سلايدرقضايا المجتمع

أطلَقوا جسدي وتركوا روحي مدفونة

قضيتُ في سجون الأسد الإجرامية تسعة أشهر في عام 2016، كنت فيها خارجةً عن الحياة فعليًا، ذنبي أنّي مارست أنشطةً إنسانية لا أكثر، بدأت رحلة مُعاناتي من فرع الأمن العسكري في محافظة حماة، هناك هدّدوني باقتياد أطفالي إلى أقبية الفرع وتعذيبهم أمام عيني، إن لم أوقّع ورقة الاعترافات، وترجموا ابتزازهم بجلب أختي الصغرى لجانبي للضغط عليّ أكثر. وقّعتُ على ورقةٍ كتبوها هم، حتّى الآن لا أعلم ما مضمونها، ثُمّ حولوني إلى مخفر شرطة “كفر سوسة” في دمشق، ثُمّ إلى جناح الإرهاب في “سجن عدرا المركزي”، حيث قضيت داخله سبعة أشهر إلى أن ورد اسمي في صفقة تبادل الأسرى، بين المعارضة ونظام الأسد المجرم، لأدخل في مرحلةٍ جديدةٍ من حلقات المُعاناة والأسى.

أخبروني أن أجهّز أمتعتي فقد جاء أخيرًا قرار الإفراج، ودّعت زميلاتي، ودموع الفرح تتغلب على دمعة فراق المظلومات، أطفالي الثلاثة أمام عيني، كم أتوق لأصواتهم، لرؤيتهم، لضمّهم، لكنّ الجلّادين المُجرمين اقتادوني إلى “فرع الأمن العسكري” في دمشق، كم هو مختلف عن “سجن عدرا المركزي”، أصوات المُعذّبين وصرخات المُعذّبات تدوي في أرجاء الفرع، لا يوجد لحظات صامتة، الضجيج دائمًا يملأ المكان، حمّام منزلنا أكبر من الزنزانة الانفرادية التي وضعوني فيها، وهناك فأرة صغيرة تُقاسمني “رغيف الخبز” حصّتي اليومية من الطعام.

قبل خروجي بأيام، اقتادوني إلى غرفة التعذيب، الكهرباء وصلت إلى جسدي في حين كانت مقطوعةً عن المُحاصرين ظلمًا وعدوانًا في “الغوطة الشرقية”، أمّا الشبح، بالرغم من تخديره الأعصاب، فكنت اعتبره كحصّة “يوغا” بشكلٍ طوعي، وعلى قدر ما تأكل “الكرباج” نتيجة ضربه بجسدي حزنت عليه، الحرق بالسجائر كان عاديًا، فلا بدّ للسيجارة التي تُسعد بعضنا أن تُطفأ بمقامٍ رفيعٍ، وهل هناك رفعة في العالم أكثر من رفعة المرأة السورية؟ والمخدرات كُنتُ اعتبرها علاجًا مُؤقّتًا لمرضٍ مفروضٍ بحقّي بحكم الدكتاتورية والاستبداد، والدماء المنتشرة في الأرض وعلى كل الجدران والأبواب تخيلتها لوحةً فنيّةً، تُحفّز المُحيط على التمسك بالحرية، لكن “الاغتصاب الجنسي” ذاك الشيء الذي لم أجد له وصفًا ساخرًا يليق فيه.

إحدى العبارات -لا أعرف مصدرها- تقول: “إذا حاول أحدهم اغتصابك ولم تستطع أن تقاوم؛ فحاول أن تستمتع”، نعم قد تُجدي هذه العبارة نفعًا في اغتصاب المجتمع لك ما بعد السجن، قد تُجدي نفعًا أمام نظراتهم الخبيثة ذكورًا وإناثًا، قد تُجدي نفعًا أمام المُنظّمات “الخلّبية” المعنية برعاية من تعرّض للاعتقال في سجون الإجرام، قد تُجدي نفعًا أمام تخلّي أقرب المُقرّبين إليك. هل سألتم كم مُعتقلة طُلقت وحُرمت من أطفالها من دون ذنب، أو كم مُعتقلة تُركت فريسةً لمجتمعٍ تجرّد من قيمه التي كان يتباهى بامتلاكها أمام كُلّ العالم، قد تُجدي نفعًا أمام أقلام الصحفيين الذين يضعون كُلّ أسئلتهم في زوايا جانبية، ويُوجّهون كاميراتهم بشكلٍ أساسي على جزئية الاغتصاب، لكن هذه المقولة لن تُجدي نفعًا داخل السجن، هناك اجتثّوا لمعة مُقلتي، سرقوا ابتسامتي، سلبوا شخصيتي، وحاولوا بكلّ السُبل تجريدي من إنسانيتي..

إنسانةٌ أنا، رغم تآمر الظروف، لكن هل أنجبُ طفلًا مجهول النسب؟ جميعهم نصحوني بعدم إسقاط الجنين، فلا ذنبَ له فيما جرى ويجري، لكنّهم رفضوا تسجيله في دفاترهم العائلية، أجهضتُ ولدي وكان له أربعة أشهرٍ بأحشائي، فشلت العقاقير الدوائية في ذلك، فلجأت إلى مواد التنظيف ولا سيّما الكلور.

نور الشمس يُسبّب لي الإزعاج، الهواء يُضيّق أنفاسي، أُمضي ساعاتٍ وحدي صامتةً واضعةً رأسي على ركبتي كما كُنت في السجن، أستحمّ عدّة مراتٍ لنسيان لمساتهم وقذارتها، أستيقظ صارخةً ابتعدوا عنّي، مُحاولاتٍ فاشلةٍ للنسيان تقودني دائمًا إلى زنزانتي المُعتمة مُتسائلةً: ماذا فعلتُ ليغتصبوا جسدي، ليغتصبوا كرامتي، ليغتصبوا أمومتي، ماذا فعلتُ حتّى تحوّلت نظرات المجتمع إلى سوطٍ وقعه أصعب وأشدّ مّما تعرّضت له داخل السجون.

ربّما قد فكّوا أسر جسدي الذي يتنفس، رغم محاولات خنقه من أُناس اعتقدت يومًا أنّهم كرسوا أنفسهم لخدمة من مثلي ولا أقصد هنا “العوام”، لكنّهم احتفظوا بروحي هناك في أقبية المعتقلات وتفاصيل السجون، هناك حيث تُعتقل الكثير من السيّدات المظلومات حتى يومنا هذا، هناك حيث الحدود الدنيا من الإساءات اللفظية التي لا يجب أن تسمعها الأنثى، هناك تركوا روحي مدفونة.

_____

(*) من المواضيع المشاركة في مسابقة (حسين العودات للصحافة العربية – 2019).

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق