تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

اللجنة الدستورية وضرورة التفكير ببدائل

في كل مرّة يُصرّح فيها وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، حول موضوع اللجنة الدستورية السورية، يقول إن العمل على تشكيلها قد شارف على الانتهاء، وإنها ستكون مدخلًا للحل في سورية، على الرغم من أن الفكرة والمحتوى -وفق الطريقة الروسية- لا يحملان بشكل أولي أسس الحل، وفق ما يريد السوريون المناوئون للنظام وكذلك المجتمع الدولي.

أما المبعوث الأممي فقد طلب من المعارضة السورية أن تكون أكثر “مرونة” في موضوع تشكيل اللجنة الدستورية، بينما يريد النظام أن يحصر دور هذه اللجنة -إن وافق على تشكيلها بالأساس- بمناقشة الدستور الحالي لا وضع دستور جديد لسورية، وأن تكون بقيادة النظام.

اللجنة الدستورية السورية هي فكرة أطلقتها الأمم المتحدة من أجل البدء بعملية سلام شاملة في سورية، وعمل المبعوث الأممي السابق ستيفان دي ميستورا على رسم خطوط تشكيلها العريضة، فاقترح أن تضم في عضويتها ممثلين عن النظام والمعارضة، وممثلين عن جماعات المجتمع المدني والمنظمات الأهلية، وتقسم إلى ثلاثة أثلاث: الأول يمثّل النظام، والثاني المعارضة، في حين يتكوّن الثلث الثالث من شخصيات يختارها المبعوث الأممي كممثل للأمم المتحدة.

تواجه هذه اللجنة الدستورية -منذ أن تم إطلاق فكرتها- عدة معوقات، أهمّها تأكيد المعارضة السورية على ضرورة الالتزام بتحقيق الحل السياسي بمرجعية بيان جنيف 1 لعام 2012 والقرارات الدولية ذات الصلة بالمسألة السورية، وخاصة القرار 2254 لعام 2015 الذي حدد جدول أعمال للعملية السياسية التفاوضية في سورية والخطوات التي تؤمن توفير إجراءات بناء الثقة المتبادلة، بداية من ضرورة الإفراج عن المعتقلين والمخطوفين وبيان مصير المفقودين والعودة الآمنة والطوعية للمهجرين والنازحين إلى مناطق سكناهم الأساسية، وهذا الأمر يرفضه النظام السوري صراحة وروسيا مواربة.

كذلك هناك عقبة أساسية بنيوية أخرى، وهي إصرار النظام السوري على أن تكون تركيبة اللجنة بأغلبية الثلثين لصالح لنظام، كي يضمن أن تكون نتائجها مناسبة لما يريد، ويدور الروس في نفس الفلك، ويتلاعبون بالمعارضة السورية ويُطلقون الوعود الخلّبية من أجل إقناعهم بالقبول بهذه النسب، وهذه النسب بالأساس تتعارض مع ما اقترحه المبعوث الأممي دي ميستورا، ومن هنا بدأت المشكلة بالتفاقم، وبدأت العقبات والمشكلات تكثر.

المشكلة البنيوية الأخرى، هي أن روسيا تريد تشكيل اللجنة الدستورية، وفق مرجعيات اجتماعات أستانا ومؤتمر سوتشي، وهي بالأساس مرجعيات مشكوك بحياديتها وجدواها، وهي تحاول أن تسحب البساط من مرجعيات جنيف وغيره، ولهذا السبب، من المستبعد أن يتم الاتفاق على اللجنة الدستورية، ما لم تتنازل المعارضة السورية كثيرًا، أو أن تُمارس عليها ضغوط تُجبرها على القبول بالمتاح.

وفق الناطق باسم هيئة التفاوض السورية المعارضة، فإن النظام السوري، برضى روسي، وضع (فيتو) على خبراء الدستور في المعارضة السورية، وداخل الثلث المستقل الذي ستحدده الأمم المتحدة، كي يتفادى وجود من يمكن أن يؤرقه من أصحاب الخبرات، وسبق أن رفضت الهيئة العليا للمفاوضات، قائمة وضعتها روسيا، لأنها لم تكن “متوازنة وشاملة” وفق رأيها، وبقي ملف اللجنة الدستورية في حالة جمود، ومن غير المعروف ما الذي تغيّر إن وافقت المعارضة على اللوائح الجديدة.

العملية السياسية التفاوضية بين المعارضة والنظام السوري، وفق الأمم المتحدة وقراراتها، تتألف من أربعة (سلال): “هيئة الحكم الانتقالي، العملية الدستورية، العملية الانتخابية، الأمن ومكافحة الإرهاب”، والعملية الدستورية هي جزء من هذه العملية الشاملة، وليست بندًا تمهيديًا منفردًا، وليست منفصلة عن السلال ككل، وبالتالي فإن الحل السياسي وفق المفهوم الأممي هو مسارات متوازية، وهو حقيقة تحاول روسيا أن تقفز عنها.

قالها وزير خارجية النظام السوري وليد المعلم عام 2011 “ﺳﻮﻑ نغرقهم ﺑﺎﻟﺘﻔﺎﺻﻴﻞ، ﻭﻋﻠﻴﻬﻢ ﺃﻥ ﻳﺘﻌﻠﻤﻮﺍ ﺍﻟﺴﺒﺎﺣﺔ”، ويبدو أن هذه المقولة هي استراتيجية عميقة وراسخة عند النظام السوري، فقد نجح في إغراق الدول ذات الصلة بالملف السوري بدوامة تفاصيل وحيثيات ومشاكل هامشية أنستهم أساس المشكلة وجوهرها، وحرف القضية السورية إلى مسارات لا علاقة لها بالأصل والعمق بمحاسبة النظام السوري على جرائم الحرب والإبادة التي ارتكبها خلال ثماني سنوات، سواء على الصعيد العسكري أو الاستراتيجي أو السياسي أو الاقتصادي.

بقيت حتى اللحظة آليات اختيار اللجنة الدستورية غير معروفة، وكذلك مرجعياتها وطريقة التصويت داخلها، وليس لديها جدول أعمال زمني واضح، وغير معروف من هو المراقب لعملها، ومن سيفرض قبول نتائج عملها، ومع هذا، ورغم ميوعة الملف، فإن النظام السوري يُكرر أن الأمر هو شأن سوري – سوري ولا يحق لأحد التدخل به، ما يعني أنه يلمح إلى أنه لا يقبل بالمبدأ من أساسه، ولن يقبله مهما كان رماديًا.

وفق المنطق القانوني والإنساني، من الخطأ اعتبار النظام السوري طرفًا بلجنة دستورية، بعد أن اتهمته منظمات وهيئات ودول بأنه ارتكب جرائم حرب في سورية، وجرائم ضد الإنسانية أيضًا، وفي هذا الإشراك حرمان للشعب لسوري من حقوقه في الحرية والعدالة والكرامة والمواطنة، وكان من الأجدى على الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، والدول ذات العلاقة بالقضية السورية أن تضغط لتنفيذ جنيف 1 وقرارات الأمم المتحدة، التي تضمن هيئة حكم انتقالي، وتحييد النظام الحالي برموزه، وبعدها يأتي دور الخطوات العملية للمرحلة الانتقالية، بما فيها اللجنة الدستورية وغيرها.

لكن الإصرار الروسي على دعم نظام الأسد حرصًا على المصالح الروسية في سورية والمنطقة، والدعم اللامتناهي عسكريًا وسياسيًا، واستخدام الفيتو دائمًا في مجلس الأمن ضد أي قرار يدين أو يجرم الأسد ونظامه قزّم المطالب السورية والرؤية الدولية -والتي تقاعست أساسًا عن دعم المعارضة كما يجب- لإمكانية الوصول إلى حل سياسي يُنهي الصراع بغير ما هو عليه الحال الآن، والقبول على مضض بأن تكون اللجنة الدستورية بداية لخطوات حل سياسي بتغير بعض مواد الدستور وتحديد الصلاحيات للرئيس، ثم بإصلاحات تكون بداية لتغير شامل.

لكن هذه المطلب القزم أيضًا لن يتمكن السوريون والمجتمع الدولي من الوصول إليه بسهولة على ما يبدو، وقد تطول السنون ولا ترى اللجنة الدستورية النور، وإن تشكلت فقد تحتاج إلى سنين أخرى كي تخرج باتفاق على نتائج ودستور جديد، ومن هنا أصبح من المنطق البدء بالتفكير ببدائل مجدية يدعمها المجتمع الدولي، وحلول قد تكون أكثر منطقية من الوجهة النظرية على الأقل.

Author

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق