سلايدرقضايا المجتمع

“بسمة” بين ألم الاعتقال وذبحة الاغتصاب

خمس اعتقالات كانت كفيلة أن أصبح نصف إنسان، واغتصاب جماعي واحد كفيل أن يجعلني أُقبل على الانتحار، علّ موتي يريح قلبي، لكني لم أفلح، وبقي صوت بكائي يطغى على كل شيء، وأنا مدركة تمامًا أن خطيئتي الوحيدة أني امرأة سورية.

حزمت حقائبي وجمعت ألف سنة في ساعة، لا أعلم من أين أبدأ، وعن أي فرع أتحدث، أبدأ الحديث عن اعتقالي الأول الذي كان في تشرين الأول/ أكتوبر 2012، يوم كنت في باص النقل العام، في شارع 8 آذار بدمشق، حين أنزلني منه جنود من الفرقة الرابعة وطلبوا هويتي، وكانت اللعنة التي لاحقتني منذ أول اعتقال هي خانة هويتي، فأنا من نفوس منطقة برزة المغضوب عليها، ومن هنا بدأت الحكاية.

أنا المعتقلة الناجية من سجون النظام السوري “بسمة عامر”، تلك المرأة الأربعينية التي مارس عليها النظام السوري كلّ أنواع التعذيب الجسدي والنفسي، سأفتح الأبواب المغلقة داخلي، الباب تلو الباب، بمفتاح الجلاد ذاته الذي اعتقلني بعد أن طعنتني الحقيقة المرة، أحاول أن أزيح تلك الغمامة عن وجهي الضائع، فأعود بذاكرتي إلى ما قبل ستة أعوام، حين اغتصبوني نعم اغتصبوني، لقد كانوا أربعة يتناوبون علي، لم أحفظ وجوههم، لأني لم أكن أريد أن أراهم، لكني أتذكر اسم أحدهم كان يدعى “آصف”، اعتدوا علي بقسوة، لا أستطيع تذكر تلك اللحظات، لأنها تحرقني، بالرغم من أني لم أفعل أي شيء، والله العظيم لم أفعل شيئًا يخالفهم، ولم أتعاون مع أحد.

في ذلك المعتقل الذي التهمَنا ومضغَنا كمعتقلات، تعرضت لأعتى أنواع الضرب، فلم يسلم مكان في روحي قبل جسدي، في أحد الأيام وفي زنزانتي المعتمة، ضربني ذلك السجان على خدي حتى أصمّ أذني اليمنى، ثم اتجه ومعه شاب آخر صوب إحدى المعتقلات وبدؤوا يشدونها كل إلى جهة، واحد باتجاه اليمين والآخر نحو اليسار، حتى فسخوا قدميها، بعد أن ألقوها أرضًا وسلبوها طفلها الذي غاص بكاؤه مع غوص الضمير العالمي من مشهد أمه، ركضت لأساعدها، فضربوني بالكرسي على كتفي الأيمن، لا أستطيع حتى اليوم أن أعبّر عن نقطة من القهر بداخلي من رؤية ذاك المنظر.

مضت ستة أشهر، وأنا في هذا الفرع ثم أُطلق سراحي في آذار/ مارس 2013، وعدتُ إلى منزلي وأولادي، وبعد أيام حدثت زوجي عن حادثة الاغتصاب التي تعرّضت لها، كانت دموعه هي الأكثر تعبيرًا في تلك اللحظة. تفهم زوجي الوضع وحاول دعمي ومساندتي، لكني بالرغم من ذلك لم أجرؤ أن أقصّ حكايتي على غيره.

بعد مدة ليست بالطويلة، كنت متجهة من دمشق إلى الرحيبة في القلمون الشرقي، أوقفني عناصر الفرقة الثالثة في 19 حزيران/ يونيو 2013، على حاجز القطيفة، كنت أحمل معي طفلتي الصغرى نور، وفي بطني جنين، وعادت لعنة الخانة تظهر من جديد، أخذوني إلى سيارتهم وكانت تهمتي هذه المرة مساعدة “الجيش الحر” بناءً على هويتي، فاسم الخانة في وطني يحدد نوع الجريمة.

في تلك الزنزانة، انطفأ النور على أصابعي مرة أخرى، وبالرغم من ذلك لم أشعر بطعم التعذيب الذي تلقيته، فقد كان صوت ابنتي التي لم تتجاوز العامين هو أكثر ما أثار مشاعري، أخذوها مني في اليوم التالي من وصولي وهددوني بقتلها، كنتُ أسمع صوت بكائها من خلف الجدران، شعرت حينها أن الجدران استنجدت بي، لكني وقفت عاجزة عن حماية طفلتي.

ذات مساء، شعرتُ بنزيف، وأدركت حين شاهدت منظر الدم أني أجهضت الجنين، بعد ضربي عدة مرات على بطني، ولم يعد أمامي نور ولا أمل، واسودّت الدنيا في وجهي، لكن رحمة السماء لم تجعل انتظاري يطول، فأعادوا لي ابنتي نور بعد أيام من إجهاضي، وبعد أربعة أيام خرجت لأرى النور، ويطلق سراحي من جديد في نهاية آب/ أغسطس 2013.

لم يكن هذا الاعتقال الأخير، فقد قرأت تراتيلي في كل معتقلات الوطن الذي سلبوا منه صفة الوطن، نزلتُ ذات يوم إلى وسط مدينة دمشق، لأرى أولادي الأربعة من زوجي الأول، وفي طريق عودتي مع زوجي الثاني اشتريت بعض الحاجيات من خبز وحبوب وبعض الرز، وفي طريقنا إلى المنزل، في ذلك اليوم المشؤوم من تشرين الثاني/ نوفمبر 2013، أوقفنا عناصر من اللواء 21 على حاجز الرحيبة، ومن جديد وُجّهت لنا تهمة مساعدة “الجيش الحر”، واعتقلوني وزوجي وطفلتي، تعرضت للضرب، كما كل مرة، ولكن هذه المرة من دون اغتصاب، هددوني بقتل طفلتي وزوجي، لكن لم تطل المدة، وأطلق سراحنا نهاية كانون الثاني/ يناير 2014.

بعد إطلاق سراحي الثالث؛ قررتُ أن أعالج يدي لأعود إلى ممارسة مهنة الخياطة التي كانت مورد رزقي، أخذت ابنتي “يمامة” البالغة من العمر 15 عامًا، وكانت عروسًا حينذاك، وبينما كنا طريقنا إلى مشفى ابن النفيس، في 8 شباط/ فبراير 2015، نزلنا عند أفران (ابن العميد) في ركن الدين من باص النقل العام، لنفاجأ بسيارة تهجم باتجاهنا، ترجل منها أربعة عناصر وطلبوا هوياتنا، كانت السيارة تراقب خروجنا من برزة، فجريمتي -كما قلت- أني من خانة مغضوب عليها، وقادونا إلى فرع المخابرات الجوية هذه المرة.

توجهت إلينا امرأة فظة في الجوية، طلبت أن نخلع كل ملابسنا حتى الداخلية، فتشتنا ومدت يدها على أعضاءنا التناسلية لتفتشها، ثم وضعوني في منفردة صغيرة، بعد أن أعطوني رقم 678، بينما أعطوا ابنتي رقم 679، ففي الأفرع الأمنية لم يكن لنا أسماء.. كنا مجرد أرقام لا أكثر.

كان جلّ ما أسمعه في المنفردة صوت الفئران، الماء يُقدّم لي في زجاجة الكلور، فرفضت حينها تناول الطعام، كان أقصى ما يشغل تلافيف دماغي هو الخوف من أن يغتصبوا ابنتي، وبعد ثمانية أيام عدت فاجتمعت معها من جديد في زنزانة جماعية فيها 22 معتقلة، لقد كان المكان ضيقًا حتى إننا كنا ننام عكس بعضنا البعض لتعانق الرؤوس الأقدام، كانت ابنتي ترفض النوم بعيدًا من حضني، بعد أن سيطر الخوف عليها، لكن أكثر ما أراح قلبي أنها أخبرتني أنها لم تُغتَصب.

بعد عشرة أيام من اجتماعي مع ابنتي في تلك الزنزانة الصماء، صرخت ابنتي من ألمٍ في بطنها، علّها تحاول أن توقظ ضمير العالم النائم، لكنها لم توقظ حينها إلا صوت الألم داخلي، فقد كانت حاملًا لتجهض ليلتها من دون أن تجد مسكّنًا لألمها ولا ماسحًا لدمعها إلا أكمام قميصي المهترئ.

لم يكن صوت صراخ ابنتي هو أكثر ما آلمني في ذلك المكان، لقد كان صوت صراخ الشبان من التعذيب، وهم يتضرعون إلى الله أن يخفف عنهم الألم، من أكثر الأصوات قهرًا، ثم يأتي بعده صوت طفلين صغيرين وهما يصرخان: “دخيل الله.. مشان الله ما بدنا مدرسة، بنشتغل خدم عند إجريك بس طلّعنا من هون”، أنا متأكدة أن جدران المعتقل لن تنسى تلك الأصوات، كما لم أنساها أنا.

بعد عشرة أيام، جاءني خبر خروجي من ذلك المكان الحقير، في 11 آذار/ مارس، كانت ملابسي مبللة فارتديت لباسًا ممزقًا وركبت في إحدى سياراتهم، ظننت حينها أني في طريقي إلى اغتصاب جديد، لأني سمعت أحدهم يقول للآخر: “سنذهب باتجاه الشقة الفلانية”، لكن كانت الوجهة نحو منطقة تبادل المعتقلين، وأطلق سراحي في صفقة تبادل مع أهالي برزة، وصلتُ إلى منزلي، وأنا أناجي الموت أن يأخذ روحي بعد أن تركت روح ابنتي تغتصب قبل جسدها.

بعد ثلاثة أشهر، اكتشفتُ أني حامل، كنت أعتقد عند خروجي أني أعاني من اضطرابات هرمونية، بسبب وضع النظام السوري للكافور في شاي المعتقلات، لكني فوجئت أني حامل في شهري الرابع، وحين أخبرت زوجي، لم يصدق أن الطفل منه هذه المرة، بينما سألني ابني الأكبر يومها: من أين لك هذا الطفل؟ في حين نظر إلي الجيران نظرة ريبة، وعشت في صراع مع المجتمع كله، إذ اتهمني بشرفي وأنا بريئة من أي اتهام، حتى إني ضعت بين الحقيقة والاتهام، وتساءلت: هل من المعقول أن أكون حاملًا في السجن من دون أن أُغتصب؟! لقد عشت حالة من الانفصام حتى فكرت بالانتحار من جديد.

لم أُجهض الطفل، وأنجبتُ ابني الذي أسميته “بلال”، وبعد أشهر من إنجابه خرجت لألتقي بأحدهم في (معربا) من أجل وساطة لإطلاق سراح ابنتي، لكن حظي العاثر قادني إلى الاعتقال للمرة الخامسة، في 18 كانون الثاني/ يناير 2016، ولكن هذه المرة كانت زيارتي لفرع الأمن السياسي، لمدة 28 يومًا، لم أنزعج هذه المرة من اعتقالي، بل على العكس رجوت المحقق أن يقتلني بعد نظرة الناس إليّ بسبب حملي الأخير، وبعد فقداني الأمل أن تخرج ابنتي، ولكن يبدو أنه تعاطف معي فأطلق سراحي بعد أيام.

بعد مدة، وصلني خبر صدور قرار إعدام ميداني بحق ابنتي المعتقلة، وكان القرار سينفذ في 7 نيسان/ أبريل 2017، في لحظة سماعي الخبر، فقدت أي رغبة في الاستمرار في هذه الدنيا، لقد كانت كل الدنيا ضدي، وبعد إحباط دام ثلاثة أشهر تقريبًا، خرجت ابنتي في 1 نيسان/ أبريل 2017، قبل تنفيذ حكم الإعدام بأيام، في صفقة تبادل مع ضابط إيراني، بمقابل مادي قدره 7 ملايين ليرة سورية، علمًا أنه تم تنفيذ إعدامات ميدانية بحق فتيات كانوا معها.

بقي هاجسي أن أجعل زوجي يتأكد أن ابني الأصغر من صلبه، أخذت عيّنة دمٍ من زوجي من دون أن يعلم، وأجريت لابني ولزوجي بعض التحاليل بمساعدة بعض الأشخاص، وأعطيته نتائج التحاليل التي تؤكد أن الطفل ابنه، لكنه لم يثق كثيرًا بالنتيجة، لكن مشيئة الله جعلت ملامح طفلي تشبه ملامح عمّه الشقيق الأصغر لوالده، وهذا ما دفع عني وصمة العار في مجتمعي.

رحلة الباصات الخضر لم تطل بعد آخر اعتقال، ووصلنا إلى الشمال السوري، وخرجت عائلتي قبلي إلى تركيا، وبقيت في سورية وحيدة أحد عشر شهرًا، إذ تمّ القبض عليّ من قبل الجندرما التركية في أثناء عبوري الحدود، حيث دفعني عنصر منهم فارتطم ظهري بغصن شجرة، وازداد وضعي الصحي سوءًا، ولكني تمكنت بعدها من الاجتماع من جديد مع عائلتي ولكن بنصف جسد، فقد تردت حالتي حتى بدأت أطرافي اليمنى تفقد الإحساس.

أين الراحة التي يمكن أن أعيشها؟ وربِّ العباد أنا لم أرَ الفرحة يومًا ولم أرَ السعادة، دلّوني على الراحة، إن كنتم تعلمون طريقًا لها، أرجوكم.

_____

(*) من المواضيع المشاركة في مسابقة (حسين العودات للصحافة العربية – 2019).

(*) الصورة للشبكة السورية لحقوق الإنسان.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق