سلايدرقضايا المجتمع

السوريون يصنعون للمطبخ السوري اسمًا

صنع السوري -عبر التاريخ- البروكار والدامسكو وأفضل أنواع النسيج الحريري، فكان النسّاج الأول، وصنع السيف الدمشقي الشهير، فكان المحارب الأول، وكان أول من زرع القمح في العالم، وتأثر بكافة أنواع المطابخ في العالم، عبر أربعين حضارة عاشت على وطنه، وأثّر فيها، وبعد الثورة السورية عام 2011، تحوّل نصف الشعب السوري بين لاجئ ونازح، داخل سورية وخارجها، فتنقل المطبخ السوري معه، على تنوعه، إلى مختلف أرجاء المعمورة، فهو الذواق الأول والمستثمر الأول للأرض، ولأنه الفلاح الأول، والمزارع لأطايب الخضراوات والفواكه، فهو الأكثر خبرة في ما يصنع.

نال المطبخ السوري شهرة عظيمة، من طوكيو إلى لوس أنجلوس، مرورًا بتركيا وجميع الدول الأوروبية، فحيثما حلّ اللاجئ السوري، انتقل معه مطبخه وعاداته وتقاليده، مندمجًا بمختلف الحضارات ليفرض لغته الجميلة، لغة الغذاء وهرمونات السعادة التي نثرها في دول الخليج العربي، خلال العقود الثلاثة الماضية، ثم بعد الثورة تمكن من نثرها في بقية الدول العربية، من القاهرة إلى الخرطوم إلى الجزائر وليبيا وتونس والصومال والمغرب.

فعرف العالم الشاورما السورية، والفلافل على الطريقة الشامية، والكنافة النابلسية على الطريقة الدمشقية، والشاكرية، والأبوات والنخاعات والكباب الديري والحلاوة بجبنة الحموية، واللحم بعجين الحلبي، والكبة الشامية والحلبية، والمليحي الحوراني، وثريد البامية الديرية، وفتة المقدوس، والمتبل، والجظ مظ، والشعيبيات الإدلبية، وشيخ المحشي، واليبرق، واليخنة، والسلق، والبرك، والأوزي، والبيتزا على الطريقة السورية؛ فنافسوا سلاسل المطاعم الغذائية للوجبات السريعة في العالم، كما نافسوا المطاعم التقليدية للبلد المضيف، ففي إسطنبول وحدها المليئة بروائح الطعام المتنوعة، نثرت مئات المطاعم السورية روائحها الزكية، لتضيف رائحة جديدة ومختلفة، فضلًا عن الحلويات الشامية الشهيرة، وفي برلين ومختلف المدن الألمانية، أخذ المطبخ السوري طابعه المميز.

دمج المطبخ السوري بالمطابخ العالمية

في باريس وستراسبورغ، وضع الطباخ السوري بصمته، وزاوج بين كنوز المطبخ السوري والفرنسي، كالشيف السوري محمد الخالدي، الذي حصد العديد من الجوائز العالمية، وصنع نمطًا، دمج فيه المنتجات الغذائية الفرنسية بالسورية، والشيف ناظم جمال الدمشقي، المقيم في طوكيو الذي أقام لعدة أسابيع مطعمًا سوريًا مؤقتًا، ويحاول اليابانيون دعمه لإقامة مطعم سوري دائم له في طوكيو، فقد تذوق أكثر من 600 ياباني ألذ المأكولات السورية، من الكبة والمحاشي وصولًا إلى الحلويات، في كل أسبوع يقيمه المطعم المؤقت، وفي شيكاغو جذب شيف سوري مئات الأميركيين.

دورات للطبخ السوري ونيل الجنسيات الأوروبية

شرعت سيدة سورية بإقامة دورات للنساء الألمانيات لتعلّم الطبخ السوري المذهل، ولاقت الفكرة إقبالًا شديدًا، وفي نيويورك، قدّم سوريون، عبر عرباتهم المتنقلة في بروكلن وغيرها من تلك المدينة العملاقة، وجباتهم السريعة من الفتة والحمص والمسبّحة والفلافل. وأصبحت شابة سورية طباخةَ الملكة الهولندية، وأقامت مشروعها بتأسيس مطعم سوري في أمستردام. وفي بروكسل أشادت صحيفة بلجيكية بمطعم سوري ناجح، وعنونت (أصبح للمطبخ السوري اسمًا). ونال عدد من الطباخين السوريين الجنسية السويدية والدنماركية والفرنسية والنرويجية، لمساهمتهم في إغناء ثقافات تلك المجتمعات، فمثلوا حضارتهم ومفهومهم، وأسعدوا الناس بمأكولاتهم الشهية، ونظافة مطاعمهم وأداء عمّالهم، كما قام عدد من النساء السوريات بتأسيس مطبخهن النسائي السوري في إسطنبول، لتلبية طلبات الزبائن طوال اليوم.

أفران الخبز السوري

أقام السوريون، إضافة إلى تعريف الشعوب بأطباقهم، عددًا من أفران الخبز، ففي إسطنبول وحدها تغطي خمسة أفران كامل حاجات السوريين من الخبز السوري، وأصبح الكثير من الأتراك يفضلون تناول الخبز السوري، وكذلك المقيمون الأجانب من سياح وباكستانيين وأفغان وعرب. وهناك أفران في باريس توزع الخبز السوري لمختلف أنحاء بلاد الغال.

شركات غذائية ومطاعم ومقاهٍ ثقافية

قام اللاجئون السوريون أيضًا، بتصنيع منتجاتهم الغذائية، على تنوعها الكبير، في مختلف عواصم الأرض وتصديرها، فصنعوا الفريكة والكشكة والبهارات على طريقتهم، حتى الكونسروة واللبنة والمكدوس، ومن المفارقات أنه تمّ إيقاف سوري في مطار سيول في كوريا الجنوبية، بسبب حمله لقطرميز مكدوس، حيث كانت كوريا الجنوبية تجهل هذا المنتج الشهي. وفي ماليزيا، نجح السوريون في إقامة مطاعم ناجحة في كوالالامبور، بل تحولت المطاعم والمقاهي السورية التي تقدم وجبات سريعة وكاملة، إلى مراكز جذب ثقافي مهمة، فيمكنك الاستماع لأغاني لينا شاماميان وصباح فخري وأصالة نصري وذياب مشهور وغيرهم من المطربين السوريين، كما يمكنك الاستماع لأغاني الثورة السورية، وهناك فرق حية موسيقية سورية تقيم الحفلات وتحيي الليالي في تلك المطاعم، ومن المفارقات أيضًا افتتاح سوري لمتجر غذائي في برلين، باسم “يلعن روحك يا حافظ” متبنيًا شعارات الثورة السورية.

وهناك من السوريين من أقاموا معامل حلويات، في موسكو وبكين وسيول ولندن، وأسسوا شركات غذائية هائلة في تركيا وألمانيا، حتى طريقة تعبئة الشاي والمتة والقهوة الشامية، انتقلت إلى الدول التي حلّ فيها السوريون، والمعروف أن دمشق شهدت أول مقهى بالتاريخ.

غيّر السوريون بتغريبتهم الكثير من عادات المجتمعات التي حلوا ضيوفًا عليها، فكانوا استثنائيين، وكانوا إضافة نوعية ناجحة إلى أي مكان أقاموا فيه، وأسعدوا الناس بحضورهم النوعي والمتألق.

السؤال الأخير: هل ستضيف منظمة (يونيسكو) المطبخ السوري وفن الأطعمة السورية، ضمن قائمة التراث العالمي؟ وقد أضافت قبل ذلك المطبخ الفرنسي. حيث غيرت ثقافة الطعام السورية العديد من عادات ومفاهيم تناول الطعام في المجتمعات العربية، وحققت الانتشار في أوروبا والعالم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق