سلايدرقضايا المجتمع

التغيير الديموغرافي في سورية يخفي كوارث للمستقبل

تعرّضت سورية في تاريخها الحديث لتغيّرات في تركيبتها السكانية، لكن التغيير الديموغرافي الذي قام به النظام السوري والإيرانيون والأكراد، تجاوز كل التغييرات السابقة، وهدد بكوارث طويلة الأمد.

في مثل هذا التاريخ عام 2018، بمعية (حزب الله) اللبناني، وتشجيع وتأييد من النظام السوري، تم ترحيل الآلاف من السكان السوريين (السنّة) من بلدات في ريف دمشق (الزبداني ومضايا)، مقابل نقل الآلاف من السكان السوريين (الشيعة والعلويين) من بلدات في ريف إدلب (كفريا والفوعة) ضمن ما عُرف باتفاق “المدن الأربعة”؛ فكان هذا الاتفاق أكبر وأخطر عملية تهجير وتغيير ديموغرافي واضح ومباشر وعلني تحدث في سورية في تاريخها.

كانت المعارضة السورية تُسيطر على بلدتي الزبداني ومضايا، ويقيم فيها 40 ألفًا من السكان المعارضين للنظام بشكل عام، فحاصرها النظام وميليشيات (حزب الله) اللبناني حصارًا قاسيًا مدة ثلاث سنوات، بعد أن فشلا في اقتحامها، لصلابة المقاتلين المسلحين فيها، لأنهم بالأساس من سكانها ولا غرباء بينهم.

بالمقابل، كان النظام السوري يُسيطر على بلدتي كفريّا والفوعة في ريف إدلب، ويقيم فيها سكان (شيعة وعلويون) موالون بشكل مطلق، بينما حاصرتها فصائل معارضة مدة سنتين، بعد أن ترددت في اقتحام البلدتين نتيجة وساطات إقليمية، لأن دخول المعارضة لهذه البلدات سيؤدي إلى مجازر طائفية.

توصل النظام والمعارضة المسلحة، عبر وسطاء إيرانيين وخليجيين، إلى اتفاق يقضي بإخراج الناس من هذه القرى، وإخلائها من سكانها الأصليين، ليسيطر كل طرف على البلدات التي يحاصرها، وينتهي احتمال المجازر الطائفية من جهة، ولتصير المنطقة التي يسيطر عليها كل طرف “صديقة” له بالكامل.

لم يكن أمام السكان في مناطق المعارضة سوى الرضوخ، فالحصار كان خانقًا لدرجة لامس فيها حدود الموت البطيء، بينما زرع النظام في سكان مناطق الموالاة فكرة أن المعارضة ستبيدهم عرقيًا إن بقوا، تلك الفكرة التي روّج لها النظام السوري كثيرًا بين مؤيديه منذ بداية الثورة.

وقبلها في عام 2016، أخرج النظام السوري أهالي مدينة داريّا المعارضين، بعد سنتين ونصف من الحصار الخانق لهم، وسلّم أمن المنطقة لـ (حزب الله) ففرغت المدينة من سكانها تمامًا، وأصرّ النظام على أن يقضي الاتفاق بعدم السماح لأهلها بالعودة إليها، وإن سوّيت أوضاعهم الأمنية.

وقبلها في عام 2012، قام النظام السوري بتدمير جزء كبير من مدينة حمص، وتهجير من بقي فيها، وإحلال موالين له من الطائفة العلوية بدلًا منهم، بحيث أصبحت المدينة السنّية تاريخيًا، علويةً بالكامل، عدا حي الوعر الذي تم إخلاؤه من سكانه عام 2017 بعد حصاره ثلاث سنوات.

منذ عام 2016، قامت الأذرع العسكرية لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي ميليشيات (وحدات حماية الشعب) و(وحدات حماية المرأة)، و(قوات سوريا الديمقراطية) بحرق عشرات القرى العربية في الشمال السوري، وطردت سكانها لمجرد أنهم عرب، أو مسيحيون آشوريون، وارتكبت بحق من رفض التهجير جرائم وثّقتها تقارير حقوقية دولية، في محاولة من الأكراد لإخلاء الشمال السوري من العنصر العربي والآشوري، ليستقر بدلًا منهم أكراد يستجلبهم الحزب وميليشياته من أكراد تركيا والعراق وإيران، تمهيدًا لفرض فيدرالية كردية في شمال سورية.

تلك الحوادث وغيرها، أكّدت أن النظام السوري وأدوات إيران يتبعون سياسة التغيير الديموغرافي الطائفي المذهبي في سورية، بطريقة لم تعد تُخطئها العين.

اللافت في الأمر أن غالبية عمليات التهجير القسري وإفراغ المدن والبلدات والتغيير الديموغرافي الواضح، كلها تمت برعاية الأمم المتحدة، وأخيرًا برعاية الروس وإشرافهم، وبدلًا من أن تكون الدول الكبرى والأمم المتحدة راعية للاستقرار السكاني، وحريصة على عدم حصول تغيير ديموغرافي يؤثر في التركيبات السكانية وتوازناتها التي اتسمت به المنطقة منذ مئات السنين، شاهدها السوريون ترعى وتحمي وتُشرف بل تبارك ما جرى.

صحيح أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أشار، في آخر شباط/ فبراير 2017، إلى أخطار التغيير الديموغرافي الذي كان يجري في سورية، حين قال خلال لقاء مع ضباط الأسطول الشمالي الذين شاركوا في مهمات عسكرية في سورية: “نشعر بقلق شديد نتيجة الفصل الطائفي، وانتقال مجموعات من أماكن إلى أخرى على خلفية إثنية”، لكنّ بلده في الواقع شاركت بقوة في ما جرى.

من الصعب جدًا معرفة حجم التغيير الديموغرافي الذي حدث في سورية، فمن جهة يحدث بحجج طرد “الإرهابيين”، ومن جهة بحجة التبادل، أو بحجّة “الحاجة الأمنية” من جهة ثالثة.

خلص تقرير معمَّق صدر عن (معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى) في كانون الأول/ ديسمبر 2015، إلى أن التحركات السكانية الواسعة النطاق في سورية لم تكن مجرد نتيجة ثانوية أو عابرة للحرب، بل يعود كثير منها إلى استراتيجيات تطهير عرقي واعية تنفذها الأطراف كافة، ويعني ذلك أن التغيير الديموغرافي حدث في أكثر من اتجاه، منذ عدة سنوات، كانت بداياته في حمص أوائل 2012، وطال ما قام به الأكراد في شمال سورية، من تغيير ديموغرافي عرقي وليس مذهبي، أدّى إلى كوارث.

منذ انطلاق الثورة السورية، وانتهاج النظام سياسة الحصار والموت أو القبول بالتهجير، للبيئة الشعبية المعارضة له، بدأت الأكثرية السنّية، وللمرة الأولى في تاريخها، تتعرّض لعملية تهجير منهجية وقسريّة لتحلّ محلّها جماعات شيعية من خارج البلاد، وضمن خلخلة البنية المجتمعية السورية، من دون أن ينتبهوا إلى أن العبث بهذا التوازن الإثني والطائفي سيقود في المستقبل إلى كوارث بشرية.

التحركات السكانية الخطيرة التي جرت في سورية -أو الجراحة الديموغرافية الطائفية والعرقية- سواء تلك القسرية لمفروضة بالقوة من قبل النظام أو من قبل الأكراد، أو الطوعية هربًا من الموت والدمار، وأدت إلى لجوء وهروب نحو 12 مليون سوري في مختلف الاتجاهات، على أساس الهوية، القومية أو الدينية أو المذهبية، وبطبيعة الحال السياسية، كانت مبرمجة، ولا يمكن التكهن بحجم كارثيتها المستقبلية.

اتّسمت سورية -تاريخيًا- بغناها وتنوعها الديني والإثني، وهو ما ساعد كثيرًا في تطورها وانفتاحها على الشرق والغرب، كما توفّرت الجغرافيا السورية على بنية مجتمعية اقتصادية متكاملة، وحقق هذا التنوع الاجتماعي والاثني والاقتصادي فرصة لها للنمو والازدهار، ولم يظهر السوريون منذ الاستقلال أي تمايز أو فروق مذهبية أو دينية أو إثنية، لكن الحالة بدأت تختلف مع استلام الأسد الأب السلطة عام 1973، حيث قام على الفور بتغيير قيادات الجيش، وطرد السّنة منهم، ووضع بدلًا منهم عسكريين من طائفته العلوية، كما ميّز أبناء هذه الطائفة في الوظائف الحكومية والأمنية ومنحهم أولوية.

جرت في سورية بعد الثورة عملية تغيير ديموغرافي غاية في الخطورة، تغيير قام به النظام وحلفاؤه، أساسه الدين والمذهب، وآخر قام به الأكراد أساسه العرق والقومية، لكن الجميع لم يُدرك أنه يُحاول رسم دول تحمل أسباب دمارها وزوالها.

Author

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق