان والبرهان، وساحة فكر واجتهاد، ينال بها المصيب أجرين والمخطئ أجرًا واحدًا.

الفتوى منصة الرأي والاجتهاد، وهي حرة من كل قيد، لا يتم تعيينها بقرار ولا تنزع صلاحياتها بقرار، وهي تكبر وتصغر وتضيء وتخمد وتنتشر وتنحسر، وفق قدرات المفكر والمفتي ومدى نجاحه في إقناع الناس وتقديم الحجة والبرهان.

فليتقدم إلى الفتوى كل من لديه علم ونور، وليأكل الفكر بعضه بعضًا، فالعاقبة للحق،
فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض، والله يعلم المفسد من المصلح.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق