تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

مسقط تسقط في أحلام الاستثمار مع النظام السوري

في زيارةٍ ليست بالمفاجأة، حل وزير الخارجي العُماني، يوسف بن علوي، ضيفًا على دمشق، مُلتقيًا رئيس النظام السوري، بشار الأسد، لتباحث آليات تطوير العلاقات بين الطرفين، “بهدف استعادة الأمن والاستقرار في المنطقة”؛ بحسب ما جاءت به وزارة الخارجية العمانية عبر حسابها على تويتر.

وتُقيّم زيارة بن علوي على أنها عادية، كونها تُعد الزيارة الثانية منذ عام 2011، حيث التقى الأسد في زيارة أخرى حدثت في تشرين الأول/ أكتوبر لعام 2015. تبعها وزير الخارجية السوري، وليد المُعلم، بزيارة إلى مسقط في آذار/ مارس 2018.

لقد بات من البديهي الإشارة إلى مسقط على أنها دولة من مصاف الدول المُساندة لأنظمة المنطقة، للحفاظ على الوضع الحالي بعيدًا عن الفوضى، وعادةً ما تناور وتُجري سياساتها على نحوٍ مُستقلٍ مخالفٍ لدول الخليج التي حاول أغلبها في البداية دعم المعارضة السورية والمُنظمات الإنسانية.

وتسعى مسقط، بحسب محاور زيارة بن علوي الأخيرة، إلى اقتناص فرص استثمارية في سورية من قبيل توسيع نطاق التعاون المشترك في مجالات النفط والغاز والسياحة والصناعة والنقل وإعادة الإعمار، فهل يمكنها كسب فرص مواتية لطموحها؟

تمر العلاقات بين دمشق ودول الخليج الأخرى في حالة فتور، بينما حافظت عمان على نسق مستقر من العلاقات مع النظام، وهذه النقطة التي قد تدفع النظام ليفتح الأبواب على مصراعيها أمام طموحها، ولا سيّما أنها استمرت في استيراد بعض المُنتجات الزراعية من مناطق النظام خلال الأزمة.

وتأتي هذه الزيارة التي تضمنت توقيع عدة مذكرات تفاهم حول التعاون في أكثر من مشروع مشترك بعد فترة من العمل المشترك بين الطرفين، تحديدًا منذ عام 2017، حيث تبادل الطرفان الزيارات الاقتصادية والسياسية المتتالية. وفي هذا الصدد، يبدو أن مسقط تحاول إظهار ذاتها كدولة محورية تلعب دور الوساطة الضمنية الاستراتيجية بين أطراف النزاع في سورية، وتسعى إلى حجز مقعدها الأكبر في دمشق، محاولةً مزاحمة الدول الخليجية الأخرى، وبالأخص منافسها التاريخي، الإمارات، في سبيل تنويع أوراقها نفوذها السياسي والأمني والاقتصادي في المنطقة، وبالتالي الحفاظ على استقرارها من خلال هذه الأوراق التي تلوح بها في حال تعارض مصالحها مع إحدى دول الخليج.

ويبحث النظام السوري عن مدخل لإعادة تطبيع علاقاته مع الدول العربية على نحوٍ يفتح له طرق التبادل التجاري، وبالتالي تحسن وضعه الاقتصادي وعملته الوطنية، وصولًا إلى مرحلة جعل التبادل التجاري قادرًا على إحداث تطبيع للعلاقات، لذا يجد في الهمة العُمانية للاستثمار فرصة سانحة لتحقيق هذا المأرب.

كانت قطر تحتل المرتبة الأولى، من حيث الدول العربية الأكثر استثمارًا في سورية، لكن بعد اندلاع الثورة السورية، أصبحت الفرصة سانحة أمام عُمان وحدها للدخول في غمار تكسب من خلاله، على نحوٍ غير مباشر، أهمية بالنسبة لموسكو بدون إغضاب واشنطن.

وتتزامن استثمارات مسقط المتمحورة حول قطاعات البنية التحتية مع ارتفاع حدة الضغط الدولي على طهران لتحجيم دورها إلى أدنى مستوى في عموم سورية. وتفعل الاستثمارات الإيرانية في سورية في مجال البنية التحتية، لكن مع التوافق الدولي على تحجيم دورها، يبدو أن مسقط تستعد، ولو جزئيًا، لملأ الفراغ.

وتتميز العلاقات العُمانية بالمسار الإيجابي مع واشنطن، وعليه يبدو أن واشنطن سترى في تحركها نقطة إيجابية لتشكيل بديل للنفوذ الإيراني. وربما تتغاضى واشنطن، نسبيًا، عن خرق مسقط لقانون “قيصر” الذي يُحرم توفير أي دعم مالي للنظام السوري، انطلاقًا من نقطة توفير مسقط بديلًا ناجعًا للاستثمارات الإيرانية.

ومن جهةٍ أخرى، قد تناور مسقط بحذر بعيدًا عن إشعال غضب طهران التي قد تُظهر الانسيابية في موقفها تجاه هذه الاستثمارات، لما تلعبه مسقط من دورٍ هامٍ في الوساطة بينها وبين الغرب.

ولكن في ظل هذه الظروف، يبقى السؤال الذي يطرحه الأغلب، هو: هل يمكن أن تنجح الاستثمارات العُمانية في تحقيق ما ترنو إليه في سورية؟

يُعاني قطاع الاستثمارات السوري من نقصٍ حادٍ في السيولة، وهذا ما يجعله على استعدادٍ تامٍ للتعاون مع أي دولة تحاول الاستثمار. لكن يبقى خطر الفوضى والميليشيات المُتعددة الشبح الذي يغمغم على مدى إمكانية نجاح هذه الاستثمارات. وفي هذه الحالة، على الأرجح، ستتجه موسكو نحو توفير الحماية الأمنية الضخمة لهذه الاستثمارات، ولا سيّما المُتعلقة بالبنية التحتية والسياحة.

لكن في المقابل، من الصعب توقع بلوغ استثمارات مسقط لمستويات عالية، حيث قد تسقط في أحلام قصيرة الأمد، انطلاقًا من حجم المنافسة الدولية والإقليمية الحادة على الرغبة في اقتطاع حصة من الاستثمارات في سورية، بالإضافة إلى تأخر مسقط في الولوج إلى سورية، فموسكو وبكين وكاراكاس وطهران؛ على الرغم من محاولات تحجيمها، كانوا سباقين في تثبيت نفوذهم السياسي والاقتصادي في سورية، الأمر الذي يجعل قدرة مسقط على الظفر بمساحات واسعة من الاستثمار محدودة.

وإلى جانب ذلك، تفتقد مسقط، مقارنة بالقوى الأخرى، إلى أذرع استثمارية خاصة في سورية، الأمر الذي يصعب مهمتها في الحصول على حصة ناجعة أو تثبيت استثماراتها لمدى طويل.

في الختام، تسعى مسقط إلى الحصول على موطئ قدم ناجع في سورية، يرفع من مستوى أهميتها الدبلوماسية الحيادية في الساحة الدولية بالنسبة لجميع الفواعل. لكن يبدو أن بعض المخاطر؛ من قبيل حالة الفوضى الميليشياوي وتفكك الدولة مع حالة المنافسة الدولية والإقليمية الحادة في سورية وفقدانها لأذرع استثمارية خاصة بها في سورية، قد تحول دون تحقيق مستوى ناجع من الاستثمارات.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق