سلايدرقضايا المجتمع

علاقة الجلاد بالضحية في معتقلات الطغاة

تتجلى في المعتقلات في البلاد الواقعة تحت سلطة الطغيان، العلاقة الكثيفة والمجردة بين الحاكم والمحكوم، حيث تُعدّ تلك المعتقلات -وتأتي أقبية الفروع الأمنية في مقدمتها- مراكز السطوة الحقيقية للمستبد، وفيها يجتمع أكثر الحراس ولاء وشراسة في دولة الطغيان، مع أكثر المستضعفين والمستهدفين من قبل النظام على أنهم الخطر الأكبر عليه.

تُعدّ تلك الفروع مراكز لترويض أبناء البلاد الذين لا يستوي أن نسميهم مواطنين، لأنهم لا يتمتعون بأي صفة أو حق يؤهل حيازتهم تلك التسمية، سواء كانوا من المؤيدين للطاغية أم من المعارضين له، فممارسات الجلاد على ضحيته وانتشارها في أحاديث الناس اليومية ليست إلا سلوكًا يتم تعميمه، ليعي الإنسان ما الفرق بين الرضوخ والتمرد، وهو فرق شاسع طبعًا بين موقف الجلاد والضحية.

نظام الأسد المتأزم بدمويته هو أحد أكبر الأمثلة على هذا النمط من العلاقات، ومعتقلاته تكاد تشكل نموذجًا فريدًا في طريقة التعامل مع المقاومين لسطوته، يبدأ ذلك مع الخطاب الإعلامي الذي لا يزيح عن المعارضين إنسانيتهم فحسب، بل يعدّهم قيمةً مضادةً تهدد نمط الحياة والوجود المادي، لما يسميه الديكتاتور “شعبه الآمن المتجانس”، فهم مندسون أو مخربون أو عملاء أو خونة أو إرهابيون أو فاسدون، هم كل شيء مضاد لطبيعة المؤيد “الإنسانية”، بل كل البلاد وسكانها تصبح شيئًا لا يمتلك قيمة إنسانية إلا تلك المستمدة من الديكتاتور، ففي أحد خطاباته قال الأسد صراحةً: لا مشكلة في تخريب البلاد، لأنهم يريدون الاستحواذ عليها عامرة. وبذلك فخرابها لا ينقص من النصر، ما دام الأسد في السلطة. يستمرئ مؤيدو السلطة دماء الآخرين بعد موت الرباط الإنساني بين أبناء البلد الواحد، ونزع الأنسنة عن سكان المناطق الخارجة عن النظام، فتراهم يصفقون ويعدون الصواريخ والقذائف التي تنطلق من مناطقهم لتقتل سكان المناطق الأخرى، لكنهم قد يتمردون قليلًا لنقص سلعة أو خدمة، لأنهم يرفضون معاناة “الإنسان”.

إذا دخلنا إلى هناك في عتمة أقبية التحقيق، تتجرد العلاقة تمامًا، فهي مباشرة بين الضحية والجلاد، ويحكمها الصراع النفسي بينهما قبل كل شيء، ويتساءل كثر كيف يمكن لعناصر الأمن أن يكونوا بتلك الدموية تجاه إنسان خالٍ من أيّ وسيلة للدفاع عن نفسه ؟ الفكرة قائمة على عدم اعترافهم بإنسانية ضحيتهم، وإلا لترافق مع التعذيب حالة من الشعور بالذنب والقلق، ولكن يعدّ الجلاد ضحيته شيئًا لا يستحق أن يكون إنسانًا، بل ويصبغ عليه قيمة مضادة ليكون تعذيبه في سبيل قضية سامية، وهي حماية الوطن مثلًا، وتتعاظم وحشية الجلاد وتزداد قيمة الضحية انعدامًا في حال تواجد زعيم أو شخصية مركزية يتم اختزال القضية فيها، وبالتالي شخصنة القضية والدفاع المادي عنها، ويأتي التعذيب الجسدي للمعتقَلين في عمق ذلك الدفاع، وبالتالي كلما زادت وحشية الجلاد، كلما تماهى مع القائد والقضية أكثر، ومن آلاف الشهادات للمعتقلين نرى أن الغاية الرئيسية من التعذيب لا تكمن في استخراج الاعترافات، على الرغم من أنها قضية تنافسية بالنسبة للجلاد، فالجلاد الذي يحصن نفسه من خلال “تشييء” الضحية، ويزيدها حصانة بانتزاع الاعتراف منها، فالاعتراف هو انهيار كيان الضحية أمام جلاده، وإعلان نصره عليه، وكلما كسر الجلاد إرادة الضحية، هدر إنسانيتها بقدر أعمق، بل إن كيانه الذاتي مرتبط بكسر إرادة ضحاياه، وبخاصة أولئك الموكلين بالتعذيب، لاشيء سوى التعذيب، حيث أن فشلهم في المهمة يعني عدم أهميتهم من الأصل، لذلك يدافع الجلاد عن ذاته من خلال الإيغال بتعذيب المعتقَلِ لديه، ويمنع الجلاد المعتقَل لديه من احتفاظه بأي شيء له وحده، بدءًا من الإهانة اللفظية التي تركز على الوالدين والزوجة، وتتصاعد أحيانًا لمرحلة الفعل، واغتصاب أم أو زوجة أو ابنة المعتقل أمامه، وهو عاجز عن تحريك أي ساكن، ثم التعذيب الجسدي غير المنتظم وغير المتوقع، مترافقًا مع التعرية واستهداف المناطق الحساسة والجنسية، والاغتصاب عن طريق الأدوات أو مباشرًا بالنسبة للمُعتقَلات، الأمر الذي يحرم الإنسان من أي تملّك أو خصوصية حتى لأعضاء جسده، وبذلك يضرب الجلاد الضحية في هويتها البدائية المترتبطة بالعائلة والجسد، بل ويحول اسم الضحية إلى رقم يزيد هدرًا لهويته الإنسانية، ثم يأتي الاعتراف وبخاصة لدى المعتقل السياسي، ليشكل ضربة في عمق الوجدان لدى المعترِف، حيث يرى نفسه خان قضيته ورفاقه فيزداد جرح الأنا النرجسية لديه، وتنعدم قيمته حتى في نظره، ومع ذلك يستمر التعذيب، لأن غايته ليست سحب الاعترافات، وإنما التشويش على المعتقَل أكثر، وعدم قدرته على بناء منطق عقلاني لسبب تعذيبه، ويترافق ذلك مع إعادة كتابة اعترافاته مرات عديدة ليكتب أتفه أشياء حياته، ويتخلى عن خصوصيته لصالح الجلاد الذي يهدف من خلال ذلك إلى إثبات كيانه وإرواء تعلقه الرضوخي بنظام السلطة، وكلما سقطت خصوصية من خصوصيات المعتقل، كسب الجلاد نقطة، أي كلما أصبحت الضحية لا شيء، يصبح الجلاد كل شيء، ولا يخفف التعذيبَ والإهانة إلا الخضوع للجلاد، فأكثر ما يغيظ الجلاد مثلًا قدرة الضحية على الصمود والمحافظة على كيانها، لذلك نسمع القصص الكثيرة عن الاستمرار في التعذيب وزيادة شدته وجنون عناصر الأمن في حال صمت الواقعين تحت التعذيب وعدم الصراخ، الصراخ يعني النصر، يعني كسر الإرادة، ويعني مصادرة ألم الضحية، ويأتي الحبس الانفرادي ليضاعف ذلك الهدر من خلال عزل المعتقَل بشكل تام عن كل المثيرات الحسية السمعية والبصرية واللمسية، مما يزيد الشعور بالقلق بسبب الانفصال عن الجماعة، وهو شعور بدائي لدى الإنسان، كل تلك العمليات تهدف للتشويش على الإنسان، ودخوله في مراحل التبلد السلوكي، ومن ثم ضرب التعلم والذاكرة لديه وتشويشها، مما يجعله مجهزًا لغسل الدماغ وتقبل الأفكار المفروضة عليه.

هذا ما يفسر بشكل واضح تحول معظم السجناء الجنائيين لشبيحة لأجل النظام، حيث ممارسة التعذيب ولو بدرجات أقل من السياسيين، وهدر إنسايتهم، ثم تخفيف العذاب نتيجة سلوكية معينة يريدها الجلاد، ثم سلوكية أخرى، وهذا يسمى في علم النفس “التعزيز المتقطع”، سلوكيات مثل كتابة تقارير في أصدقاء آخرين وغير ذلك، هذا ما يسحب الضحية في دوامة السعي لنيل رضى الجلاد، ومن خلفه الجلاد الأكبر، وهنا ندخل فيما يسمى التعلق الرضوخي، ويصبح هدف المعتقَل إرضاء الجلاد من خلال السلوكيات التي يعلمه إياها، وعند ممارسة سطوته المرخصة من قبل سلطات الأمن في الشارع، يحاول أن يطبق بشكل مرضي ما تم تطبيقه عليه من الظلم ونزع الأنسنة، وذلك بسبب تحوله للإعجاب بالطاغية والتماهي معه.

يتعرض المعتقَل السياسي بشكل أقل لذلك التشويش على الرغم من أنه يتعرض للتعذيب أكثر، وذلك لتوافر مناعة نفسية لديه، بسبب وجود قضية يدافع عنها ويتسامى بها عن الوجود المادي، ولو كانت قدرات الاحتمال متدرجة، وكلما زاد الإيمان بالقضية، زادت القدرة على الحفاظ على التوازن النفسي.
في هذه العلاقة بين الجلاد والضحية يحاول الطاغية ترويض الاثنين، فالفرق بين الجلاد الجالس على الكرسي والضحية المشبوح على الحائط هو الولاء للطاغية أو التمرد عليه، الجلاد يعي ذلك تمامًا، وكذلك الضحية، وعندما لا تتوفر قضية للضحية يدافع عنها يشعر بالسوء والذنب، انطلاقًا من ضعف الطمأنينة القاعدية لديه، حيث يعود لإسقاط الشعور على الطفل السيء المنبوذ، في حين يقاوم المؤمن بالثورة في المعتقلات السورية هدر إنسانيته من خلال تعلقه بقضيته، ولا يعني هذا أنه لا يتعرض للمشاكل النفسية التي لا بد أنها تحطم الكثير من ذاته، ولكنه يستطيع أكثر من غيره الحفاظ على حضوره الإنساني على الرغم من محاولة الجلاد محوها.

_____

(*) تعتمد المادة في معلوماتها في الحقل النفسي على كتابي الباحث في علم النفس المصري د. مصطفى حجازي “التخلف الاجتماعي، مدخل إلى سيكيولوجية الإنسان المقهور” و”الإنسان المهدور، دراسة تحليلية نفسية اجتماعية”.

(*) من المواضيع المشاركة في مسابقة (حسين العودات للصحافة العربية – 2019).

Author

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق