سلايدرقضايا المجتمع

قضية المعتقلين والمختفين قسرًا في سورية

يعدّ الاعتقال والإخفاء القسري في سورية ظاهرة قديمة، تعود إلى حقبة الأسد الأب الذي بدأ عمليات اعتقال واسعة في صفوف ضباط الجيش من رفاقه، عقب الانقلاب الذي أطلق عليه اسم “الحركة التصحيحية”، وبلغت عمليات الاعتقال والإخفاء القسري ذروتها في حملته على مدينة حماة، في ثمانينيات القرن الماضي، حيث تم إخفاء نحو 17 ألف مواطن سوري قسرًا، تم اعتقالهم، ولم يُعرف مصيرهم حتى الآن.

بعد اندلاع الثورة السورية، في آذار/ مارس 2011، كان لعمليات الاعتقال والإخفاء القسري شكل أكبر وأقسى، وأكثر منهجية، إذ استُخدمت كأسلوب متعمد من أجهزة النظام الأمنية لإيقاف الاحتجاجات والحد منها، ما أدى إلى إخفاء الآلاف من السوريين بشكل قسري، حيث يتم احتجاز معظمهم من قبل أجهزة النظام الأمنية، وبعضهم من قبل الجماعات المسلحة الأخرى على تنوعها، في العديد من السجون السرية، وسط ظروف بالغة القسوة، يتعرضون فيها لمختلف صنوف التعذيب والتنكيل.

الاعتقال والاعتقال التعسفي

اتخذ الاعتقال أسلوبًا منهجيًا بعد الثورة السورية، خاصة في ما يتعلق بأسباب الاعتقال، وأعداد المعتقلين، إضافة إلى اتساع عمليات الاعتقال، ليتم تنفيذها من قبل فصائل المعارضة، والفصائل الكردية، والتنظيمات المتشددة، إضافة إلى النظام، ليكون المواطن السوري ضحية للجميع.

الاعتقال التعسفي: هو اعتقال يخالف أحكام حقوق الإنسان التي تنص عليها الوثائق الكبرى المكتوبة لحقوق الإنسان، وله ثلاثة أنماط:

النمط الأول: عندما لا يوجد أساس قانوني للحرمان من الحرية، كأن يبقى شخصٌ ما قيد الاحتجاز، بعد انتهاء مدة عقوبته في السجن.

النمط الثاني: عندما يتم حرمان شخص من حريته، بسبب ممارسته لحقوقه وحرياته التي يضمنها له الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

النمط الثالث: ويكون بحرمان شخص من حريته، نتيجة محاكمة تتعارض مع المعايير المقررة للمحاكمة العادلة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، أو في أي أدوات دولية معينة أخرى.

في سورية، يمكن إطلاق مصطلح الاعتقال التعسفي على احتجاز أصحاب الرأي والسياسيين، أو إيداع شخص ما السجن من دون وجه حق، حيث (لا جريمة دون نص قانوني)، وفق المادة التاسعة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (ولا يجوز القبض على إنسان أو حجزه أو نفيه تعسفًا).

والتعسف هو المبالغة في استعمال الحق الذي تمنحه السلطة لأحد القائمين على التنفيذ، أي السلطة التي تمنحها السلطة التشريعية للتنفيذية، فتستغلها الأخيرة بطريقة مبالغ فيها، تصل إلى حد الإجحاف غير المبرر.

خلال السنوات الماضية، نفذت قوات النظام السوري وأجهزته الأمنية آلاف عمليات الاعتقال التعسفي، خلال العمليات العسكرية الميدانية، أو بعدها مباشرة، وشملت عمليات الاحتجاز الأطفال والنساء والمسنين أيضًا، كما قامت باحتجاز أفراد أسر المشتبه بانتمائهم إلى المعارضة المسلحة، بمن فيهم أفراد أسر الموتى من المقاتلين والمعارضين، بغرض الحصول على معلومات منهم أو عقابًا لهم. ويتم احتجاز المعتقلين في سورية بلا سند قانوني، ومن دون أن تكون هناك أسباب يجيزها القانون تبرر احتجازهم.

وبحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان، بلغت حصيلة حالات الاعتقال التعسفي عام 2018 نحو 7706 حالة، بينهم 504 أطفال، و699 سيدة (أنثى بالغة)، كان النظام السوري مسؤولًا عن اعتقال قرابة 5607 أشخاص منهم، بينهم 355 طفلًا، و596 سيدة، في حين اعتقلت التنظيمات المتشددة نحو 755 شخصًا، منهم 338 على يد تنظيم (داعش)، بينهم 28 طفلًا، و13 سيدة، و417 شخصًا على يد (هيئة تحرير الشام)، بينهم 15 طفلًا و3 سيدات.

أما حصيلة حالات الاعتقال في سجون بعض فصائل المعارضة المسلحة، فقد بلغت نحو 379 شخصًا، بينهم 23 طفلًا، و13 سيدة، فيما اعتقلت قوات “الإدارة الذاتية” الكردية 965 شخصًا، بينهم 83 طفلًا، و74 سيدة.

من جهة ثانية، تتنافى المحاكمات التي يقيمها النظام السوري، وبقية الأطراف المتصارعة، مع أبسط المعايير المتبعة في المحاكات وفق القوانين والمواثيق الدولية، فهي عبارة عن محاكمات صورية، ينتهي معظمها بأحكام الإعدام والسجن المؤبد، من دون وجود جريمة في الأصل، كما يجري في المحكمة الميدانية العسكرية، ومحكمة الإرهاب.

يقول محمد المصري، وهو معتقل سابق في سجن صيدنايا العسكري: “عندما أخذَنا عناصر الشرطة العسكرية في دمشق إلى المحكمة الميدانية، تم إدخالنا بشكل منفرد إلى القاضي محمد كنجو حسن، وبدأ بتلاوة التهم الموجهة لي، وكنت أنكرها، وصار القاضي يكلمني كخصم وليس كقاض، كان تعامله من منطلق سياسي لا قانوني، ثم أمر بإخراجي وإحالتي إلى سجن صيدنايا العسكري، وفي أثناء إخراجي تعرضتُ للضرب من عناصر الشرطة العسكرية أمامه، من دون أن يتدخل. كل المعتقلين الذين كانوا معي تمت معاملتهم بنفس الطريقة”.

وللمحاكمة العادلة، شروط حددتها المواثيق الدولية، من الضروري تطبيقها حتى في القوانين الوطنية وهي:

ضمانات إلقاء القبض (الاعتقال).

ضمانات الاستماع والتحقيق.

ضمانات الحجز والتفتيش.

مدة الحراسة النظرية والتدابير الاحترازية.

أن تكون المحكمة مختصة، ومستقلة ومحايدة، وألا تكون استثنائية.

علنية المحاكمات وشفوية المرافعات.

الأصل هو البراءة (المتهم بريء حتى تثبت إدانته).

وجود آجال محددة للبتّ في القضايا.

أن يكون هناك محامون للدفاع عن المتهمين، كأبسط حق للمعتقل.

وجود أكثر من درجة للتقاضي، بحيث لا يصدر القرار عن محكمة واحدة بشكل مبرم.

وفي نفس السياق، تقول سماح محمد: “في أثناء وجودي في سجن عدرا، تم عرضي على محكمة الإرهاب، وحضرت نحو 24 جلسة لم يسمعني القاضي فيها، وكنتُ أول معتقلة تُحاكم بتهمة الإرهاب، وفي الجلسة الأخيرة أصدر القاضي ميمون عز الدين حكمه بحقي، بالسجن مدة 23 سنة، بتاريخ 5 آذار/ مارس 2014، تم تخفيضه فيما بعد إلى 18 سنة، بموجب عفو رئاسي”.

الإخفاء القسري

يُعرّف الإخفاء القسري، بحسب المادة الثانية من الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الإخفاء القسري لعام 2006، بأنه “الاعتقال أو الاحتجاز أو الاختطاف، أو أي شكل من أشكال الحرمان من الحرية، يتم على أيدي موظفي الدولة، أو أشخاص، أو مجموعات من الأفراد يتصرفون بإذن أو دعم الدولة، أو بموافقتها، ويعقبه رفض الاعتراف بحرمان الشخص من حريته، أو إخفاء مصير الشخص المختفي، أو مكان وجوده مما يحرمه من حماية القانون”.

ونصت المادة الأولى من تلك الاتفاقية على أنه:

1: لا يجوز تعريض أي شخص للإخفاء القسري.

2: لا يجوز التذرع بأي ظرف استثنائي كان، سواء تعلق الأمر بحالة حرب أو التهديد باندلاع حرب، أو بانعدام الاستقرار السياسي الداخلي، أو بأي حالة استثناء أخرى لتبرير الإخفاء القسري.

وقد اعتبرت هذه الاتفاقية أن الإخفاء القسري جريمة ضد الإنسانية، بحسب المادة السابعة من اتفاقية روما الناظمة لعمل محكمة الجنايات الدولية.

وبحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فإن ما لا يقل عن 95056 شخصًا ما يزالون قيد الإخفاء القسري في سورية، على يد أطراف الصراع منذ العام 2011، حتى شهر آب/ أغسطس 2018، بينهم 9906 أنثى بأعمار مختلفة، و4469 طفلًا.

وفي هذا السياق، تقول أمل العواد: “خرج زوجي أحمد، وهو من ريف درعا الشرقي، إلى عمله في مؤسسة المطاحن في شباط/ فبراير 2012، وأثناء نقله مادة الطحين لأحد المخابز، تمّ اعتقاله على حاجز تابع للنظام في مدينة درعا، وما يزال مصيره مجهولًا حتى الآن، على الرغم من سؤالنا المتكرر عنه لدى الفروع الأمنية، وأيضًا لم نُبلغ بوفاته من أي جهة”.

إن قضية الاعتقال في سورية، بعد ثورة آذار/ مارس 2011، لم تكن يومًا مبنية على أسس قانونية، تستند إلى جرائم يُعاقب عليها في القانون السوري، فأعداد المعتقلين وخلفياتهم تثبت أنهم من الأشخاص المدنيين في معظمهم، ممن خرجوا مطالبين بالتغيير الديمقراطي السلمي، ما اعتبرته سلطات النظام السوري جريمة سياسية، تهدف إلى تدمير الدولة بدعم خارجي، وهذا ما يجعل من قضية الاعتقال والإخفاء القسري أمرًا شائكًا، لم تتمكن أي جهة دولية من إيجاد حل له حتى الآن.

وهناك العديد من الآثار التي تركها الاعتقال، والإخفاء القسري على المجتمع السوري، منها ما يتعلق بالمعتقلين أنفسهم، ومنها ما يتعلق بعائلاتهم.

ففي حالة أمل العواد، التي ما يزال زوجها مختفيًا منذ العام 2012، أدى إخفاء زوجها إلى تشردها مع أطفالها، لينتهي بهم المطاف في مخيم الزعتري للاجئين السوريين في الأردن، من دون وجود أي معيل لهم.

أما ميسون اللباد، المعتقلة السابقة في سجون النظام السوري، فقد سبّب لها الاعتقال آثارًا اجتماعية، وصحية، فإضافة إلى التعذيب الذي تعرضت له خلال اعتقالها، الذي يسبب لها آلامًا في قدميها حتى الآن، فبعد خروجها من المعتقل قام زوجها بتطليقها، بحجة أن الاعتقال أمرٌ معيب، وذلك ما سبب لها نكسة اجتماعية.

أيضًا، للأطفال نصيبهم من الاعتقال والإخفاء القسري، كما في حالة الدكتورة رانيا العباسي وزوجها وأطفالهما الستة، والذين اعتقلوا من قبل أجهزة النظام الأمنية، وكانت آخر مشاهدة لهم، في نيسان/ أبريل 2013.

الاستغلال الإعلامي لقضية الاعتقال

في 4 تشرين الأول/ أكتوبر 2011، قام النظام السوري، على تلفزيون (الدنيا)، بعرض لقاء مع المعتقلة زينب الحصني، من (باب السباع) في حمص، بعد أن سلّم جثة مشوهة لأهلها أبلغهم أنها زينب، ومن هنا فقد استغل النظام تلك المعتقلة لتكذيب روايات المعارضة حول عمليات الاعتقال، كما استغل زينب نفسها إعلاميًا، بعد أن قام أحد ضباط النظام، ويدعى العميد أحمد ديب، بتلقينها ما ستقوله في اللقاء الذي تم تصويره في مكتب اللواء علي مملوك.

كما استغلت بعض فصائل المعارضة قضية المعتقلين إعلاميًا، ولكن بشكل سلبي، كما تروي سمية الأحمد، المعتقلة السابقة لدى المخابرات الجوية في درعا، فبعد إطلاق سراحها، ادعى أحد قادة الفصائل، على إحدى القنوات الفضائية، أنه تمت مبادلتها بأسرى من قوات النظام، في حين أن من تمت مبادلته بأسرى النظام هو شقيق قائد الفصيل.

وعلى مدى السنوات الماضية، لم يكن التعاطي الإعلامي الدولي أو المحلي المرتبط بالمعارضة على قدر الأهمية المتعلقة بقضية الاعتقال، والتي تعتبر من أهم القضايا، فما يزال الإعلام يقتصر على ذكر أحداث منفردة، أو ملفات مجتزأة من القضية ككل، كان أبرزها ملف صور التعذيب المسربة (صور سيزر)، ولكن لك تكن التغطية الإعلامية سوى تغطية آنية.

في ظل الصمت الرسمي الدولي والأممي، عن قضية المعتقلين والمختفين قسريًا في سورية، كان لا بد من إيجاد بدائل للتذكير على الأقل بمأساة المعتقلين السوريين وما يواجهونه في سجون النظام السوري، وأماكن الاحتجاز التابعة لفروعه الأمنية، وقد أدت بعض أعمال معتقلين سابقين إلى صدور تقارير مهمة حول الانتهاكات في السجون السورية.

رابطة (معتقلي سجن صيدنايا)، تشكلت من عدد كبير من معتقلي سجن صيدنايا العسكري في العام 2017، وتقوم بجمع كل المعلومات عن سجن صيدنايا، وتشاركها مع الهيئات المنبثقة عن الأمم المتحدة، كلجنة التحقيق الدولية التابعة لمجلس الأمن الدولي، والآلية الدولية لمحايدة والمستقلة للتحقيق في جرائم الحرب في سورية، إضافة إلى تقديم معلومات أسهمت في إعداد تقارير مهمة مع منظمة العفو الدولية، وصحف عالمية مثل الواشنطن بوست.

تجارب أخرى اعتمدت على مواقع الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، تحاول الحشد لقضية المعتقلين، كما تقول المعتقلة السابقة ياسمين بنشي، عن إطلاق الحملة الدولية لإنقاذ المعتقلين في سورية، في كانون الثاني/ يناير 2016، بمساعدة مجموعة من القانونيين والمعتقلين السوريين، وقد اقتصرت في البداية على الحديث عن مأساة المعتقلين في سورية، على صفحات (فيسبوك)، لتتطور لاحقًا لعمل العديد من الندوات بشكل خاص في تركيا، وحاليًا نجحت الحملة بتعريف العشرات من أهالي المعتقلين بأماكن احتجاز أبنائهم من خلال التواصل مع معتقلين خرجوا من سجون النظام، ونشر معلومات عن معتقلين التقوا بهم، وإيصالها إلى ذوي المعتقلين.

خذلان المجتمع الدولي، والمعارضة السورية أيضًا، للمعتقلين في سجون النظام، كما تضيف ياسمين، هو السبب الرئيس لاعتماد مثل هذه الحملات، فلا يمكن ترك قضية المعتقلين وما يتعرضون له من انتهاكات، من دون أن يتم تذكير العالم بها بشتى الوسائل.

ومن جهة ثانية، حصلت نجاحات لافتة في قضية الاعتقال، من خلال الدعاوى القضائية التي بدأ نشطاء وحقوقيون ومعتقلون سوريون في الدول الأوروبية، مستغلين ما يعرف بالصلاحية العالمية لقضاء بعض هذه الدول في ملاحقة مجرمي الحرب، وتم إصدار العديد من مذكرات الاعتقال لعدد من أركان النظام السوري وضباطه، ممن ثبت تورطهم في جرائم اعتقال تعسفي وتعذيب معتقلين، وعلى رأسهم اللواء جميل الحسن مدير إدارة المخابرات الجوية، والعديد من ضباط الأمن السوريين.

لا يمكن بعد هذه السنوات أن تتضح حجم مأساة المعتقلين في سورية، حيث لا أرقام دقيقة لإجمالي عدد المعتقلين، ولا يوجد أعداد دقيقة لمن قضى منهم في السجون ومراكز الاحتجاز، خاصة مع التقارير عن وجود محارق لجثث المعتقلين المتوفين، كما في سجن صيدنايا، إضافة إلى المقابر الجماعية التي لا يمكن معرفة أعداد جثث المعتقلين فيها، ما لم يتم الكشف عنها من قبل جهة مستقلة ومحايدة.

_____

(*) من المواضيع المشاركة في مسابقة (حسين العودات للصحافة العربية – 2019).

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق