سلايدرقضايا المجتمع

الأنثى السورية المعتقلة… تاءُ تأنيثٍ في أبجدية المجتمع

قالت بصوتها الخافت ولهجتها القروية المحكية: “ما بدك تعرف إذا اغتصبوني”؟

بعد هذا السؤال، في أثناء ختام إحدى عمليّات توثيق الانتهاكات المُرتكبة بحقّ النساء السوريّات الّلواتي تم احتجازهنّ تعسّفيًا في سجون نظام الأسد، وأقبية أجهزته الأمنيّة، وزنازين ثكناته العسكرية “السرّية والرسمية”، فطنتُ لجرحٍ رهيبٍ تعشيه أكثرهنّ وسط الصمت والعُزلة، وكنت قد التمست ذلك نسبيًا، إلّا أنّها أكّدته بعفوية.

أثناء مُقارعة الشعب السوري للاحتلال الفرنسي في القرن الماضي، شاركت المرأة إلى جانب الرجل في أنشطة المقاومة وتعرّضت للملاحقة والاعتقال، وازدادت وقارًا واكتسبت مكانةً مرموقةً في وسطها الاجتماعي، لجرأتها وتضحياتها، إضافةً إلى القيم السامية التي ناضلت من أجلها.

بعد مُصادرة الأسد الأب للقرار السوري بانقلابٍ عسكري؛ أصحبت البلاد بأكملها غرفة تعذيب ومكانًا للرعب الوحشيّ، وتساوت النساء مع الرجال في مرارة البؤس والظلم المُطلق.

في التاريخ الحديث الذي يُوصف بأنه أشد الفترات قسوةً، وأنه نقطة تحوّلٍ مفصلية، على إثر انطلاق الثورة السورية عام 2011 بوجه نظام بشار الأسد؛ رفضت المرأة -على اختلاف انتمائها الفكري والسياسي والطائفي- الوقوف مُتفرّجةً مكتوفة الأيدي، وفرضت حضورها المُميّز في مسارات الحراك الثوري كافة، ولا سيما الإنساني منه، وكانت إرادتها جزءًا في كُلّ تفصيل، هي الشهيدة والكاتبة والصحفية والمعتقلة والممرضة والمُهجّرة واللاجئة والمعلمة، هي “أم وأخت وزوجة” للشهيد والكاتب والصحفي والمعتقل والممرض والمُهجّر واللاجئ. وعقابًا على دورها، وسّعت الأجهزة الأمنيّة في نظام الأسد حملات الاعتقال ضدّها، مُلاحقةً إيّاها في الأماكن العامّة، كالـ “الجامعات والمُستشفيات” والملكيات الخاصّة، وعلى نقاط التفتيش من دون استثناءٍ لمن ليس لها علاقة بالحراك الثائر أو لطفلةٍ قاصرةٍ أو لعجوز ومن دون اتّهامٍ مُحدّد، وزُجّت في زنازين السجون والأقبية المُظلمة، ومُورست عليها انتهاكات جسيمة ومنهجية في إطار استراتيجيةٍ عسكريةٍ متعمّدة، بدءًا بالإساءات الّلفظية والسحل والضرب بالعصي والحديد والأسلاك والحرق والصعق والتهديد والحرمان والإجهاض والتعليق بالسقف من اليدين ساعاتٍ طويلة، والإذلال كأن تُجبر على تناول الطعام الملقى على الأرض فوق الدماء، وصولًا إلى الاغتصاب الجنسي أمام أطفالها، قبل وأثناء وبعد الاستجواب، بلا أيّ رادعٍ أخلاقي.

حتّى اليوم، لا يوجد آلية واضحة في تعامل نظام الأسد مع المرأة المُعتقلة، فقد يتمّ إطلاق سراحها من مكان الاحتجاز، أو يُفرج عنها ضمن اتّفاق لتبادل الأسرى، أو تُحوّل إلى سجنٍ مدنيٍّ حيث تُوضع مع المُحتجزات بتهم تجارة المخدّرات، وغيرها من القضايا الجنائية وغير الأخلاقية أو تُقدّم للمحاكمة.

نادرًا ما تتمكّن الأسرة من معرفة مكان احتجاز امرأة تنتمي إليها، وإن عرفت مكانها فإنها تُحرَم من زيارتها، وإن تمّت الزيارة، بشكلٍ أو بآخر، فإنها تُمنع من تزويد المُحتجزة بالطعام والدواء ولوازم النظافة الشخصية، كما أنّها ممنوعة من توكيل محامٍ للدفاع عنها، ويرتبط قرار الإفراج بمزاج وتقدير ضبّاط الأمن، فضلًا عن أنّ أماكن الاحتجاز لا تخضع لأيّ إشرافٍ من المنظّمات الدولية والمحليّة المعنيّة بحقوق الإنسان.

نظرًا إلى معايير مختلفة “أيديولوجية أو اجتماعية”، نرى أن أكثر المناطق السورية تتبنّى منظورًا مُحافظًا تجاه المرأة عمومًا، ولهذا السبب قد تنتقل مأساة المرأة المُعتقلة، من تفاصيل سجنها لتعيشها بشكلٍ مُتفاقمٍ ومُضاعف في حياتها الجديدة (بعد الإفراج عنها) نتيجة لرواج فكرة أن “أيّ امرأة اعتُقلت تكون قد اغتُصبت”، وربّما كان لتمادي وسائل الإعلام، بالترويج لتلك المقولة، أثرٌ في ذلك، ويبقى هذا الرواج ملازمًا لها أينما حلّت، وتكمن مُعاناتها في تجاهلها كضحيّة، وتحميلها توابع ما تعرّضت له داخل السجون، من تعذيبٍ أو اغتصاب أو حمل جنين، وغالبًا ما يتم نبذها من أسرتها، وتُطلّق من زوجها، وتُسرّح من عملها، ويعزف أرباب العمل عن تشغيلها، ويراها بعض الرجال من أبناء جنسيّتها فريسة له، إضافةً إلى نظرات الشفقة حينًا والاستغلال حينًا آخر، لتتشكّل لديها صدمة نفسية شديدة مصحوبة بقلق وإحباط، فتظل منطويةً على ذاتها، ومُعتزلةً للمجتمع، فاقدةً الثقة بنفسها، ويتراءى لها صعوبة في بناء أيّ علاقة مشروعة مع الجنس الآخر.

في الوقت الذي تُحاول فيه المؤسسات الحقوقية تأكيد وقوع جريمة الاغتصاب بحقّ النساءٍ المُعتقلات في سجون “نظام الأسد”، ترفض معظم المعتقلات التحدّث عن التجربة التي فُرضت عليهنّ، بناءً على نصائح النسوة السابقات الّلواتي أدركن عدم وعي المجتمع، بالرغم من الحرب التي تُعدّ أكاديميةً سياسيةً “بنظر البعض” ويخوضها منذ ثمانية أعوام، فالمجتمع عينه ما يزال يُطلق اتّهاماتٍ مُبطّنة، ويستمر في عدم التفريق بين مُعتقلة رأي وسجينة جنائية، ومن أفراده من تجاوز هذا الحد مُشابهًا نظام الأسد الذي أطلق تُهمة “جهاد النكاح”.

السيدة المُعتقلة السابقة (نون) تخلّت عنها عائلتها وتركتها تفترش الأرصفة في بلاد اللجوء، وقد حاولت الانتحار أكثر من مرّة، من جراء التحرّش بها من قبل من يُقدّمون لها المساعدات لدفع إيجار المنزل وشراء أساسيات المعيشة، والسيدة (تاء) غادرها زوجها عائدًا إلى دمشق بضغطٍ من أهله، تاركًا لها ثلاثة أطفال صغار، وباتت تتمنى لو أنّها لم تخرج من السجن، فهناك التعذيب مصدره عدوٍ لا يرحم، والفتاة (ياء) تدعو الله أنْ يُفقدها ذاكرتها، فما تعرّضت له في سجون نظام الأسد يأبى مُغادرة حياتها يُنغص لحظاتها.

أمام اكتظاظ صفحات التواصل الاجتماعي بالتعاطف مع المرأة المُعتقلة، والتباكي عليها وطرح الملف بكثافة عبر وسائل الإعلام والحملات الشعبية، وأمام تراجع الأفكار الإنسانية، لا بدّ من وضع حدٍ للفظائع التي تتعرض لها النساء المُعتقلات سابقًا، عبر اتخاذ خطوات واسعة الأفق، مُبشّرةً بالأمل، تهدف بالدرجة الأولى إلى توعية مجتمعنا المحلّي، بغية التصدّي للأفكار السائدة حول المرأة، وبخاصّة التي تعرّضت للاعتقال والتغييب القسري، وفي مسار آخر تمكين المرأة المُفرج عنها اقتصاديًا، من خلال إقامة مشاريع تشغيلية تُعنى بها، وتُقدّم لها فرص عمل كريمة تحفظ لها حقوقها، وتطوير قدراتها التعليمية والثقافية، من خلال دورات تدريبية مُخصّصة لها، واستثمار طاقتها لتشارك في بناء الوطن مُستقبلًا، واستمرار الضغط الشعبي والمؤسساتي على منظّمة الأمم المتّحدة وشركائها، لإجبار “نظام الأسد” على إطلاق سراح كافّة المُعتقلين من سجونه، وُمحاسبة المُتورّطين بعمليات انتهاك حقوق الإنسان، تحقيقًا للعدالة.

علينا إدراك أنّ المرأة السورية التي كانت في المُعتقلات تُصارع الجدران لتبقى على قيد الحياة، يكفيها بلاءً أن تكون ضحيّة نظامٍ مُجرمٍ يسعى لإذلال السوريين بكافة الوسائل، وهدفه من اعتقالها كسر مُعارضيه، عبر استخدامها كورقة ضغط بحقّهم وللمساومة في عمليّات تبادل الأسرى، فلا يجب أن نُضاعف مُعاناتها، ونجعلها ضحيّةً بشكلٍ مُزدوج حينًا للعادات والتقاليد، وحينًا آخر لظروف الاعتقال، فهذه المرأة السورية التي أثبتت شجاعةً وصبرًا وحكمةً فائقة، هي أيقونة الاستمرار، إنّها “تاء التأنيث” الّتي علّمتنا أنّ صمت الرجال عورةً وصوتها ألف ثورة.

_____

(*) من المواضيع المشاركة في مسابقة (حسين العودات للصحافة العربية – 2019).

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق