مقالات الرأي

الأسد وسيطًا بين إيران و”إسرائيل”

خلال الأسبوع الفائت، وبُعيد زيارة وزير الشؤون الخارجية العماني، يوسف بن علوي، إلى دمشق، تولت صحيفتان: الأولى سعودية (عكاظ)، والثانية ممولة إماراتيًا (العرب اللندنية)، تقديم تسريبات مزعومة، بخصوص مضمون المحادثات التي أجراها الوزير العماني مع رأس النظام السوري، بشار الأسد.

وكان محتوى ما قالته صحيفة (عكاظ) السعودية أشبه بالمبالغات التي تنشرها الصحف الممولة حكوميًا، بهدف التشويش على مبادرات أو حراك دبلوماسي لا ترضى عنه الحكومة الممولة للصحيفة. إذ نقلت (عكاظ) عن مصدر وصفته بـ “السوري” أن محادثات دمشق تضمنت عرض صفقة مدعومة إقليميًا ودوليًا، بأن يبقى الأسد في حكم البلاد، مقابل الإعلان عن إنهاء الحرب، وأن يطلب من إيران، مغادرة الأراضي السورية. وبحسب الصحيفة السعودية، فإن هذه الصفقة تحظى بدعم إسرائيلي.

وكان لافتًا أن الصحيفة السعودية عنونت تقريرها بعبارة مستفزة للإيرانيين: “البقاء مقابل كنس إيران”، الأمر الذي يؤكد أن هدف الصحيفة كان التشويش على مبادرة يعمل الوزير العماني على إنجاحها، ويبدو أنها لا تُرضي السعودية.

أما التقرير الذي نشرته صحيفة (العرب) اللندنية، الممولة إماراتيًا، فكان أكثر حرفية، ويتضمن لهجة أقل استفزازًا، واستخدم تعبير “وساطة”، وليس “صفقة”، في إشارة إلى ما قام به بن علوي في دمشق. ناهيك عن أن (العرب) قالت إن مصادرها كانت دبلوماسية عربية.

وتشمل الوساطة، وفق (العرب)، البحث في ترتيبات تتعلق بالوجود الإيراني في سورية، قد تُرضي “إسرائيل”، خاصة في ما يتعلق بجنوب سورية (درعا والقنيطرة)، بصورة تسمح بتهدئة التوتر الأميركي – الإيراني، الذي يهدد بانفجار في الخليج.

ويوحي مضمون ما نشرته صحيفة (العرب) برضًى إماراتي مبدئي، حيال الوساطة العمانية. وهو ما يؤكد حالة الافتراق بين السعودية والإمارات في الموقف حيال التوترات في الخليج، بين الأميركيين والإيرانيين. إذ يبدو الإماراتيون أكثر خشية من الانزلاق إلى مواجهة عسكرية كبرى في الخليج، أو في حدود أدنى، الخشية من أن يتطور التصعيد من الجانب الإيراني، في سياق عمليات مهاجمة السفن الناقلة للنفط التي تعبر مضيق هرمز. وما يدعم هذه النظرية، أن الإمارات قررت تقليص وجودها العسكري في اليمن. ويبدو أنها كانت بصدد الانسحاب الكامل من هناك، لولا الضغط السعودي في اللحظة الأخيرة.

فالإمارات التي تملك واجهة بحرية كبيرة على الخليج، تشكل المصدر الرئيس لقوتها الناعمة، متمثلة في أسطورة إمارة دبي، الجاذبة للاستثمار والنشاطات السياحية والمصرفية، هي بلا شك، ستكون من أكبر المتضررين من جراء تصعيد التوتر العسكري في الخليج، مقارنة بالسعودية مثلًا.

وما يدعم التسريبات التي نقلتها صحيفة (العرب) الممولة إماراتيًا، بخصوص محتوى ما دار في دمشق، بين بن علوي والأسد، هو أن الأول جاء إلى دمشق قادمًا من الأردن، مما يعني أن التركيز في مناقشات دمشق كان منصبًا بالفعل، على المنطقة الجنوبية بسورية، التي تملك الأردن خبرة وعلاقات وطيدة مع عائلاتها. وهو الحيز الجغرافي الرئيس الذي يعني “أمن إسرائيل”، في سورية.

وبخلاف ما قالته صحيفة (عكاظ) السعودية، من أن بن علوي طلب من الأسد “كنس” الإيرانيين من سورية، وهو توصيف غير واقعي، لا من ناحية الحيادية التي عُرفت عن الدبلوماسية العمانية، وعلاقاتها الوطيدة مع إيران، ولا من جهة قدرة الأسد ذاته على طرد الإيرانيين من سورية، بالقوة.. يبدو في المقابل، أن طرح (العرب) أقرب لما يمكن تصور حدوثه في محادثات دمشق، حيث تسعى عُمان لأن يكون بشار الأسد طرفًا في تليين المواقف الإيرانية، تحديدًا. فهو حليف إيران التاريخي، وفي نفس الوقت، هو الرجل الذي ما تزال “إسرائيل” تحبّذ قيادته لسورية. باختصار: بشار الأسد نقطة تلاقٍ إيرانية – إسرائيلية، وهو ما تعمل الدبلوماسية العُمانية على استثماره، علّه ينجح، أي الأسد، في تخفيف “الصلف” الإيراني، بصورة تسمح بتفاهمات تطمئن “إسرائيل”، حيال أمنها من جانب الجنوب السوري، وفي نفس الوقت، تسمح بتهدئة التوترات الأميركية – الإيرانية في الخليج، وتفتح بابًا، ربما، للتوطئة، لمسار تفاوضي جديد، بين طهران وواشنطن، قد تكون مسقط، مجددًا، مقرّ اللقاءات السرّية الأولى فيه.

بالنسبة إلى الأسد، يبدو أن الأخير في ظرف يسمح له بقطاف ثمار تناقضات حلفائه وخصومهم، الذين ليسوا خصومه بالضرورة. فهل ينجح الأسد في أن يكون الوسيط بين طهران وتل أبيب؟ جواب ذلك يبقى معلّقًا. ذلك أن براعة الأسد ورموزه في الدبلوماسية، لطالما كانت أقل بعشرات المرات، مقارنة ببراعتهم في عالم القتل والترهيب بحق السوريين. لكن رغم ذلك، تأتي رياح الظروف الإقليمية والدولية في صالحهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق