مقالات الرأي

هل تعي روسيا مصالحها في شرقي الفرات؟

تتحكم أميركا في شمال شرق سورية، بأدوات سياسية وعسكرية تابعة لها، وهي تتوزع بين حزب الاتحاد الديمقراطي (ب ي د)، وما أسسّه من (قسد) و(مسد) و(الإدارة الذاتية)، وهناك كلام جديد عن قوة عسكرية عربية، أي “جيش المغاوير” الذي أعيدت له الروح عبر التخصيص المالي الجديد له، وفتح طلبات الانتساب إليه، ودفعه إلى التوافق مع قيادة (قسد) للبحث في تعقيدات الأوضاع في الحسكة والدير والرقة وبعض مناطق من حلب، وليتم الوصول إلى صيغة معينة لتأسيس “المنطقة الآمنة”، وربما بوصفٍ أدقّ “الأمنية”. الإشراف الأميركي على هذه التحركات هو الأساس فيها، ويدعم ذلك زيارات مسؤولين سعوديين وإماراتيين إلى تلك المنطقة، وذلك بهدف حثّ العشائر على الانخراط في المباحثات من أجل تشكل المنطقة الآمنة، ومنع عودة (داعش)، ومحاربة محاولات النظام التغلغل فيها، وطرد إيران لاحقًا منها، وكذلك منع استفراد (ب ي د) وما تفرع منه بتلك المنطقة.

ما ذكرته أعلاه حدَث بعد سياسة أميركية كادت أن تلغي الوجود الأميركي هناك، وبعد تصعيد الخلاف مع إيران، وتعزيز التنسيق الروسي الأميركي من البوابة الإسرائيلية. أقصد أن أميركا تتعمّد ترتيب الوضع في سورية بما لا يناقض احتلال روسيا لسورية، ولكنّ دون ذلك شروطًا يجب أن تتحقق ليُدعم، وهذا سينقل سياسات روسيا وأميركا من الالتباس إلى الوضوح؛ وأول شرط لتحقيق ذلك هو إخراج القوات الإيرانية من سورية، وبأضعف الإيمان، أن يكون هناك تحجيم حقيقي ودقيق لتلك القوات. أخيرًا، سمحت روسيا لـ “إسرائيل” بعملية عسكرية واسعة، وأشرفت على تغييرات كبيرة في قيادات الأجهزة الأمنية، بما يتوافق مع مصالحها هي، وهذا لم يكن ليتم تصوره من قبل، وبذلك تكون روسيا قد أحكمت سيطرتها على الجيش وأجهزة الأمن السورية. وعدا ذلك فهناك رفض روسي واسع للتدخل الإيراني في الشأن الاقتصادي؛ أميركا التي تراقب خطوات الروس تقوم بدعمها من ناحية، والضغط عليهم من ناحية أخرى، حيث أعادت تشكيل “جيش المغاوير”، وسمحت بوصول أسلحة متطورة للفصائل في شمال حماة وإدلب، وكذلك تدفع نحو تشكيل منطقة آمنة مستقلة عن نفوذ الروس والنظام.

لم تستطع روسيا حسم المعارك شمالًا، وفشلت كافة المحاولات التي أشرفت عليها روسيا لدحر الفصائل، ونتج عن ذلك خلافات بين التشكيلات العسكرية التابعة للنظام وللروس، ومنهم من هدّد بمقاطعة النظام بالكامل، وفُسّر الأمر بأن ذلك التهديد يمثل الدور الإيراني للنظام، وبالتالي الحرب على الأرض تعكس في وجهٍ منها اختلاف وصراع المصالح بين التشكيلات العسكرية التابعة للنظام، وهذا يوضح حدّة الصراع بين روسيا وإيران، وقابليتها للتفجر بشكل أكبر فأكبر. تركيا بدروها، بسبب تعقيدات الاحتلال الروسي وسياسته في سورية، ورغبة الأميركان في استمالتها، تتحرك حاليًا بشكلٍ قوي وفاعل عل الأرض السورية، ففشل روسيا في الشمال يحقق مصلحة تركيا، وأيضًا تصبّ محاولات أميركا في تخفيف الوجه الكردي عن شمال سورية، وتشكيل منطقة آمنة بقيادة “كردية عربية”، في مصلحة تركيا. هنا لا يمكن تجاهل قوة العلاقة التركية الروسية، ومراعاة كل دولة للأخرى، وهما تتصارعان بأدوات سورية، ولكن القضايا العالقة بخصوص سورية تسمح بمستوى معين من الصراع، ولا سيّما أن النظام لم يخضع بشكل كامل للروس، وأيضًا الخلاف حول تفسير كيفية السيطرة على المناطق الواقعة ضمن اتفاق سوتشي، ورغبة الطرفين في استخدام الحرب من أجل تحقيق الاستقرار؛ وعدا ذلك فهناك فصائل وميليشيات تحاول جاهدة استعادة مناطق أكبر لتكون تحت سيطرتها، حينما يحين موعد الاتفاق النهائي بخصوص سورية.

ربما يتقدم تفسير آخر ليضع أوراقًا جديدة على طاولة النقاش الأخير عن سورية، وهو إرساء أميركا لمنطقة آمنة وأمنية في الشمال، وتشبث تركيا بمناطق لها (درع الفرات، وغصن الزيتون، والآن إدلب) وتعقيد الوضع الروسي عبر منافسة إيران لها في المناطق التي تحت سيطرتها، وبالتالي التغييرات الأخيرة في قادة الأفرع الأمنية ربما ستسهل على الروس تحكمًا أكبر لهم في النظام، وإذا تحقق ذلك، فلن يتيح وضعًا جديدًا لصالح الروس خارج مناطق سيطرتها، والحرب الفاشلة في شمال حماة توضح الحدود الممكنة للروس.

إذًا؛ على روسيا قراءة اللوحة السورية مجددًا، والتحرك ضمنها بما لا يضر مصلحة الأميركان والأتراك، وضمن ذلك يمكننا تفهّم اجتماع القدس الأمني وما تلاه من ضربات إسرائيلية، والكلام عن حلحلة موضوع اللجنة الدستورية، وهناك أيضًا تشدد أميركا بإنشاء منطقة آمنة. الأطراف الدولية والإقليمية لا تتحرك على وقع التصعيد الإيراني الأميركي فحسب، بل على وقع تحجيم إيران وتركيا أيضًا، ووضع حدود للروس ليتحركوا من خلالها.

هل ستعترف روسيا بأن وجودها في سورية يتعلق بما تريده لها أميركا؟ وهل سترى ضياع شمال سورية وثرواتها، في حال تأخرها عن عقد صفقة مع الأميركان، تُخرِج عبرها إيران من سورية، ويتم حينها تفكيك قاعدة التنف وسواها. فشلت كل محاولات روسيا للاستفراد بالوضع السوري، وتشكيله وفقًا لما تشاء، فقط حدث ما يتوافق مع السياسة الأميركية في سورية، أي إفشال الثورة وتشويهها وتدمير سورية، وتحويل شعبها إلى لاجئين، وإغراقها بالجهاديين، وتحويل الحرب إلى تصفية حسابات بين الدول، عبر الجهاديين والميليشيات الطائفية.

الآن، النظام ضعيف للغاية، والمعارضة لا تملك من أمرها شيئًا، وروسيا وتركيا وأميركا و”إسرائيل” وإيران هي الدول التي تتحكم في الوضع السوري، أرضًا وشعبًا، وبالتالي وبسبب كل ما ذكرت أعلاه، هل اقترب الحل السياسي في سورية؟ للأسف، إنّ سورية -إذا اتفقت الدول على حلٍّ ما لها- ستكون دولة محتلة بالكامل، وهذا سيخلق أحداثًا جديدة، وستدفع الوضع نحو سياسات جديدة بالتأكيد. من كل ما ذكرت، أصل إلى أن روسيا الآن في مأزق حقيقي، فهل تتحرك لملاقاة أميركا بالتحديد، وتتجنب حروبًا فاشلة أكثر فأكثر؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق