سلايدرقضايا المجتمع

بيروقراطية الموت في المعتقلات السورية

عندما كتب ألبير كامو رواية (الطاعون) في إسقاط مباشر على الحرب العالمية الثانية، وصف حدث انتشار الطاعون بمدينة وهران عام 1940، لكن الرواية فعليًا هي إسقاط على الهولوكوست النازي والغيتوهات التي فرضها جيش هتلر خلال الحرب، والأمر ذاته تعيشه سورية، منذ حكم آل الأسد قبل حوالي خمسين عامًا، حيث عاش السوريون فيها مرحلتين من هذا الطاعون: طاعون الأسد الأب، وطاعون الأسد الابن.

بعد انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1989 ونهاية الحرب الباردة، وغزو العراق للكويت، وانضمام سورية لقوات التحالف في حرب الخليج عام 1991، وانطلاق عملية السلام؛ ضغطت الدول الغربية على النظام السوري لإطلاق سراح المعتقلين السوريين، كشرط أساسي لانفتاح الغرب على النظام الانعزالي، ومحاولة عكس سلوك نظام قمعي اشتهر بمجازره في حماة وسجن تدمر ذي السمعة السيئة، الذي ارتكب فيه رفعت الأسد (شقيق حافظ الأسد) سبع مجازر، فضلًا عن بقية سجونه التابعة لفروع النظام الأمنية، والتي تشكلت بعد منتصف سبعينيات القرن الماضي.

تحول الاعتقال إلى نوع من بيروقراطية التعذيب والموت، فكان معدل اعتقال السياسي السوري المناهض للأسد الأب يراوح بين ست سنين وعشرين سنة، وربّما يبقى المعتقل مختفيًا قسرًا ويظل مصيره طي الكتمان، أو مفقودًا ومختطفًا في غياهب زنازينه.

اعتقل الأسد الأب عشرات الألوف من السوريين واللبنانيين والفلسطينيين، خلال الثمانينيات، وكما ذكر إبراهيم الجبين في روايته (عين الشرق)، فقد أسس تلك السجون والمعتقلات وأساليب التعذيب ضابط نازي، كان مسؤولًا عن الكثير من المقابر الجماعية في ألمانيا خلال الحرب العالمية.

هذا النظام السليل الشرعي للنازية، حوّل سورية كلها -وليس المعتقلات فحسب- إلى مسلخ بشري، كما وصفته منظمة العفو الدولية في تقريرها الذي نشرته في شباط/ فبراير 2018، وحمّلته مسؤولية إعدام 13 ألف سوري معتقل في سجن صيدنايا العسكري.

وهو ذاته النظام الذي فضحته صور قيصر التي شملت حوالي 11 ألف ضحية من ضحايا التعذيب والإعدام الميداني الذي مارسه النظام خلال الثورة السورية منذ عام 2011.

بيروقراطية التعذيب وتحديث السجلات في عهد الأسد الابن

منذ شهر آب/ أغسطس 2018، كشف النظام عن مصير مئات المعتقلين لديه منذ بدايات الثورة السورية، معلنًا موتهم الرسمي، وعلى الرغم من أن أقارب الضحايا لم يتلقوا تفسيرات حقيقية حول أسباب وفاتهم –بالطبع تحت التعذيب- كما لم يتمكنوا من الحصول على رفاتهم، بعد سنوات من عدم تمكنهم في الحصول على معلومات عن مصيرهم، بعد اعتقال الأجهزة الأمنية لأبنائهم وأقاربهم، فإن اليقين الوحيد الذي اقتنعوا به أن الغائب هو ميت بالفعل، ولكن كان ينقص هذا اليقين الاعتراف الرسمي بوفاتهم من قبل سلطات القمع السورية، والتي تعهدت بتحديث السجلات المدنية بضغط محتمل من روسيا. إذ باتت روسيا لاعبًا رئيسًا في اللعبة السورية، وكما يبدو مارست ضغوط على نظام الأسد المحمي من قبلها، بعد طلبها إعادة إعمار سورية من المجتمع الدولي وإعادة اللاجئين السوريين.

مصير المعتقلين كنوع من التطبيع الأسدي مع مجتمع يلفظه

تساءل الكثير حول ماهية قرار السلطات القمعية السورية الكشف عن مصير المعتقلين بعد سنوات من الإنكار؟

يجيب الدكتور زياد ماجد الأستاذ بالجامعة الأميركية في باريس، عبر الإسبريس الفرنسية: “مع شعور النظام بأنه سيفلت من العقاب، وقناعته بأنه ما زال سيد اللعبة في سورية، بفضل موسكو، فلا حاجة إلى التفاوض مع الصليب الأحمر للكشف عن مصير المفقودين في معتقلاته، فالهدف إطلاق من بقي حيًا منهم، وإعلان مصير بقية الأسرى السوريين في سجونه، وقلب الصفحة، لكن هذا لا يحميه من ناحية العدالة بل على العكس من ذلك يدينه، فهو يدرك الآن أنه كشف مصير الآلاف من ضحاياه من دون تسليم جثثهم”.

كما ظهرت مؤشرات على عزم النظام على “تنظيف” صفوفه، ففي كانون الثاني/ يناير 2019، تم الإعلان عن وفاة مدير سجن صيدنايا، واختفاء ضابط في الأمن السياسي بحلب يدعى سومر زيدان، فضلًا عن مذكرة توقيف دولية أصدرتها ألمانيا، تطالب فيها السلطات اللبنانية بتسليم المجرم جميل الحسن خلال علاجه الطبي في بيروت، وهو رئيس جهاز المخابرات الجوية، والمسؤول عن تعذيب واغتصاب وتصفية مئات المعتقلين السوريين، والتي تعد جرائم حرب ضد الإنسانية، وبخاصة بين عامي 2011 و2013.

تقدر (الشبكة السورية لحقوق الإنسان) أن عدد المختفين قسرًا، والمسؤول عن اختفائهم النظام السوري، بحوالي 82 ألفًا في سجونه، فضلًا عن تثبيت قتله 13 ألفًا في سجونه.

وكانت منظمة (هيومان رايتس ووتش) قد أصدرت تقريرًا عام 2012، بعنوان (أرخبيل التعذيب) تحدثت فيه عن وجود تعذيب في 27 مركز احتجاز، فيما قدرت (منظمة العفو الدولية) عدد المختفين قسرًا في تقريرها عام 2015 بـ 65 ألف حالة مفقود بسجون النظام.

وتم توثيق مقتل 17723 معتقل سوري بين عامي 2011 و2015، بحسب توثيق منظمات وهيئات دولية. وخاصة منظمة العفو الدولية التي اعتمدت 65 شهادة من معتقلين سابقين، بمعدل 300 وفاة شهريًا. بحسب تقريرها الذي صدر في 2016.

وأخيرًا اعتبرت المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي أن الاعتقال في سورية من أسباب فرار حوالي مليون لاجئ سوري للأردن الموقعة على اتفاقية الانضمام إليها، وقياسًا للاجئي الروهينغا المسلمين في بنغلاديش، حيث ستتمكن المحكمة من ملاحقة النظام بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

تسعة أسباب تجعل قضية المعتقلين السوريين قضية محورية في حل المسألة السورية

تعدّ قضية المعتقلين السوريين قضية سورية محورية لعدة أسباب:

الأول: لا يمكن تجاوز هذه النقطة دون محاسبة المسؤول الأول عن التعذيب في سورية وزبانيته، أي بشار الأسد.

الثاني: لا يمكن البدء بإعادة إعمار سورية دون حل قضية المعتقلين السوريين والمختفين قسريًا في مراكز احتجاز النظام السوري.

الثالث: لا يمكن عودة اللاجئين السوريين دون إغلاق وتنظيف كافة السجون القائمة على التعذيب والتصفية الممنهجة للمعتقلين، فقد تم اعتقال ما يقارب 12 ألف سوري من أصل حوالي ستين ألفًا عادوا من الأردن بعد سيطرة النظام على الجنوب السوري عام 2018، بحسب مصادر لهيئات إنسانية، وبالتالي وجود النظام وتلك المعتقلات مشكلة رئيسية تمنع عودة اللاجئين السوريين.

الرابع: لا يمكن تحرير المعتقلين بل يستحيل ذلك بوجود النظام السوري، وبالتالي فلا نهاية للعنف وستستمر سورية قوقعة عنف وتعذيب للبشر. كما في رواية (القوقعة) الشهيرة للكاتب والمعتقل السابق في فترة طاعون الأسد الأب مصطفى خليفة، وللمفارقة هو مسيحي يساري، وكانت تهمته الانتساب إلى الإخوان المسلمين واستمر اعتقاله 13 عامًا.

الخامس: الاعتقال هو سلاح حرب ضد الإنسانية، استخدمه النظام لاستكمال مخططاته، ومخططات مشغليه في عملية التطهير الديموغرافي، وأحد الأسباب الرئيسية للتهجير والنزوح واللجوء داخل وخارج سورية.

السادس: تحول الاعتقال إلى سوق سوداء، ومصدر دخل لزبانية النظام لابتزاز أهالي المعتقلين، فيضطرون إلى دفع ثروة وبيع أملاكهم لمجرد الحصول على معلومات حول مصير أبنائهم وذويهم وأزواجهم وزوجاتهم وأطفالهم.

السابع: يجسد المعتقل في سورية الهولوكوست والمحرقة بحق الشعب السوري، فيستحيل إنصاف المعتقلين دون زوالها.

الثامن: لم تسلم النساء والأطفال والمسنين من شرور معتقلات الأسد؛ فهناك حوالي 8000 معتقلة تعرضن ويتعرضن للاغتصاب، وحوالي ثلاثة آلاف طفل معتقل، وقد جسد الفيلم الوثائقي (الصرخة المكتومة) الذي أنتجته القناة الفرنسية الثانية حقيقة اعتقال النساء السوريات في سجون الأسد.

التاسع: المعتقل الأسدي هو عبارة عن حرب ومذبحة صامتة، يشنها نظام قمعي على الشعب السوري لم تهدأ لليوم، وتم إنتاج فيلم مهمّ على الصعيد الدولي للفرنسية الثانية هو (جحيم صيدنايا) على ضوء تقرير منظمة العفو الدولية الأخير. كما حصلت العديد من حركات التمرد في السجون السورية طلبًا للحرية كما حصل في سجن صيدنايا قبل الثورة، وسجن حمص وحماة بعد الثورة، وإن حصل بهما مذبحة انتقامًا من المعتقلين، ونجحت محاولات أخرى في تحرير المعتقلين بالعديد من السجون، مثل سجن تدمر وسجن غرز في درعا، ومحاولة تحرير معتقلي سجن حلب المركزي، والعديد العديد من السجون لكن التدخلات الخارجية أعادت الكثير منها، طوال سنوات الثورة السورية.

توصيات ومطالب منظمة العفو الدولية الأربعة:

لا بد هنا من الإشارة إلى توصيات منظمة العفو الدولية في تقريرها، التي تؤكد أهم عوائق إنهاء المأساة السورية، ومرارة تجربة سجونها وهي :

الأولى: مسؤولية المجتمع الدولي

إذ وقف المجتمع الدولي عاجزًا في وقف التعذيب، وغيرها من ضروب سوء المعاملة، ولم يتمكن حتى اليوم من وقف الجحيم السوري وبخاصة سجون الاعتقال التي يديرها النظام السوري؛ فإن عليه تحمل مسؤولياته وملاحقة مرتكبي هذه التجاوزات ضد الإنسانية.

الثانية: توقف روسيا عن استخدام حق النقض الدولي

لم تتوقف روسيا عن استخدام حق النقض الدولي الفيتو، فكان هدفُها منحصرًا في الإبقاء على النظام، ووقف الثورة السورية، والقضاء عليها لمصلحة النظام، فقامت بفرملة كافة القرارات الدولية في مجلس الأمن لملاحقة المسؤولين عن التعذيب وتأسيس محكمة دولية خاصة لملاحقة النظام السوري، ولا سيما ما يتعلق بسجناء الرأي، وعرقلة مساءلة مجرمي الحرب من زبانية النظام في محكمة جنائية دولية، حول ارتكابهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

الثالثة: إطلاق سراح جميع سجناء الرأي

طالبت منظمة العفو بإطلاق سراح جميع المعتقلين من سجناء الرأي والمعتقلين الآخرين، ومحاكمتهم وفق معايير المحاكم الدولية العادلة بشكل عاجل، وإرسال مراقبين يتولون تفتيش أماكن الاحتجاز، من دون قيود.

الرابعة: تلقي الضحايا الرعاية اللازمة الصحية والنفسية والاجتماعية

الناجون من سجون النظام، وغيرهم ممن ما زالوا في المعتقلات، تعرضوا ويتعرضون لأسوأ وأشنع وأبشع معاملة نفسية وجسدية يمكن لإنسان أن يتعرض لها، من كافة أشكال التعذيب والتجويع، وفرّ معظمهم إلى الكثير من دول العالم، من بين 11 مليون سوري خرجوا من سورية، وهم بحاجة إلى رعاية صحية ونفسية واجتماعية لإعادة تأهيلهم.

نتائج التعذيب في المعتقلات وقانون سيزر لتقويض النظام السوري:

صدر قانون سيزر على خلفية صور المعتقلين الذين قام النظام بتصفيتهم وأدى إلى:

1- فرض عقوبات اقتصادية شديدة على النظام السوري، بداية عام 2019، وقد أقرها كل من الكونغرس الأميركي ومجلس الشيوخ الأميركي، وتُعدّ هذه العقوبات نافذة على مستوى العالم.

2- جمّد التطبيعَ العربي والدولي مع النظام السوري.

3- أوقف المشروعَ الروسي المطالب بمساهمة المجتمع الدولي في إعادة إعمار سورية مع وجود مثل هذا النظام الهمجي الذي يستمر في قتل السوريين وتعذيبهم في معتقلاته.

4- أوقف الأصواتَ الروسية المطالبة بإعادة اللاجئين السوريين بكافة السبل وإعادتهم لمزرعة الأسد، وهي عبارة عن سجن كبير.

_____

(*) من المواضيع المشاركة في مسابقة (حسين العودات للصحافة العربية – 2019).

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق