مقالات الرأي

مستجدات حول سورية لا بدّ من الانتباه إليها

المعارك في ريف حماة وإدلب، والبطولات التي أظهرها المقاتلون ضد النظام، لم تتوقعها روسيا، وقد أنهكها الانتظار للوصول إلى مرحلة البناء والسلم، لكي تجني ثمار تدخلها العسكري ودعمها لنظام الأسد، الذي كلما اقتربت الحرب من نهايتها؛ ازدادت القناعة بأن الأسد وعصابته ليسوا هم الشركاء المقبولين لمرحلة البناء الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والمصالحات الوطنية وإعادة اللاجئين. هذا من جهة.

ومن جهة أخرى، لنتوقف بتمعن عند مغزى اللقاء الأمني الروسي الأميركي الإسرائيلي الرفيع في القدس الغربية (24 حزيران/ يونيو)، وبعده لقاء القمة الروسية الأميركية في قمة مجموعة العشرين في اليابان (28 حزيران/ يونيو) والضربات الإسرائيلية ضد مواقع عسكرية وبحثية مهمة في سورية، من دون أن تكون هناك ردات فعل قوية من أحد.

والضغوطات المتزايدة على إيران وأتباعها، بما فيها ضد 3 نواب مهمين لـ (حزب الله) في البرلمان اللبناني، واحتجاز ناقلة نفط كبيرة تابعة لإيران كانت متجهة للنظام السوري. هناك متغيرات سياسية وميدانية فضلًا عن المستجدات الأمنية والعسكرية التي تسترعي الانتباه والقراءة الصحيحة.

ما أعتقده هو أن مرحلة جديدة تلوح معالمها في الأفق، حول سورية، والسبب هو أن الخطة الإسرائيلية القاضية بتدمير سورية بنية تحتية وجيشًا ومجتمعًا قد تحققت. وللأسف ما زال السوريون يبحثون عن دور لهم وموقع في تقرير مصير البلاد. ويتوهم البعض بأننا لا حول ولا قوة لنا، باعتبار أن الحل بيد القوى العظمى والإقليمية، لكني أرى أن الشعب السوري هو الرقم الصعب في أي معادلة تُركّب للمستقبل. ومن دون إرضاء الشعب السوري لن يكون هناك استقرار، ومن دون استقرار لا يوجد مستقبل لروسيا في سورية. علمًا أن إيران تناسبها الفوضى وأميركا كذلك. ولكنني متأكد أن الروس الذين كانوا يتوهمون بأنهم قادرون على حسم الأمور في سورية خلال ثلاثة أشهر في خريف 2015، اقتنعوا الآن بأن كسر إرادة السوريين مكلف جدًا، على الأقل ماديًا وبشريًا واقتصاديًا.

لا أستبعد أن يقوم الأميركيون باستنزاف طاقات الروس والإيرانيين في سورية بصراعات عسكري، مثلًا عن طريق خلايا (داعش) النائمة من جديد، لتخلق فوضى جديدة والأميركان هم الطرف المتفرج ومعهم “إسرائيل”. هذا بتزامن مع عقوبات مؤلمة على الاقتصاد الإيراني والروسي.

بالرغم من كل ذلك من واجبنا التفكير في مخارج للوضع في سورية، تلبّي مصالح الشعب السوري بحدود مقبولة وبنفس الوقت توافق عليها القوى الفاعلة في الأرض السورية.

أصبحت الكثير من الحقائق اليوم واضحة حول المشهد السوري، فلا توجد دول انخرطت في الأحداث السورية حبًا بالشعب السوري، بل الكل يبحث عن مصالحه. ويقال إن السياسة قذرة والبحث عن الربح يقود أصحاب رأس المال حتى إلى خوض حروب محلية أو حتى عالمية من أجل أرباحهم. وقد يقول قائل: ما هي المصالح الاقتصادية في سورية؟

الحقيقة أن الصراع على الأرض السورية لا تقف وراءه مصالح اقتصادية مباشرة، بقدر ما هي جيوسياسية ومحاولة استخدام سورية كورقة للمقايضة في سوق النخاسة العالمية.

يجب أن نعترف بأن السوريين للأسف لم يبلوروا بعدُ جسمًا سياسيًا وطنيًا وثوريًا مستقلًا وفاعلًا لأن الموضوع صعب، علمًا أن هناك جهودًا لكنها لم تثمر بعد ولهذا الموضوع قصة وحديث خاص. ولكن مهما كانت الحال، فأنا على قناعة بأن العالم لا يستطيع تجاهل دور السوريين لأن الشعب السوري هو من قام بثورة عظيمة هزت المنطقة بكاملها، عداك عن كسر ظهر النظام الذي اضطر إلى بيع سورية للإيرانيين والروس، مقابل حمايته والحفاظ على كرسيه وقد انتهى دوره. الثورة والتضحيات الهائلة للشعب السوري لن يكون ثمنها أقلّ من رحيل عصابة الأسد. ولكن ماذا عن بقية التفاصيل؟

أمام شعبنا وقواها الوطنية تحديات كبرى يجب الاستعداد لمجابهتها. فلا يعقل أن نبقى مشتتين، من دون صوت وطني مستقل قوي يدافع عن مطالب الشعب السوري ويتمسك بها.

القوى المحتلة لسورية تعرف جيدًا أن بقاءها في سورية رهن بالاستقرار. والاستقرار له وجهان: إما في ظل نظام شمولي كنظام الأسد وهذا أقل حظًا لأنه انهزم أمام الشعب السوري وأمام العالم. وهناك استقرار قائم على احترام حقوق المواطنين وكرامتهم وهذا ما نطمح إليه.

ويجب أن ندرك بأن لا أحد في العالم مستعد ليقدّم لنا، على طبق من ذهب، ما نصبو إليه، بل التقاطعات الدولية والإقليمية والمحلية هي التي ستحدد معالم المستقبل. ومنهم “إسرائيل” التي تريد ضمان أمن حدودها والتي كان بشار الأسد، وأبوه من قبل، الحامي الأمين لـ “حدود إسرائيل”. ولكن حتى الأصدقاء والحلفاء قابلون لتغيير مواقفهم في السياسة الدولية.

باختصار نحن -السوريين- قدّمنا وضحينا ومن حقنا جني ثمار هذه التضحيات الجسيمة وفاء لدماء الطاهرة التي أرهقت في ساحة النضال من أجل الحرية والتخلص من الظلم والاستبداد والفساد.

طريق النضال من أجل الحقوق طويل ومعقد، والمهم ألا نستسلم للدعاية والإعلام المحبط لهمتنا كسوريين، وما ضاع حق وراءه شعب مطالب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق