سلايدرقضايا المجتمع

زوجات المعتقلين والمفقودين في سورية ضحايا النسيان والأزمات القانونية

تصرّ عائشة للسنة الرابعة على انتظار زوجها، الذي اعتُقل على أحد حواجز قوات النظام السوري، في مدينة التل بريف دمشق عام 2015، على الرغم من أنها لا تعلم أي خبر عنه. عائشة ذات التاسعة والعشرين ربيعًا، والأم لطفلين، التي نزحت بعد سيطرة قوات النظام على المدينة ضمن مصالحة محلية، هي واحدة من آلاف ما بات يسمى بزوجات المعتقلين والمفقودين في سورية، وهي الصفة التي أُطلقت على نساء غاب أزواجهن عنهن قسرًا، وبتن لا يعلمن عنهم أي شيء.

وتُعاني هذه الفئة من النساء أوضاعًا قانونية واجتماعية واقتصادية صعبة، ولا سيّما في المناطق الخارجة عن سيطرة قوات النظام السوري، تبدأ بمواجهة أعباء الحياة داخل البلاد وخارجها بمفردهن، وسط جدل كبير حول إيجاد حلول لهن تنطلق من تعقيدات المجتمع إلى عراقيل قانونية، مرورًا باجتهادات رجال الدين المختلفة، حول طلب بعضهن الانفصال عن أزواجهن، وزواجهن مرة أخرى.

حتى اليوم لا توجد إحصائيات دقيقة يمكن الاعتماد عليها حول عدد “زوجات المعتقلين والمفقودين”،  لكن دراسة ميدانية للمفوضية العليا للاجئين حملت عنوان “صراع اللاجئات السوريات من أجل البقاء”، تحدثت عن أكثر من 145 ألف لاجئة سورية تُدرن بيوتهنّ بمفردهنّ، واضطررن إلى استلام زمام أمور الأسرة بعد فقدان الرجال.

اجتهادات شرعية

على عكس عائشة فضلت اللاجئة السورية مروى، المقيمة في إدلب، أنّ تتقدم بطلب إلى المحكمة الشرعية للتفريق عن زوجها الغائب. تقول مروى التي اشترطت عدم ذكر اسمها الكامل لأسباب خاصة: “اعتُقل زوجي أمام عيني على حواجز النظام قرب مدينة حماة، كنت حينها عروسًا لم أكمل السنة الأولى بعد، حاولت مرارًا معرفة مصير زوجي، وأخبرني أحد الأشخاص أنه كان معتقلًا معه في فرع المخابرات الجوية، قبل أن يتم نقله إلى مكان لا يعرفه”. وقررت مروى بعد ثلاث سنوات من الانتظار طلب التفريق عن زوجها، والبدء بحياة جديدة، بعد يأسها من عودته، على الرغم من معارضة أهلها وخوفهم من نظرة المجتمع ، وقالت: “قالت لي أمي: ستظهرين بنظرة الجميع خائنة لزوج يعاني الألم والقهر في المعتقل”، لكن في المقابل ترى مروى أن “المجتمع لا يرحم، جميعهم ينظرون إلينا بنظرة الشفقة فقط، ولا أحد يقدّر تعب الانتظار وما معنى أن تمرّ الأيام والأشهر ونحن معلّقين بالمجهول”. لجأت مروى إلى المحكمة الشرعية بمدينة معرة النعمان بريف ادلب، وحصلت على فتوى بجواز تفريقها عن زوجها. حال مروى مشابه لمئات الزوجات في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، بعضهن استطاع الحصول على ورقة تفريق، والبعض الآخر قوبل طلبه بالرفض.

لا يوجد إجماع في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام حول فتوى تفريق الزوجات عن أزواجهن الغائبين، حيث تتباين آراء علماء الدين في الأمر، لكن القاضي الشرعي في محكمة معرة النعمان مصطفى رحال، يرى أن المرأة التي “انقطعت أخبار زوجها في المعتقل، عليها أن تنتظره أربعة أعوام، وفق المذهب المالكي، لكن في حال كان الضرر كبيرًا، فيمكن للمرأة أن تطلب التفريق بعد مرور سنة على غياب زوجها”. ويوضح رحال في شهادته، أنّه “لا يوجد نص صريح في الشريعة الإسلامية، سواء آية قرانية أو حديث نبوي، لتقرير أمر زوجة المفقود، وإنما اجتهادات فقهية وأقوال الصحابة، ففي حين لا يعطي المذهب الحنفي والشافعي الزوجة هذا الحق لعدم قيام الدليل على حق الزوجة في طلب التفريق، أقر المذهبان الحنبلي والمالكي جواز ذلك بعد مدة زمنية لغياب الزوج، تقدّر بأكثر من ستة أشهر، مع وجود ضوابط شرعية، أهمها وقوع ضرر بالغ على الزوجة، وأن يكون الغياب لغير عذر كالسفر أو التجارة”.

مطبّات قانونية بين النظام والمعارضة

وفي ظل هذا الاختلاف الفقهي يعود للقاضي الحكم الفصل في جواز التفريق من عدمه في المحاكم الشرعية الخارجة عن سيطرة النظام، لكن تبقى إشكالية الاعتراف بهذا الطلاق في مؤسسات النظام قائمة.

الشابة غفران من مدينة حلب طُلّقت من زوجها المفقود في العام 2012 بعد انتظارها لعامين، وتزوجت بعد عدّة شرعية قررها قاضي الهيئة الشرعية في حي الشعار بحلب، أثناء سيطرة قوات المعارضة على المدينة، ووثقت طلاقها وزواجها في الهيئة الشرعية. لكن بعد سيطرة قوات النظام على حلب فُوجئت غفران بأنّ طلاقها غير معترف به في محاكم النظام، وهو مجرد حبر على ورق، حيث ما تزال على قيود زوجها القديم، في حين أن زواجها الجديد غير معترف به، ومن الصعب تسجيل ابنها الذي أنجبته من زوجها الجديد. مشاكل الاعتراف بواقعات الزواج والطلاق الصادرة عن المحاكم الشرعية في مناطق المعارضة كانت سببًا أيضا لحرمان بعض الزوجات من السفر خارج البلاد.

وبحسب المحامي عروة السوسي المقيم في ألمانيا، لا تعترف السلطات الألمانية إلا بالعقود الصادرة عن محاكم النظام السوري، وهذا الأمر تسبب بمشاكل كبيرة لبعض اللاجئين واللاجئات السوريات اللواتي وصلن إلى هنا، وسُجّل زواجهن في هذه المحاكم، بعض الزوجات ما تزال على قيود رجال آخرين، على الرغم من زواجهن مرة أخرى، وهذا ما يمنعهن من لم شمل عائلاتهن. ويؤكد السوسي من خلال حديثه أنّ “عددًا كبيرًا من النساء السوريات في تركيا ولبنان وسورية يعاني مشاكل غياب جهات توثق الطلاق رسميًا، على الرغم من غياب أزواجهن منذ سنوات، وهؤلاء النسوة لا يستطعن اللجوء إلى محاكم النظام بسبب الخوف من الاعتقال، الأمر الذي دفع بعضهن للحصول على وثيقة طلاق مزورة تستعين بها من أجل الزواج مرة أخرى”، وهذا الأمر كما يرى السوسي لا يحل أي مشكلة، وربما يعقدها أكثر، لأنّ زواجها الثاني أيضا لن يكون موثقًا، وستكون عرضًا لاستغلالها من الرجل أحيانا، وربما رميها أيضا من دون حقوق.

مع بداية الأحداث في سورية وتزايد الاعتقالات أصدر مفتي النظام السوري أحمد حسون فتوى تجيز لكل امرأة تثبت أن زوجها مفقود، الطلاق والزواج مرة أخرى، واستثنى حسون من هذه الفتوى الزوج الموجود في السجن، لأنه لا يُعدّ مفقودا وفق رأيه، هذه الفتوى لاقت حينها سخطا كبيرا واستهزاء من قبل بعض السوريين، لأنّ معظم المفقودين حاليًا هم في أفرع المخابرات السورية التي ترفض الإفصاح عن أوضاعهم.

في محاولة للإضاءة على الوضع القانوني لزوجات المعتقلين في مناطق النظام، تحدثنا إلى محامي ينشط في دمشق، لتوضيح الآلية التي يتم من خلالها تفريق زوجات المعتقلين والمفقودين في حال رغبتهن بذلك، وأكد المحامي الذي اشترط عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية، أنّ قضايا الخلع تحتاج إلى دعوى تقدمها الزوجة بنفسها مع وجود شهود، وفقًا للمادة 101 من قانون الأحوال الشخصية السوري، ويتم تبليغ الزوج إلى آخر مسكن له إن لم يُعرف عنوانه الحالي، وإن كان المسكن في منطقة ساخنة يتم تبليغه مذكرة الدعوى بإحدى الصحف الرسمية قبل خمسة عشر يومًا على الأقل من موعد الجلسة، ثم يُبلّغ ثانية مذكرة إخطار بالطريقة نفسها، ويصدر الحكم بغيابه، وبعدها تتم إجراءات التحكيم التي يجب أن تستغرق أكثر من شهر ثم يصدر الحكم. ونوّه المحامي إلى ضرورة ألا تذكر الزوجة أن زوجها معتقل، لأنه في هذه الحالة يتوجب عليها أن تحضر ورقة من النفوس تثبت وفاة زوجها، ليتم الموافقة على طلبها. لكن في المقابل تعاني زوجات المعتقلين والمفقودين في مناطق سيطرة النظام من مشكلة الحصول على الوثائق القانونية التي تتيح لهن تيسير أمور حياتهن اليومية في ظل انتظار أي خبر عن أزواجهن.

سناء (ع)، زوجة معتقل تقيم في دمشق، قالت في إفادة لها: “إنها مُنعت من السفر إلى لبنان مع أطفالها، نظرًا لعدم وجود إذن من ولي الأمر (الزوج)، كما أنها تواجه صعوبات أخرى للتصرف بممتلكات زوجها في ظل وفاة والد الزوج، وأخوه الوحيد سافر إلى أوروبا”.

عقد زواج غير شرعي

منذ سنوات طويلة، يصر النظام السوري على التعتيم عن أوضاع المعتقلين لديه، وينفي في معظم الأحيان وجودهم في سجونه، على الرغم من محاولات أُسرهم الوصول إليهم. في الوقت ذاته دفعت ظروف الحرب آلاف السوريين للجوء إلى دول أخرى، هربًا من المعارك، وأملًا في بناء حياة جديدة مستقرة. هذا الواقع أوجد آلاف الأسر السورية المفككة، ونتيجة الجهل وقعت بعض حالات الزواج غير الشرعية، كما يؤكد قاضي مكتب الأحوال الشخصية الخاص للاجئين السوريين في ولاية هاتاي بتركيا، شفيق الأحمد. وأوضح الأحمد خلال لقاء خاص في مكتبه أنّ بعض الزوجات اعتقدن أن بمجرد غياب الزوج وانقطاع أخباره أو سماع إشاعات عن مقتله، يمكنهن الزواج مرة أخرى من دون حكم القاضي بجواز التفريق، وهو أمر مخالف للشريعة الإسلامية ويُعدّ زواجًا غير شرعي. وأضاف القاضي أن ظروف الاعتقال والحرب لم تكن هي الوحيدة التي تركت هؤلاء النسوة من دون رجال، حيث ساهمت حملات الهجرة إلى أوروبا بزيادة هذه المعاناة، نتيجة انعدام المسؤولية لبعض الأزواج.

هذه الظروف مجتمعة دفعت بعض العلماء السوريين بتنسيق مع الحكومة التركية، إلى افتتاح مكتب خاص للأحوال الشخصية وفق قواعد الشريعة الإسلامية، يمكّن السوريين في دول اللجوء من حل هذه القضايا، بحيث تكون أحكام هذا المكتب موازية لأحكام المحاكم الشرعية في المناطق المحررة.

ويذهب الأحمد إلى القول: “بجواز التفريق بعد عام على الغياب، وتحصل الزوجة التي حصلت على الحكم على وثيقة تفريق مع ضمان حقوقها الشرعية”. وأكد القاضي ختامًا أنّ المكتب يستقبل يوميًا عشرات الحالات، بعضها من خارج تركيا مثل لبنان ودول أوروبا، للبتّ فيها، مضيفا في الوقت ذاته أنّ “ما يقارب خُمس هذه الحالات هي لزوجات سافر أزواجهن إلى أوروبا ولم يستطعن اللحاق بهم”.

نظرة المجتمع والضغوط النفسية

منذ بداية الثورة في سورية كسبت زوجات المعتقلين والمفقودين في سورية تعاطفًا اجتماعيًا كبيرًا، نظرًا للضرر الحاصل لهنّ، وعملت الجمعيات الإغاثية ومنظمات المجتمع المدني على وضع هؤلاء النساء في سُلّم أولويات المساعدات. لكن غالبا ما تعاني النساء اللواتي يفضلن الانفصال من أزواجهن المفقودين من بعض الانتقاد في الوسط الاجتماعي، ولا سيّما إن كان بصحبتها أطفال، ليتسبب هذا الأمر بمشاكل من عائلات المعتقلين.

“لن أسلم من كلام الناس وثرثرتهم مهما فعلت”، بهذه العبارة علّقت منى ذات الرابعة والعشرين عامًا، المقيمة في مدينة جسر الشغور بريف إدلب، على الضغوط الاجتماعية التي رافقتها حين تقديمها طلب الانفصال عن زوجها، ودخولها بمشاكل كبيرة من أهل زوجها. وقالت: “طوال هذه المدة لم يسألني أهل زوجي المقيمون خارج البلد، كيف تعيشين؟ ولم يقدموا لي أي مساعدة، لكنهم تدخلوا عندما سمعوا برغبتي في الانفصال، صرتُ أكره نظرات الشفقة التي يظهرها الناس لي عند معرفتهم بأني زوجة معتقل، هذا بالإضافة إلى القيل والقال عند عملي في أي مجال، لذلك اخترت الانفصال والبدء بحياة جديدة”.

وتستنكر مريم خطاب، وهي مديرة مركز نسائي لمساعدة زوجات المعتقلين في مدينة كفرنبل، الضغوط الاجتماعية التي تُمارس على المرأة وفق رأيها، وترى أنّ “ثرثرة الناس هي ما تدفع المرأة للتفكير بالزواج مرة أخرى، بسبب نظرة الشفقة التي يظهرونها لها”، متسائلة في الوقت ذاته “إذا كانت الشريعة الإسلامية أحلّت لهن هذا الأمر فلماذا ينكر المجتمع؟”.

في السياق ذات، قالت المرشدة النفسية ياسمين البيك، التي تعمل في مركز الرعاية الاجتماعية بأنطاكيا التركية: إنّ “معظم حالات الطلاق التي تتم حاليًا هي لزوجات صغيرات في العمر، والسبب الرئيسي لها هو ضغوط المعيشة والمجتمع”. وغالبا ما تتزوج هؤلاء النسوة، وفق رأي الباحثة، من رجال كبار في السن، أو تكون المتزوجة هي المرأة الثانية، فيما تفضل بعض النسوة الانتظار على أمل إيجاد فرص أفضل. وترى البيك أن ظروف الاغتراب وضغط الأسرة ووجود أطفال غالبًا، يضع هؤلاء النساء أمام ضغوط نفسية هائلة، مشيرةً في الوقت ذاته إلى أنّ لهؤلاء النسوة طاقة لها حدود، ولكل امرأة حاجات نفسية وجسدية واقتصادية يجب أن تتمع بها، وأن تشعر بالأمان، وعلى المجتمع أن يقدّر هذه الحاجات.

أرقام وإحصاءات

وفق أرقام القصر العدلي في دمشق ارتفعت حالات الطلاق في المدينة عام 2017 إلى أعلى مستوياتها لتصل إلى 31% مقابل 24 % فقط العام 2016. وبلغ عدد حالات الطلاق في دمشق 7703 حالات، عام 2017، وفق ما نقلت صحيفة “الوطن” المحلية عن المحكمة القضائية. وبحسب الأرقام القضائية فإن نسبة الطلاق إلى الزواج لم تتجاوز 27% عام 2016، فيما تجاوزت 31% العام الماضي، بمعدل زيادة قدره 4 %.

ووفقاُ لما نقلته جريدة (الوطن) المحلية والمقربة من النظام السوري، عن المحكمة القضائية، فإن سبب ارتفاع نسبة الطلاق في دمشق يعود إلى غياب الزوج، مشيرة أن 6946 حالة طلاق كانت تحت بند “دعوى تفريق لعلّة الغياب”، إذ رفعت العديد من النساء دعوى تفريق بسبب طول مدة غياب أزواجهن  من دون أن يُعرف مماته من حياته. بالمقابل قدّر القاضي شفيق الأحمد مسؤول مكتب الأحوال الشخصية في هاتاي نسبة العائلات السورية في تركيا التي تفتقد أحد الزوجين بنحو 25 %. ومع غياب إحصاءات دقيقة لأعداد المعتقلين والمختفين قسريًا في سورية، وثّقت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” ما لا يقلّ عن 95056 شخصا لا يزالون قيد الاختفاء القسري في سورية حتى أب 2018، 85,9% من ضحايا الاختفاء القسري، يتحمّل مسؤوليتهم النظام السوري.

وتعكس هذه الأرقام عمق المشكلة الحقيقة التي يواجهها عدد لا بأس به من النساء السوريات، الأمر الذي يقتضي حلولًا قانونية تيّسر لهن أمورهن، واعترافًا اجتماعيًا بحقوقهن ودعمهن في مواجهة الظروف التي يعايشونها.

_____

(*) من المواضيع المشاركة في مسابقة (حسين العودات للصحافة العربية – 2019).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق