أدب وفنون

مشاعل على الطريق: علي القاسمي.. في الدفاع عن فن القصة

الجيل المتعب بين الأدب الأمريكي والأدب العربي

سبعة عشر نصًا أدبيًا من فن القصة، يختارها المترجم والأكاديمي علي القاسمي، لتشكل مضمون كتاب أصدره المركز الثقافي العربي بعنوان (مشاعل على الطريق: أبدع وأروع القصص الأمريكية الحديثة). يعتمد علي القاسمي على خبرته المتأتية من عديد الترجمات والدراسات الأدبية التي قدمها عن الأدب الأمريكي ومبدعيه، ويعتمد في خياراته القصصية على سلسلة سنوية بعنوان (أحسن القصص الأمريكية لكل عام) وهي سلسلة تصدر في الولايات المتحدة منذ العام 1915 حتى اليوم.

يبين المترجم المعايير التي أتبعها في اختيار القصص التي يضمها هذا الكتاب، ومنها: أن تكون القصة لأحد مشاهير الأدباء الأمريكيين الذين أغنوا الأدب الأمريكي بتقنياتهم الفنية المبتكرة، وأثروا في أساليبه وموضوعاته وتوجهاته، فكان منهم: إرنست همنغواي، سكوت فيتزجيرالد، جاك كيرواك، شيرمان أليكسي.. وأن تمثل القصص المدارس السردية الكبرى في الأدب الأمريكي المتنوع بين عدة تيارات: الواقعية، الواقعية القذرة، الانطباعية، الرمزية، أو تيارات ما بعد الحداثة، أما المعيار الثالث فيتعلق بضرورة تنوع الموضوعات التي تتناولها القصص بين المشكلات السياسية والاجتماعية كالحروب، والمشكلات النفسية والعائلية مثل الأمراض وأزمات التواصل بين البشر.

في مقدمة الكتاب، يقدم القاسمي مقالًا نقديًا بعنوان (دراسة في الأدب الأمريكي الحديث)، يميز فيها المؤلف بين خمسة أجيال مؤثرة في تاريخ الأدب الأمريكي:

“الجيل الضائع” وهو جيل الكتّاب الذين جعلوا من مشاركتهم الشخصية في الحرب العالمية الأولى موضوعًا لقصصهم، ونوهوا إلى موت تجربة الحلم الأمريكي.

“جيل النصف الأول من القرن العشرين” وأبرز كتّابه: سكوت فيتزجيرالد، إرنست همنغواي، ووليم فوكنر، هذا الجيل التزم المدرسة الواقعية حتى أدى ظهور السينما إلى محاولة القاصين للبحث عن تقنيات سردية جديدة تحتفظ للقصة بفرادتها أمام السرد السينمائي.

ومن بعدهم ظهر “جيل ما بين الحربين” الذين لم يجندوا، لأنهم كانوا إبان الحرب العالمية الأولى أصغر من سن التجنيد، وأصبحوا أثناء الحرب العالمية الثانية أكبر من سن التجنيد.

يليهم “الجيل المتعب Bit Generation” الذي ينتمي أغلبهم إلى طلاب الجامعات من الطبقة الوسطى والذين عملوا على رفض الثقافة المادية الأمريكية، وأسسوا لحركات متمردة على العادات والقيم الاجتماعية السائدة.

وأخيرًا (تيار القصة الأمريكية في النصف الثاني من القرن العشرين)، حيث يوضح القاسمي أن تغيرًا طرأ على القصة الأمريكية في تلك الفترة، من حيث طول القصة الواحدة الذي زاد عن 20 صفحة، ومشاركة أوسع للمرأة في الكتابة والقص بشكل مطرد. يكتب القاسمي عن تلك المرحلة: (في النصف الثاني من القرن العشرين، لوحظ تحول في القصة الأمريكية القصيرة في مضمونها وشكلها، مفاده أنها تخلت عن تصوير أوضاع المجتمع اتجهت إلى تصوير حالات الفكر، وانتقلت من سرد الأحداث والوقائع إلى تحليل المشاعر والعواطف، ولم تعد الحقائق التي تقدمها القصص سافرة واضحة، بل مغلفة باللغز ومحجبة بالرمز، وأخذ القصاصون ينافسون الشعراء في استخدام الأخيلة الشعرية واللغة الموحية المموسقة).

مشكلات تواصل عائلية:

من قصص الجيل الضائع والمشكلات العائلية، تظهر قصة (العودة إلى بابل)، القصة التي اتفق النقاد على أنها الأفضل للكاتب سكوت فيتزجيرالد، يروي فيها تجربته الذاتية في محاولة استعادة ابنته (سكوتي) التي وُضعت وعمرها ثمانية سنوات تحت وصاية إحدى خالاتها، بسبب مرض أمها وإفراط أبيها -أي سارد القصة- وهو شخصيتها الرئيسية في الكحول. هنا نجد الأب الذي يحاول أن يستعيد ثقة العائلة التي احتضنت ابنته بعد أن عانت من غيابه.

يتغير الأسلوب السردي تمامًا مع القصة الثانية، وهي للكاتبة دورثي براكر، بعنوان (ها نحن هنا)، تتكون من حوار مفكك ومتقطع بين زوج وزوجة يستقلان القطار بعد زفافهما مباشرةً، فتستعمل الكاتبة لغة محادثة ركيكة التراكيب ومكرورة العبارات التي تفاقم سوء التفاهم بين القول والقول الآخر، بين المتزوجين حديثًا، إن كل جملة بينهما تودي إلى المزيد من تفاقم صعوبة التواصل.

في قصة (لقاء) لـ جون شيفر، تختلط السخرية السوداء بالمأساة الفردية، وهي –أيضًا- من القصص التي تعالج المشكلات العائلية الأخلاقية. يروي السارد في هذه القصة لقاءه الوحيد بوالده، لكن أحداث اللقاء تشير إلى شخصية والد مضطربة ومزعجة لكل من حولها، فالوالد يزعج كل نادل مطعم يدخله، فتصبح ذكرى اللقاء الوحيد مع الوالد قاسية للابن– للسارد.

من الخيال العلمي ومن النثر التلقائي:

في (عن اللاشيء) نقرأ مع الكاتب إسحاق عظيموف، قصة من قصص الخيال العلمي. وفي (الفتاة المكسيكية) نجد أسلوبًا سرديًا يطلق عليه مؤلف القصة جاك كيرواك، أسلوب (النثر التلقائي)، حيث يدون ما يعنّ له، وينتقل بين لغة شعرية راقية ولهجة عامية دارجة، مع إحالات خاطفة كثيرة على شخصيات وأعمال أدبية وفنية وموسيقية وغنائية وسينمائية ورياضية، إضافة إلى استعمال ألفاظ وتعبيرات وتراكيب لا تعود إلى ما يرد في القاموس أو معاجم اللغة الإنكليزية.

قصة (اللاجئ الألماني، برنارد مالامود) تصور معاناة المهاجر الذي يفقد لسانه وثقافته وشخصيته وهويته، لغة القصة تدمج بين الفلسفة والشعرية. أما في قصة (الطريقة التي نعيش عليها الآن) للكاتبة سوزان سونتاغ يصبح السارد –هنا- كموّثق أمين يترك للقارئ استخلاص النتائج والعبر من الأحداث، فالأشخاص العديدون في هذه القصة يناقشون مرض نقص المناعة ولكهنم لا يسمّونه، ويتحدثون عن صديقهم المصاب بذلك المرض ولكن لا يسمونه.. ويستطيع القارئ من خلال تقنية السرد –هذه- أن يستخلص موقف الكاتبة من الطريقة التي تعيش عليها هذه المجموعة من الناس.

قصص فيزيائية وعلمية:

تتميز أيضًا (قصتان، آلان لايتمان) بموضوعهما الذي يتحدث عن الزمن الدائري والزمن المتقطع. يتميز أسلوب السرد لدى لايتمان بخصائص الأسلوب العلمي، أي الإيجاز، ووضوح اللغة وبساطتها، وقصر الجمل، ودقة التعبير؛ أي التطابق بين المفهوم واللفظ الذي يعبر عنه، وندرة الصور المجازية.. في قصته الأولى يكتب ويتمان مفترضًا أن الزمن دائري: (لنفترض أن الزمان دائرة، تدور على نفسها، والعالم يعيد نفسه، بطريقة مضبوطة لا متناهية، هكذا ستتكرر الأخطاء في هذه الحياة كما في الحياة السابقة).

أما في قصته الثانية، فيكتب لايتمان مفترضًا أن الزمان متقطع الحضور: (أي عالم هذا؟ في هذا العالم، الزمن ليس مستمرًا في هذا العالم، الزمن متقطع. الزمن نسيج من ألياف عصبية، يبدو مستمرًا عن بعد، ولكنه غير متصل عن قرب، مع فجوات ميكروسكوبية بين الألياف. يجري الفعل العصبي خلال قطعة واحدة من الزمن، يتوقف فجأة، يتردد، يقفز في فراغ، يستأنف مسيرته خلال قطعة تالية).

الجيل المتعب في الأدب العربي العباسي:

إنه الكتاب الثاني الذي يحققه على القاسمي، كمختارات من القصة الأمريكية، هو الذي كان نشر في العام 2003 مع دار إفريقيا الشرق (مرافئ على الشاطئ الآخر: روائع القصص الأمريكية المعاصرة). لكن ما يميز الكتاب الحالي أمران: الأول هو محاولة القاسمي الإجابة عن تساؤل: “هل يوجد ما يماثل الجيل المتعب في تاريخ الأدب العربي؟” فيحاول الربط بين مميزات الجيل الأمريكي المتعب وبين مجموعة من الأدباء والشعراء والأخباريين الشباب من تاريخ الأدب العربي، الذين اشتهروا بالخلاعة والمجون وظهروا في الكوفة خلال العصر العباسي الأول (132 – 231 ه / 750 – 847 م).

أما الأمر الثاني المميز لآراء القاسمي، فهو دفاعه عن فن القصة معتبرًا أنه ما يزال نوعًا أدبيًا جديدًا، ناميًا، وما يزال قيد التطوير والتجريب، على عكس الكثير من الآراء النقدية والصحفية السائدة التي ترى في انتشار الرواية وتسيدها مؤشرًا على اضمحلال فن القصة الأدبية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق