تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

من تفاوض المدافع إلى تفاوض الصفقات

بدأ موسم الصفقات الكبرى وتسخينٌ للجبهات العريضة، من اليمن إلى الخليج إلى العراق فسورية، وهذا التسخين كان عنوانًا لشهرين سابقين، حفلا باجتماعات وحركة مكوكية دبلوماسية أميركية وروسية وإسرائيلية، محورها الوحيد المسألة السورية والنفوذ الإيراني، ليس في سورية فحسب، فكان اجتماع القدس لمسؤولي الأمن القومي لهذه الدول، تلاه اجتماع في باريس للمجموعة المصغرة، وآخر لمندوبي الدول المشاركة في التحالف الدولي ضد (داعش) بمشاركة أميركية رفيعة المستوى، والقمم المشتركة التي عُقدت على هامش قمة العشرين، هذه المحطات التي ستُنتج توافقات وصفقات سبقها تسخين جبهات الاشتباك العسكري في سورية، فكل طرف أراد أنْ يستعرض قوّته أمام الطرف الآخر.

روسيا وفشل حساباتها في إدلب

استبقت روسيا هذه المحطات، فبدأت التسخين على الجبهة السورية، التي أرادت منها إعلان حالة الاستنفار الكبرى نتيجة لشعورها بالمخطط الأميركي، الذي يرمي إلى استعادة الدفء مع تركيا، وإذابة جليدها مع حلف الناتو، استعادة تركيا تعني لموسكو أن حلفها التكتيكي معها الذي تريد أن تحوّله إلى حلف استراتيجي، مُعرّض للانهيار، فسارعت بفتح جبهة سورية للضغط على تركيا ولإرباك الحسابات الأميركية، فروسيا تريد تحقيق هدفين من هذه الحملة: قريب ومتوسط المدى، أما القريب فهو ردٌ على تركيا لتصلب موقفها في أستانا 8 لجهة رفضها أي تعديل على لائحة الأمم المتحدة للجنة الدستورية، ويتمثل هدفها متوسط المدى بالحصول على انتصار ولو كان جزئيًا لتقوية موقفها في تلك اللقاءات التي حصلت.

لكن روسيا بحملتها على الشمال الغربي لسورية اصطدمت بحسابات خاطئة جدًا، لجهة عدم تقديرها لحجم المقاومة التي ستواجهها في الجبهات، والملفت في هذه الحملة اعتماد الروس الذين يغطون النظام جوًا على الفرق العسكرية التابعة مباشرة لهم، مثل (الفيلق الخامس) و(قوات النمر) المدعوم والمحمي من روسيا، فقد مُنيت القوات المُهاجمة بخسائر بشرية فادحة وبالعتاد بشكل ملفت للنظر، بل استطاعت فصائل المعارضة السورية تغيير مجرى المعركة واتباع تكتيكيات مرهقة وأقرب إلى حرب العصابات، مما جعل هذا التسخين الروسي يذهب أدراج الرياح، فوصل مسؤول الأمن القومي الروسي إلى “إسرائيل” خاوي الوفاض من أي إنجاز عسكري يضعه على طاولةِ اجتماعه مع الأميركي في اجتماع القدس، مما يعني فشل الروسي نسبيًا في فرض نصر موهوم يساعده في إملاء شروطه على الآخرين.

إيران والجبهات المتعددة

نشطت إيران في جبهة أخرى، ويبدو أنَّ هناك تنسيقًا ما لتوزيع الجهد العسكري الاستفزازي لواشنطن، فإيران لم تشارك في الحملة على شمال غرب سورية، معقل المعارضة السورية الحصين، وإن كان عدم مشاركتها يُقرأ في عدة مستويات، وأحد هذه المستويات أنها اختارت جبهة أخرى لتكون ملعبها، فقد ظهر بشكل ملفت غياب الميليشيات الإيرانية والمتحالفة مع روسيا والنظام السوري، هذه الميليشيات التي كانت تؤمّن الموجات البشرية في أثناء أي معركة خاضها النظام السوري وروسيا، مما كان يُشكّل عاملًا حاسمًا للإمساك بالأرض، كما حدث في حلب الشرقية والغوطة وحمص وغرب الفرات، وغياب الدور الإيراني يعود إلى عدة اتجاهات، من أهمها الأزمات الاقتصادية التي تعصف بإيران، وقد أثرت بشكل واسع في ميليشياتها وقلّصت عددها، وعدم رغبة موسكو في إشراك إيران، كي تتفادى الضغوط الإسرائيلية والأميركية، وحاجة إيران إلى أنقرة في هذه الظروف الدولية، لتكون متنفسًا لطهران؛ فإيران لا تريد إغضاب أنقرة بالدخول في معركة “كسر عظم” بين روسيا وتركيا، وأخيرًا ابتزاز إيراني لروسيا، بأنها لن تستطيع وحدها إنجاز أي مهمة، مما يُعرقل أي تفكير لموسكو في أي احتمال لاشتراكها في إخراج القوات الإيرانية في القريب العاجل، ولذلك شكّك الكثير بما قاله المتابعون لاجتماع القدس، عن قدرة روسيا إخراج إيران أو بالأحرى الاستغناء عن إيران، بعد المشهد المذل لروسيا في إدلب.

لعل إيران وروسيا تريدان تنسيق الجهد العسكري بينهما، بتخصص الروسي في الجبهة السورية، وإشعال إيران جبهة الخليج واليمن، والأسلوب التدريجي الذي اتبعته إيران كان واضحًا في إرسال الرسائل، ففي الخليج حركت أحداثًا ذات طابع أمني، حيث وقعت اعتداءات على ناقلات نفط في بحر عُمان، وقرب مضيق هرمز، مرورًا باستخدام مخلبها (جماعة أنصار الله) الحوثية، لاستهداف أنابيب نقل النفط السعودي، وصولًا إلى ظهورها بشكل علني بإسقاط الطائرة الأميركية المسيرة عن بعد.

الولايات المتحدة و”إسرائيل”

القول إن تبادلًا للأدوار حصلَ بين “إسرائيل” والولايات المتحدة قولٌ له وجاهته، في موازنةِ الردود على خطوات روسيا وإيران، حيث قصفت “إسرائيل” مواقع إيرانية في سورية، وتزامن ذلك مع تحركات إيرانية في الخليج، وتولتْ أميركا مسارًا يقضي بالسماح بتدفق السلاح للمعارضة في سورية لإيقاف الروس في إدلب. لكن حدثًا من العيار الثقيل حدث من جهة إيران، أرادت منه إجبار أميركا على اتخاذ رد عسكري سوف تستثمره إيران بالشكل الأمثل، فقامت إيران بإسقاط طائرة أميركية مسيرة عن بعد، لتقول بهذا الفعل إنها تريد الحرب الآن وفي هذه المنطقة، أي الخليج، كي تُحرج العالم بوقف تدفق النفط، لكن الرد الأميركي -مع استخفاف المحللين والمراقبين به وإلغاء دونالد ترامب ضربات جوية عقابية لإيران- كان يعتمد نوعًا من الصبر الاستراتيجي، فقد تابعت أميركا في مسار توجيه عقوبات أشد وأعنف وذات مدلولات سياسية وسيادية ضد إيراني، فأدرجوا الخامنئي وثمانية من مساعديه على لائحة العقوبات، وصولًا إلى وزير الخارجية جواد ظريف.

في ظل كل هذه المحطات والاجتماعات والتحركات السياسية والعسكرية، إن السؤال الذي يجب طرحه: هل يمكن إبرام اتفاقات أولية بين أميركا وروسيا و”إسرائيل” وإيران وتركيا، وهل يمكن أن يتفقوا على صفقة؟ وإن اتفقوا، أين هم السوريون في صفقتهم؟ وهل سنشهد بعد تفاوض المدافع تفاوض السياسة والصفقات؟ وهل سيبقى أمن “إسرائيل” محور أي صفقة تُبرم؟

ومع هذا، لا بدّ من التأكيد على أن عدم إيجاد حل سياسي للمسألة السورية، يكون عادلًا ومرضيًا للشعب المكلوم، هو دوران في الحلقة المفرغة ودخول في نفق مظلم لن ينجو منه أحد.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق