تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

الوصاية الدولية.. هل هي حلّ لسورية؟

دخلت الأزمة السورية عامَها التاسع، ولا يبدو أن سورية ستدخل في طريق الاستقرار على المدى المنظور، حتى إن الكثير من السوريين أعادوا ترتيب حياتهم مُفترضين أن الحرب ستستمر ربما لأكثر من عقد مقبل، والاستقرار لن يأتي قبل عقدين على الأقل.

خلال ثماني سنوات، فشل المجتمع الدولي في إيجاد حلّ يوقف الحرب في سورية، وفشلت كل المبادرات التي طُرحت لحل الأزمة السورية، بدءًا من مبادرة الجامعة العربية في السنة الأولى من الثورة، مرورًا بمبادرة كوفي أنان، وخلفه الأخضر الإبراهيمي، ثم خلفه الآخر ستيفان دي ميستورا، فضلًا عن مبادرات جنيف وبروكسل وغيرها، ولم تنجح كلها في إقناع النظام وحلفائه، الروسي والإيراني، بأن عليهم أن ينصاعوا للقرارات الدولية، عاجلًا أم آجلًا، وأن زمن الحكم الشمولي في سورية لم يعد له مكان.

تبدد الأمل الذي حمله إعلان جنيف 1، بعد أن تبعه القرار 2254 الذي انتزع منه الصدارة في الاهتمام الدولي، ثم تبعته سلسلة اجتماعات أستانا ومؤتمر سوتشي، التي حاولت روسيا من خلالها حرف مسار الحل في سورية عن مبادرة جنيف 1 والقرار 2254، وأن تجعل المرجع هنا بدلًا من هناك، واكتشف السوريون أن القرارات الدولية أو الأممية لكثرة المفاهيم الغامضة وغير المحددة التي تتضمنها ستجعل أطراف الصراع في سورية تختلف حولها دائمًا.

لم يستطع النظام السوري تحقيق النصر على شعبه، على الرغم من العنف المفرط والدعم العسكري والسياسي والاقتصادي الذي تلقاه من روسيا وإيران، كما لم تستطع روسيا أن تفرض رؤيتها للحل، وبديهي أن المعارضة السورية لم تستطع تحقيق نصرها المؤزر المُشتهى، إذ لم يقبل أحد بتزويدها بالسلاح النوعي الذي يكسر ميزان القوى، وتداخلت مصالح روسيا وتركيا وأوروبا وبعض العرب في سورية، وتنازع الجميع على أرضها، أملًا في تحقيق أوسع مكاسب استراتيجية ممكنة، وزادت رقعة المستنقع السوري.

استخدمت روسيا حق النقض الفيتو في مجلس الأمن، 12 مرة، ومنعت قرارات دولية على مستوى الإغاثة والمقاطعة والتأديب للنظام السوري، كما منعت أي حل سياسي واقعي لازم لحل القضية، وأوقفت قرارات كان من شأنها أن تكون مدخلًا للحل، ومن الواضح والمؤكد أن “الفيتوهات” الروسية ستستمر، طالما لم يحصل شيء جذري يغيّر الوضع في وحول سورية.

حتى لو افترضنا أن المجتمع الدولي استطاع إيجاد حل للقضية السورية، فإن من شبه المؤكد أن الصراع العرقي والطائفي والمذهبي والقومي الذي ولّده النظام السوري لن ينتهي كليًا، وستستمر الحروب الهامشية، ما لم يوجد حل متوازن مرض يحقق مصالح كل الفرقاء في سورية، بعيدًا من مجرمي كل الأطراف.

تحدث كثيرون عن ضرورة وضع سورية تحت الوصاية الدولية، كحل يُخرج القضية السورية من تحت ثوب روسيا والولايات المتحدة والدول الإقليمية، ويخلّص السوريين من نظام قمعي شمولي، ويحجب أي دور له في المستقبل، مع الحفاظ على ما تبقى من مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية، وصاية توقف أي احتمال لأوحال طائفية ومحاصصة وصراعات داخلية، كما تُنهي تأثير الفيتو الروسي المعيق لأي حل.

أمام تعنت النظام وانفلاته الذي خبره السوريون، وأمام وجود تشابك وتضارب مصالح إقليمية ودولية غاية في التعقيد والتشابك، لم يعد الوجود الأممي على الأرض السورية ترفًا، ولم تعد الحاجة إلى وصاية بنوع من أنواعها مبالغة، بل هو أمر جوهري لحل الأزمة، حتى لو افترضنا أن النظام السوري وافق على حل سياسي من نوع ما، لا يمكن أن يُنفّذ ما عليه دون هذا الإجراء، للمراقبة والإشراف على التنفيذ وحفظ السلام، والإشراف على النظام السياسي الانتقالي.

جيّشَ النظام السوري طائفيًا حتى النخاع، وقضى على مفهوم المواطنة، وأعاد الكثير من السوريين إلى مرجعيات ثانوية تعود لمفاهيم ما قبل الدولة، ودمّر التماسك والتعايش الاجتماعي السوري، وصار الأمر يحتاج إلى إعادة بناء الدولة والمجتمع بمساعدة قوى تفرض المسارات فرضًا على الجميع.

الوصاية الدولية مصطلح سياسي قانوني دولي، أحدثته الأمم المتحدة عام 1945 تحت الفصل 12، وهدفه الإشراف على بعض الأقاليم على طريق الاستقلال، بغرض النهوض بالتقدم السياسي والاقتصادي والاجتماعي لها وتطورها نحو الحكم الذاتي وتقرير المصير، وجاءت لتسوية أوضاع الدول المستعمَرة وفقًا لشرعية قانونية أممية تنقلها بالتدرج من وضعية الدول المستعمرة إلى وضعية الدول المستقلة.

يُطبق نظام الوصاية الدولي على الدول التي تُعرف في القانون الدولي بأنها “ناقصة السيادة”، وهذا يمكن أن ينطبق على سورية، ووفق نظام الوصاية تكون مصالح الإقليم الموضوع تحت الوصاية مقدمة على غيرها، وبضرورة مراعاة الطموحات السياسية لكل إقليم، بحسب مراحل تنميته وتقدمه، وهذا ما تحتاج إليه سورية.

صحيح أن مبدأ الوصاية حدد أقاليم بعينها لكنه لم يحصرها، وبالتالي يمكن عبر رفع الملف السوري للجمعية العامة للأمم المتحدة، بحث إمكانية وضع سورية تحت الوصاية الدولية بسبب تعقيداته الكبيرة جدًا.

نظريًا، لا يمكن في ظل الوصاية أن تقرر دولة واحدة مصير سورية، بل مجلس الأمن مجتمعًا، وهذا بدوره سيتيح المجال لوضع حد للنظام وتفكيك التنظيمات المسلحة المتطرفة واستيعاب المعارضة المسلحة، وهيكلة الأجهزة الأمنية والعسكرية، وإقرار الدستور ووضع القوانين واختيار السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وتهيئة المناخ لحكم ديمقراطي.

إن المطالبة بوصاية أممية تحت الفصل السابع، قد تكون حلًا برأي الكثير من السوريين اليائسين من إمكانية إيجاد حل على المدى المنظور، وهو ليس خيانة للوطن المحكوم، لأنه أساسًا محكوم بوصاية روسية وإيرانية وأميركية ووصايات أخرى، والوصاية الأممية التي فرضت على كوسوفو أوقفت الحرب هناك، وسورية في حالة حرب لا أمل بوقفها عن طريق تفاوض سياسي، ولا توقفها إلا وصاية أممية.

عمليًا، الوصاية الدولية أمرٌ متاح، ويمكن اللجوء إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة ودعوتها لعقد جلسة حول القضية السورية، ويكون لقرارها صفة الإلزام، كقرارات مجلس الأمن، في حال حاز القرار موافقة ثلثي الدول الأعضاء، لكن يبقى السؤال مطروحًا حول الدول التي ستوافق على هذا القرار وتدخل في مواجهة مع روسيا.

في ظل الخيارات المتاحة حاليًا، والأبواب المغلقة، يُخشى أن لا يبقى لدى السوريين حلّ لمستقبل أفضل لبلدهم إلا المطالبة والسعي لوضع بلدهم تحت وصاية دولية، على أمل أن تنسف اليأس وتضع سورية على طريق حل قد يستغرق جيلًا كاملًا أو جيلين.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق