سلايدرقضايا المجتمع

اختطاف عورة

توطئة:

وجب التنويه بأنّ هذا العنوان ليس مجرّد ثرثرة تحاول جلب الانتباه أو تعبير مجازي لإضفاء شاعرية حول المأساة التي تسبح في فلك العنوان، وإنما كُتب بوعي وثقة كبيرين، تشريعًا في محاولة أن يرتقي هذا النصّ إلى مرتبة الإدانة والاتهام.

 مقدمة:

تعتبر قضية الاختطاف في سوريّة من أهمّ القضايا الحارقة التي لم يقع التطرّق لها والحديث عنها كافيًا، ضمن سلسلة من القتل والاغتيالات والدماء لم تكن قضية الاختطاف ضمن محل اهتمام الصحافيين ووسائل الإعلام والحقوقيين المهتمين بالثورة السورية، تختلف وتتعددّ الاعتبارات والأسباب لكن النتيجة واحدة، تواطؤ مع الجلاد وخيانة للحقوقيين والمناضلين، وتعدّ إحدى أهم قضايا الاختطاف التي هزت ضمير الناشطين والكتاب والمثقفين السوريين، قضية اختطاف ناشطي دوما الأربعة الذين يمثلون بناشطهم الحقوقي الجانب المضيء والوجه المشرق من الثورة السورية، وجه الحراك المدني والحقوقي المناهض لنظام الأسد، الناشطون الأربعة وهم سميرة خليل ورزان زيتونة وناظم ووائل حمادة، الذين وقع اختطافهم في منطقة دوما، المنطقة المحررة في الغوطة الشرقية، اختطافهم تجاوز الفعل ليكون رسالة واضحة وجرحًا غائرًا لن يسهل دمله.

في مفهوم الاختطاف:

يعدّ الاختطاف إحدى آليات الترهيب والتخويف في العصر الحديث، حيث يتجاوز الاختطاف في آثاره المادية الآليات القمعية المعتادة التي تستخدمها الأنظمة الديكتاتورية والتنظيمات الأصولية، ليصبح وسيلة من وسائل الضغط والتفاوض والترهيب في صورة تبلور أشكال الوضاعة والدناءة، من أجل تحقيق أغراض سياسية، أو الترهيب أو تمرير مواقف من دون معارضة تُذكر، ويرتبط مفهوم الاختطاف عند علماء الاجتماع بإنقاص الذوات الاجتماعية وكلمة إنقاص لا تعني بالضرورة الموت أو القضاء على الشخص المختطف، بل تحمل معاني الإنقاص وتعطيل الدور الاجتماعي للأفراد، أو تعطيل الدور الاقتصادي للأشياء. والدور الاجتماعي هنا هو ما يقوم به الأفراد من واجبات تجاه المجتمع والآخرين، ومن هنا فإن علماء الاجتماع يعدّون الاختطاف ظاهرةً تدخل ضمن تخصص علم اجتماع الجريمة والانحراف وقد تفيد جدًا في المجال السياسي كظاهرة إعلامية وسياسية تكون ذات معنى عند البعض، وتحمل دلالات عند البعض الأخر، (1) وفي التعريف القانوني للاختفاء القسـري، والذي تضمنته المادة (2) من «الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري»، فهــو يعني «الاعتقال أو الاحتجاز أو الاختطاف أو أي شكل من أشكال الحرمان من الحرية يتم على أيدي موظفي الدولة، أو أشخاص أو مجموعات من الأفراد يتصرفون بإذن أو دعم من الدولة أو بموافقتها، ويعقبــه رفــض الاعتراف بحرمان الشخص من حريته، أو إخفــاء مصير الشخص المختفي أو مــكان وجوده،  وحرمانه مــن حماية القانون. (2)

أربع إشارات استفهام:

«ليس بإمكاننا القيام بأي إجراءات خاصة (لكشف مصير المُغيّبين قسرًا)، طالما هم مختفون. هم إشارة استفهام. وغير موجودين، لا هويّة لهم، لا وجود لهم، لا هم أحياء ولا أموات، هم، ببساطة، مختفون».

بهذه الكلمات أجاب الرئيس الأرجنتيني خورخه فيديلا عن سؤال خوسيه إغناسيو لوبيز عن مصير مئات المختفين. وصف ديكتاتور لاتيني مصير المئات بإشارة استفهام، يطرح نقطة استفهام؛ هل رزان وسميرة ووائل وناظم إشارات استفهام، هل يمكن اختزال مأساة أهم ركائز المجتمع المدني وأيقونات المعارضة السورية في إشارة استفهام، في سياق أنهر الدماء التي تسال كل يوم، هل يمكن طيّ مسألة مختطفي دوما ضمن اعتبارات سياسية وتحت يافطة الأهم والمهمّ ..؟

 الجذور التاريخية:

مساء التاسع من كانون الأول/ ديسمبر 2013، اقتحم ملثمون ينتمون إلى جيش الإسلام، مكتب مركز توثيق الانتهاكات في سورية، المركز الذي كان يوثق الانتهاكات التي ترتكب في حق السوريين -بغضّ النظر عن الأطراف، وعلى مسافة موضوعية واحدة من الجناة-  سواء من النظام أو المنتمين زورًا إلى المعارضة السورية، ولعلّ هذا ما يزيل اللبس عن دوافع الاختطاف، فالمركز الذي كان يدار من قبل رزان، والذي كان يمثل تهديدًا جديًا لبعض الفصائل، وثّق العديد من الانتهاكات والتجاوزات، مما يؤكد ان دافع الاختطاف هو سياسي بامتياز. قد سخّرت رزان زيتونة -ولا أظن أن الكلمات وما يفي به المجاز كفيلٌ بالحديث عنها- جميع إمكانياتها للدفاع عن المعتقلين قبل 2011، باختلاف مشاربهم الأيديولوجية والسياسية والفكرية.

إنّ الجذور التاريخية للاختطاف والاعتقال القسري في سورية لا تاريخ لها على وجه التحديد، فيما يرى المؤرخون والباحثون السوريون والمهتمون بالمسألة السورية أنّ أشدّ وتيرة سُجلت فيها حالات اختطاف كانت سنة 2012 من قبل النظام السوري، وخلال الثمانينات من القرن الماضي في حماة وإدلب وحلب، فالنظام وقواته الرديفة وحلفاؤه وميليشياته هو المسؤول الأكبر عن عمليات الخطف والتغييب القسري، يقول ياسين السويحة مضيفًا؛ أعتقد أن النسب المئوية تقترب من تسعين بالمئة عند النظام، يليه داعش، ثم جبهة النصرة، ثم قوات سورية الديمقراطية، ثم مختلف الفصائل. أعتقد أن جميع الفصائل ارتكبت احتجازًا واعتقالات تعسفية، وبعضها بنهاية مأساوية. لكن النظام وداعش والنصرة لها السبق في مسألة التغييب كمنهج، ومنذ مراحل مبكرة من الثورة.

في إحصائية ضمن تقرير نشرته الشبكة السورية لحقوق الإنسان بعنوان “لا أثر” يتضمّن إحصائيات مهمة تؤكد وجود 65 ألف مختف قسريًا من قبل النظام السوري، وأكثر من 1122 حالة اختفاء من قبل تنظيم داعش، وما لا يقلّ عن 876 حالة من قبل جبهة النصرة.

من هي سميرة ومن هي رزان؟

امرأتان، علمانيتان، غير محليتين، لهما تاريخ في معارضة النظام، تقولان كلامًا واضحًا جدًا عن الجريمة، عن وقائعها، عن مرتكبيها، وعن ضحاياها. هكذا أجمع كل من عرف سميرة ورزان من قريب أو بعيد. ففي سياق حديثه عن سميرة خليل، يتحدث المعارض السوري ياسين الحاج صالح، في سلسلة من المقالات تحت عنوان “رسائل إلى سميرة” نشرت في مجموعة الجمهورية، عن تفاصيل الاختطاف، ومذا حدث بعد اختطافها، يقول الحاج صالح؛ “سميرة شخص/ قضية، تتقاطع فيها وعندها مسائل الثورة والتغيير السياسي في سورية، وقضايا الظلم والعدالة والحرية والاستعباد والكرامة الإنسانية، وقضايا المرأة والسلطة البطريركية والتمييز الجنسي، وقضايا الدين والطائفية والتمييز الطائفي، وقضايا الاعتقال والسجن والتعذيب والخطف والتغييب والفقد والقتل، وقضايا النضال السياسي والثقافة والمسؤولية الاجتماعية للمثقفين، وقضايا الثورة الثقافية والأخلاقية والدينية. ليس هذا تكثيرًا اعتباطيًا لقضايا يمكن أن ترمز لها سميرة أو ترتبط بها بصور متنوعة، فهناك كثير من المنطق في رمزية سميرة: فهي امرأة معارضة للنظام على أسس سياسية وأخلاقية علمانية، وهي علوية المنبت، وهي معتقلة سابقة تعرضت للتعذيب على أيدي الأسديين، وهي مخطوفة اليوم من قبل إسلاميين، وهي مغيبة في الظلام منذ نحو عامين، وهذه العناصر في تكوينها تسوّغ أن تكون سميرة، أكثر من أي شخص آخر في سورية بحدود ما أعرف، رمزًا لصراعنا، لأخلاقيته ولجذريته ولمأساويته”.

إن قضية الاختطاف هنا، تتجاوز مجرّد اختلاف أيديولوجي وفكري، لتصبح رمزًا لصراع التيار العلماني والديمقراطي السوري ضدّ النظام والتنظيمات الإرهابية على حدّ سواء..

من خلال بحثي عن معطيات وشهادات وتقارير حول قضية مختطفي دوما الأربعة، وجدت مقالات كتبتها رزان زيتونة في موقع الأوان التونسي، نشرت في أوقات مختلفة، قبل الثورة السورية وبعدها. تجسّد تلك المقالات الموضوعية والمبدئية في فكر وتصوّر رزان زيتونة لسورية أفضل، سورية أجمل، أو كتاب سميرة خلال “يوميات الحصار في دوما 2013” الذي يعكس الحس الإنساني لها، فمنذ مصافحتنا للأثر تقول سميرة؛ لم تكن في نيتي الكتابة، أكتب فقط لنقل ما يحدث، لعل الكلمة تشرح شيئا مما يحدث.

إن الكاتبة هنا، تأخذ على عاتقها ضرورة فضح وإدانة المجرمين، أمام ما يحدث من تجهيل الفاعل “و نزع صفة الإجرام وتجهيل المجرم …(30) “، حيث قامت بتدوين قصص المحاصرين والموت اليومي، تحت لن أتوقف عن العدّ.. ما دامت القذيفة بعيدة، جلست لأعدّ لكم عدد المرات التي يتناوبها الطيران وقصف الهاون.. حتى الآن اثنتي عشرة مرة.. النهار في منتصفه بعد.. في مكان ما يحصي الأحياء عدد الشهداء والجرحى والخراب. لن أتوقف عن العدّ ما دامت القذيفة بعيدة.. في مكان ما في الغوطة يحصي الأحياء عدد الشهداء والجرحى.

إن هذه المأثورات والشذرات التي اقتطفتها من الكتاب، لا تعكس اهتمام سميرة بالأوضاع في دوما فقط، وإنما انحيازها التام للشعب وللضحايا حتى على حساب نفسها. ففي مقدمة الكتاب التي تكفل زوجها ياسين بتجميعه وتقديمه يقول؛ تُظهر الأوراق في مضمونها الحسَّ الإنساني النادر الذي ميز سميرة دومًا، انحيازها لعموم النّاس، ضحايا القصف والحصار والجوع، وغضبها من العالم الذي راقب المقتلة وتغاضى عن القاتل.

ان المجال هنا، ليس مجال تقديم قراءة أو مراجعة لليوميات، وليس ذكر خصال ومآثر الكاتبة، ولكن، وجب علينا تقديم الكتاب كما اطلع عليه القارئ، مشاهد مختلطة من الفرح والنشوة والسعادة والغبطة، ولحظات أخرى من الأسى والألم والقهر، تتمازج فيما بينها لتتقاطع وتتشابك وتصوغ إجابة واحدة ورسالة كاملة؛ “أصدقائي متل ما احتفلنا بالحرية، بحريتنا، سنحتفل يومًا بحرية البلد كلها”.(58)

دعوة للانتصار بين الأسطر والأحرف والكلمات، ترجمة وجدانية وشاعرية وعاطفية لقضية مركزية راسخة في وجدان جميع السوريين، هي قضية جميع المتعطشين للحرية، من أجل الحرية والعدالة، كتبت سميرة هذا الأثر خلال المدة التي عاشتها في دوما أثناء الحصار، كتبتها بادئ الأمر كتدوينات وخواطر على الفيسبوك، ثم خطّتها على الورق إثر انقطاع الكهرباء والإنترنت عن دوما، وقام بتجميعها زوجها بعد أن تم تهريب المخطوطات عن طريق بعض الأصدقاء، لترى النور وتكون شهادة للعالم أمام ما يحدث..

رزان زيتونة، هي الأخرى، الكاتبة والمحامية والناشطة الحقوقية، وأحد المختطفين، كتبت قبل وبعد الثورة السورية العديد من التقارير والمقالات وتكفلت بتجميع شهادات حول المختطفين والمعتقلين في سجون النظام السوري، ففي مقالها (نشطاء حقوق الإنسان وإشكالات “الحرب على الإرهاب”) تتحدث رزان عن الأزمة الأخلاقية في التعامل مع المساجين المنتمين إلى التيارات الإسلامية، فتعدّ أنّ الحل الأمني ليس حلًا بقدر ما هو مشكل، وأن الحرب على الإرهاب ليست إلا يافطًة لشرعنة القمع والتعذيب وتوسيع نطاق الانتهاكات لتصبح على مسمع ومرأى من العالم وسط صمت وتواطأ من قِبل الناشطين في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان، تقول رزان في مقالها المذكور أنفًا: “ضحايا الحرب إياها يحظون بالنصيب الأكبر من التعذيب وإساءة المعاملة في طول العالم وعرضه، بعض هؤلاء مارسوا عنفا بشعًا ضد آخرين، بمثل ما مورس عليهم لاحقا أو سابقا في بعض الأحيان. كثيرون، جرى ترحيلهم من بلدان غربية إلى دولهم العربية، من أجل التحقيق معهم وفقا لما اعتادت تلك الدول، أي “الشبح والكرسي الألماني وصعقات الكهرباء” وغيرها من أساليب التعذيب المتعددة. ومن “غوانتانامو” الأمريكي إلى نسخه العربية التي لا تعد ولا تحصى –وفي الحقيقة معظمها سابق على نظيره الأمريكي- يسعد وحش التعذيب بضحاياه الوافدين بغزارة، إلى جانب المعتقلين السياسيين ودعاة الديمقراطية وحقوق الإنسان، وحتى السجناء الجنائيين في كثير من دول العالم الثالث.

اختلف تعامل المنظمات الحقوقية، المحلية منها والعالمية، مع ضحايا “لحرب على الإرهاب”، وهو ما انعكس بالتالي على الموقف من تلك المنظمات في الأوساط الحقوقية والفكرية على السواء، وخلق جدلًا غير معلَن ما بين المدافعين عن حقوق الإنسان بمعزل عن أية اعتدادات أخرى، وبين من يتوجهون بالنقد لأولئك بعدّهم “يتورطون فيما لا يحبذ للناشط أن يتورط فيه” وفقا لتعبير أحد النشطاء السوريين.

من سخرية القدر، ربّما، الحديث عن المرأة التي لم تدّخر جهدًا للدفاع عن جلّادها الحالي، لا من منطلق تبرئته والصمت عمّا يفعله، ولكن من منطلق حقوقي وإنساني بامتياز، إن رزان التي عبّرت في إحدى الحوارات المكتوبة، عن وعيها المسبق بجرائم المتهمين التي تدافع عنهم، ولكن هذا لا يمنع من ضرورة توفير ظروف ومعاملة إنسانية لائقة مهما كان المتّهم.

جيش الإسلام ورزان وسميرة:

تمثّل الحادثة التي تعرضت لها رزان وسميرة ومعهم وائل وناظم، تلخيصًا لسياق سياسي يعيشه العالم العربي بأسره، سياق يمكن اختزاله في ثنائية؛ سياسة الإقصاء أمام سياسة الاعتراف، وسياسة الفوضى ضد سياسة النظام، والظلم أمام العدل، والقمع أمام الحرية، والتخلف أمام التقدّم، والديكتاتورية أمام الانعتاق، بين سردية بائدة وسردية تنويرية حداثية كونية.

ما قام به جيش الإسلام (تجدون في الهامش أسفله لماذا يقع ذكر جيش الإسلام كمتهم وجهة رسمية في قضية الاختطاف) يتجاوز عملية اختطاف، حيث أنّه عملية طمس الوجوه الحداثية للثورة السورية والمرأة كفاعل سياسي، وترسيخ آليات الإقصاء ونبذ المختلف وعدم قبول الآخر، من أجل تقويض منطق الدولة ضمن مشروع المجتمع المدني السوري.

قد قام جيش الإسلام بتهديد الناشطين في دوما خلال سيطرته عليها “فقد ثبُت أن قياديين في جيش الإسلام كانوا مسؤولين عن تهديدات بالقتل وصلت إلى رزان زيتونة قبل أسابيع قليلة من الخطف، ففي مقالة نشرت بمجموعة الجمهورية، يتحدث ياسين الحاج صالح أن كان قد أُطلق النار ترهيبًا أمام مكتب «مركز توثيق الانتهاكات» الذي كانت تديره رزان في دوما، من قبل عناصر من جيش الإسلام، بحسب ما أكدت رزان نفسها في حينه، وبحسب إجماع من يعرفون الوضع في دوما”. ويرى ياسين السويحة، رئيس تحرير مجموعة الجمهورية لدراسات الثورة السورية، إجابة عن سؤالنا له حول الدوافع التي تجعل تنظيمًا يعرف نفسه دومًا بمعارضته للنظام يختطف معارضين سوريين معروفين على صعيد وطني، أنّ جيش الإسلام، كغيره من التنظيمات المسلحة الإسلامية وغير الإسلامية، ظهر في ظروف الثورة، ونمى نتيجة تظافر ظروف داخلية مع سياقات إقليمية ودولية، بالإضافة لإحرازه دعمًا خارجيًا، أغلب هذه الكتائب الإسلامية مثّلت في لحظة ما مشروعًا سلطويًا في المناطق التي سيطرت عليها، وسعت لفرض قبضتها عليها، جيش الإسلام بالذات مثّل الحالة القصوى لذلك، فقد عمل منذ البداية على محاولة إنهاء خصومه جميعًا، وبسط سيطرته لوحده على الغوطة الشرقية. يضيف السويحة ردًا على نفس السؤال؛ كون رزان وسميرة وناظم ووائل معارضين للنظام، فهذا لا يُشكل حصانة لهم أمام مشروع سلطوي وعدواني مثل جيش الإسلام. للأسف كان الإحساس بالعكس، إذ افتُرض أن الالتقاء عند معاداة نظام قاتل وسفاح ستقي على الأقل الشرر الأعظم، بغض النظر عن الخلافات والنزاعات الأخرى على تفاصيل إيديولوجية وسياسية، لكن للأسف لم يكن كذلك، وتصرّف جيش الإسلام كمستبد صغير حيث حكم.

ليست هذه التخمينات والادعاءات محاولة رشق اتهام من دون أسس وأدلة، بل هي خلاصة ما تجمّع من معطيات وشهادات وطريقة تصرّف جيش الإسلام مع الملفّ، يقول ياسين الحاج صالح في مقالة تحت عنوان “لماذا زهران علوش هو المتّهم”: ومن معرفتي الشخصية بواقع الحال في دوما أقطع بأن يكون الفاعل هو زهران وجماعته. لدى الرجل طموح تسلطي مفرط، وغرور شديد، مع معرفة محدودة جدًا بتكوين البلد وتاريخه ومجتمعه، وبمفاهيم الدولة والسياسة والحق والعدالة والمسؤولية. ولم يُؤثر عنه يوما انفتاح على رأي مخالف أو مروءة وسماحة خلق أو تجرد في التعامل مع خصم.

إن هذه الأعمال المألوفة من قبل النظام السوري، في تعامله مع المعارضين والمنتقدين والمختلفين، تجعلنا أمام ضروب شتى من التساؤل، ما جدوى الانتفاضة والثورة، إذا كانت ستطيح بسفاح لتقدّم سفّاح أخر؟ هل ضريبة النضال دماء وبكاء وحسرات لتخلف بدل من بشّار الأسد أشباه بشار الأسد؟ أكبر مستفيد من الاختطاف هو النظام السوري بترويج أطروحاته وتدعيمها حول مكافحة الإرهاب، وأكبر خسارة كانت لعائلة الناشطين وذويهم وللحركة الديمقراطية والحقوقية السورية. تقول سميرة خليل بنبرة كلها أسى وقهرة في كتابها؛ يوما ما ستعرفون كم خذلتم الإنسان هنا، كم رحلت أرواح كان بإمكانكم أن تساعدوا في إبقائها على قيد الحياة. لكنهم رحلوا.

وحياتهم بذمتكم. خنتم أمانة الحياة والعدالة، وخنتم الإنسان والإنسانية يوم صمتّم عن المقتلة اليومية. صفحة (70)

ربما الوضع أصبح شائكًا وضبابيًا ومعقّدًا في سورية لدرجة العبث، وأيّ محاولة من ملاحقة الجناة وتجريمهم تعدّ ترفًا في ظلّ الخراب الحاصل، ما بقي بحسب الناشطين هو السعي نحو كشف الحقيقة مهما كانت نتائجها، مجموعة الجمهورية، وهي تجمّع كتاب وباحثين ومدونين سوريين ترى أنّ الوضع اليوم في سورية مأساوي، ولا توجد أي آفاق ممكنة لإزاحة النظام، أو حتى لإدخاله في عملية سياسية حقيقية وذات معنى. أيضًا، تعفّنت الأوضاع بشدة، وتحطمت القوى الثورية وخسرت، وأجزاء منها أصبحت قوى مقاتلة لصالح حروب إقليمية غير معنية إطلاقًا بما عناه النهوض الثوري ضد نظام بشار الأسد. ليس هناك ترف الاختيار إذًا. لكن موقفي هو دعم أي جهد لمحاسبة أي مجرم، في أي مكان، وأي سياق. ولذلك أدعم وبشدة الملاحقات التي يحاول ناشطون ومحامون سوريون تنشيطها في الأنظمة القضائية الدولية، والسعي لملاحقة وعزل المجرمين، أيًا يكن رمزهم السياسي، في أي مكان، وبأي طريقة. كنت أتمنى أن تنشأ محكمة دولية خاصة بسورية لتنظر في كل القضايا ضمن سياقها السوري الأعم، لكن هذا الآن مستحيل بسبب الحصانة الروسية-الصينية للنظام. ريثما يحصل ذلك أعتقد أننا لا نمتلك ترف ربط محاولة المحاسبة، مهما كانت محاسبة صغيرة، بأي حسابات سياسية. للضحايا الحق في السعي لكشف الحقيقة والوصول -إن استطاعوا- للمعتدين، والواجب هو الوقوف معهم دومًا.

خاتمة:

مشاهد مختلطة، رحلة وجودية، صرخة من الأعماق، نهر من الأوجاع والمآسي وسط النواح والبكاء، سيرة جيل وراء جيل، تخط بالدم، “بدنا نكتب الحرية بالدم” من السجن إلى الحصار ومن المنفى إلى الاختطاف ومن الوجع إلى الانكسار، صور مختلفة تترجم معاناة المرأة السورية تحت حكم الأصوليين والوصوليين، هكذا صورة في مسيرة، لن تنتهي هذه المأساة بانتهاء بشار الأسد وزواله، جرح لن يندمل، لن يتوقف عن النزيف، جرحٌ غائر في العمق، عصيّ على النسيان. ليست غيضا من فيض، وليست بيت في قصيدة المأساة السورية، هي جوهر المشكل، ألم نفسي عميق.

ناشطو دوما الأربعة ليسوا مجرّد أرقام تضاف ضمن خانات الحسابات السياسية أو إحصائية أو مادّة صحفية، هم قصة وشعلة وصعقة إلهام لجميع الأجيال من السوريين، درس في المقاومة السلمية، في نبذ العنف والحب والحرية والحياة، رزان زيتونة، سميرة خليل، وغيرهم كثيرون من مئات النساء السوريات القابعات تحت الظلم والعنف والقمع. قد يعيب عليّ قارئ المقال تغييبي لناظم ووائل، ودورهم الجوهري في الحراك الديمقراطي والحقوقي السوري، ولكن هذه الورقة لا تحاول مساندة سميرة ورزان فقط لأنهم نساء، إنما هي محاولة للسخرية من مختطفيه الذي اعتبر صوت المرأة عورة فاختطفها، صوت المرأة أصبح ثورة خلخلت أنظمة قمعية، وما رزان وسميرة إلا مشهد رئيسي ضمن مسرحية المقاومة النسوية، بطولة هي لحظة بين شفا حفرة من نار الخطيئة وعلو الغفران الذي يسمع نشيد الحب الآتي من بعيد، فيؤمن بأن في أعمق أعماق الإنسان ميلًا لا ينزع إلّا إلى الخير، وأن ليس هناك من خاتمة سعيدة إلا بوجود ذاكرة سعيدة قادرة أن تتذكر وأن تنسى و.. تسامح. كما قال بول ريكور.

 

الهوامش:

*نذكر جيش الإسلام كمتهم رئيسي في جريمة الاختطاف لتعدد القرائن التي قدّمها أصدقاء المختطفين والناشطين في المجتمع المدني، وبعد تهرّب جيش الإسلام من الإجابة عن ملف المختطفين.

1) بن حرز الله، مراد: الاختطاف في علم الاجتماع الجنائي، مجلة العلوم الإنسانية، المركز الجامعي تندوف، العدد 03، ديسمبر 2017.

2) لا أثر، ضحايا الاختفاء القسري في سورية، آب/ أغسطس 2015، تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان والمرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان.

أتوجّه بوافر الشكر للأستاذ ياسين السويحة لإضاءة بعض الجوانب في ملف المختطفين.

_____

(*) من المواضيع المشاركة في مسابقة (حسين العودات للصحافة العربية – 2019).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق