ترجماتسلايدر

روسيا فلاديمير بوتين تعيد تأهيل ستالين.. يجب ألا نترك هذا يحدث

توقعات كبيرة ميزت عام 1989. في روسيا، غنت فرقة الروك كينو Kino “نحن في انتظار التغييرات!” في التجمعات العامة الضخمة في شوارع موسكو، طالب الملايين بالحرية والديمقراطية. لقد أحدث عصر غورباتشوف موجة من التغيير، وشهد الناس أحداثًا لا تُصدق كل أسبوع: انتزعوا الصحف، وعلّقوا على كل كلمة تبث على شاشة التلفزيون، ومع كل يوم يمر كانوا يشعرون بمزيد من الحيوية والحرية.

أدرك الكثيرون أيضًا أنه لتغيير النظام السوفيتي الفاسد، كان على المرء أن يعرف الحقيقة حول ماضيه الستاليني. في ذلك العام تأسست منظمة ميموريال لحقوق الإنسان، التي جمعت مئات الناشطين من جميع أنحاء الاتحاد السوفيتي. كان البعض منهم قد عاش الحياة في معسكرات الاعتقال والموت (الغولاغ). وكان البعض من المنشقين الذين عادوا أخيرًا من معسكرات العمل أو أماكن النفي، مثل أندريه ساخاروف، عالم الفيزياء النووية. كانت المهمة واضحة: سنعيد إحياء ذكرى ضحايا ستالين ونعلنها للناس.

في ربيع عام 1989، حدث شيء لم أكن أتخيله البتة في أكثر أحلامي شططًا: لقد دُعيت إلى معهد التاريخ والمحفوظات في موسكو، لأتحدث إلى الطلاب حول مصير سجناء الغولاغ (معسكرات الاعتقال والموت) السابقين. بعد ذلك سألني أحدهم: “هل قابلتَ في حياتك مؤيدًا حقيقيًا لستالين”. كانت ردة فعلي الأولى هي أن أضحك، لكنني توقفت مؤقتًا وتساءلت: هل وصلنا أخيرًا إلى نقطة زمنية، عندما يفكر شاب عشريني أنه لم يعد ثمة وجود للستالينيين؟ بعد مرور ثلاثين عامًا، أتذكر تلك اللحظة بمرارة.

في أوائل التسعينيات، تدفق الزوار إلى المنزل الصغير الذي توجد به مكاتب منظمة ميموريال. أحضروا الوثائق والمستندات ومذكرات السجون ومعسكرات العمل، ورسائل من معسكرات الغولاغ، وملاحظات قليلة تم إلقاؤها من سيارات الشحن العابرة ووصلت بأعجوبة إلى أصحابها المقصودين. من بين الأشياء الأخرى الموجودة في الغولاغ رقائق خشبية تجسد شاحنات الغولاغ، وسترات السجن المحشوة بأرقام السجناء، والملاعق والأوعية/ القصعات المثلمة. أحضر الزوار كتبًا بخط اليد ومطرزات ورسومات وألوان مائية، تمكنوا من إخفائها أثناء تفتيش زنازينهم. ساهم ذلك في إنشاء أرشيف في منظمة ميموريال، وهو عبارة عن مجموعة من آلاف شظايا ذكريات العائلات.

في ذلك الوقت، كنّا نظن أن هذه كانت مجرد بداية لعملية طويلة، وأن قادتنا السياسيين الجدد قد أدركوا أن الوصول إلى فهم الماضي واستيعابه هو مهمة أساسية. لكن الإصلاحيين كانوا يفتقرون إلى الاهتمام بالتاريخ، كانوا في عجلة من أمرهم لبناء اقتصاد السوق. لم يروا الصلة بين الإصلاحات الاقتصادية الناجحة والحاجة إلى مجتمع مدني مفعم بالحيوية. لم تذكر حكومة بوريس يلتسين القمع السياسي السوفيتي إلا قبل الانتخابات من أجل تجنب الشيوعيين.

بعد مدة قصيرة، وفي ظل الأزمة الاقتصادية الحادة، أصبحت “الديمقراطية” كلمة قذرة، بالنسبة إلى العديد من الروس. شعروا بخيبة أمل، وشعروا بأن الإصلاحات لم تتحقق بصدقٍ قط. استسلم المجتمع الروسي للإرهاق واللامبالاة. لقد تبين أن الجرائم الستالينية المكشوفة للجميع، كانت مروعة إلى درجة أن الناس لا يريدون قضاء الوقت في التفكير فيها.

وصف فلاديمير بوتين سقوط الاتحاد السوفيتي بأنه “أكبر كارثة جيوسياسية” في القرن العشرين. تصوير: ماركو رافاجلي/ باركروفت ميديا

بحلول منتصف التسعينيات من القرن الماضي، بدأ يتسلل الحنين إلى الحقبة السوفيتية. وبدأت استعادة قتامة حقبة بريجنيف، بطوابيرها التي لا تنتهي ومحالّها الفارغة، كمرحلة يسودها السلام والازدهار. وبالتدريج أصبح ما كان مستحيلًا أمرًا حقيقيًا خلال البيريسترويكا: عاد ظل ستالين مرة أخرى بثقله.

ترافق صعود فلاديمير بوتين إلى السلطة مع نسخة جديدة من الوطنية التي تعتمد على الجوانب “البطولية” و”المشرقة” من الماضي السوفيتي. عادت للظهور صورة ستالين كقائد قوي ضَمن الانتصار في الحرب العالمية الثانية وقاد قوة عظمى سوفياتية. وعملت الدعاية التلفزيونية مرة أخرى بجد لخلق تلك الصورة. ودُفع الملايين الذين قضوا نحبهم في موجات من القمع السياسي إلى هوامش الوجدان/ الضمير الجمعي.

اليوم، أصبح تحرير أوروبا الشرقية عام 1989، وسقوط حائط برلين ونهاية الحرب الباردة، مفهومين من قبل العديد من الروس من حيث إنهما هزيمة بل كارثة. لا عجب، نظرًا إلى أن بوتين وصف سقوط الاتحاد السوفيتي بأنه “أكبر كارثة جيوسياسية” في القرن العشرين. اليوم، يراقبك وجه ستالين من كل الأمكنة من اللوحات الإعلانية، وجدران قطارات الأنفاق ونوافذ المكتبات. انتشرت العشرات من نصبه التذكارية في عموم روسيا.

ليس الأمر أن الروس نسوا العلاقة المباشرة بين اسم ستالين والقمع السياسي الذي أحاق بكل أسرة تقريبًا. ولكنهم لا يريدون التفكير في الإرهاب أو من ارتكبه أو ما هو المنطق الذي كان وراءه. إنهم ليسوا مستعدين للاعتراف بأن هذا هو العمود الأساسي للنظام بأكمله.

أصبح تمجيد انتصاراتنا الحالية وتبييض صورة ستالين ممكنًا؛ لأن روسيا اليوم، في الواقع، ليس لديها أي فكرة على الإطلاق عن المستقبل. أي نموذج من البلاد نريد أن نعيش فيه؟ دولة “نهضت من سباتها” وتتبع طريقها الفريد؟ ولكن ما هذا المسار؟ لقد فشل أيدولوجيو الكرملين في تحديد أي شيء بوضوح.

من الصعب اليوم أن نتذكر عام 1989 من دون شعور عميق بالفرصة الضائعة والأمل المحطم. في سنوات بوتين الأولى، قايضت الأغلبية الصامتة إمكانية الحرية بوعود “الاستقرار”، ثم بالفخر الوطني “لروسيا العظيمة”، وهي قوة ترسم الحدود حولها وتشعر بأنها حصن محاصر.

يبدو أن حريتنا تتقلص كل يوم بالسرعة التي توسعت بها منذ 30 عامًا. إن منظمة “ميموريال” هي المنظمة الوحيدة التي عملت طوال عقود، بلا كلل ومن دون أي دعم حكومي، على الحفاظ على الذاكرة. في عام 2016، وصفتها السلطات بأنها “عميلة للأجنبي”، تمامًا مثل عشرات المنظمات غير الحكومية الأخرى. يوري ديمترييف، أحد المؤرخين من منطقة كاريليا، ما يزال محتجزًا منذ ما يقرب من ثلاث سنوات بتهم ملفقة، وأيوب تيتيف، الناشط الحقوقي، يتعرض للاضطهاد بسبب عمله في الشيشان.

ما يزال هناك قوى في المجتمع الروسي تقاوم. يريد الناس أن يتعلموا من مصير أسلافهم. تتلقى ميموريال، مثل سنوات عديدة مضت، دعمًا مرة أخرى من العديد من الجهات. وينضم إليها المزيد من المتطوعين، ويشارك المزيد من الشباب في مبادراتها. على الرغم من جميع العقبات التي تضعها السلطات، يتم إطلاق مشاريع جديدة لاستكشاف الذاكرة التاريخية.

لن يتم إعادة كتابة التاريخ بالكامل. قد يكون بوتين محط اهتمام كبير في جميع أنحاء العالم، ولكن في روسيا، من الواضح للكثيرين منا أن عودة بلدنا إلى الديمقراطية ستكون مستحيلة، طالما فشلنا في إدانة ستالين والنظام الذي أنشأه.

اسم المقالة الأصلي Vladimir Putin’s Russia is rehabilitating Stalin. We must not let it happen
الكاتب إيرينا شيرباكوفا،Irina Sherbakova
مكان النشر وتاريخه الغارديان،The guardian، 10/7
رابط المقالة https://www.theguardian.com/commentisfree/2019/jul/10/vladimir-putin-russia-rehabilitating-stalin-soviet-past
عدد الكلمات 959
ترجمة وحدة الترجمة والتعريب/ أحمد عيشة
صورة الغلاف: ظهرت من جديد صورة ستالين كقائد قوي ضمن النصر في الحرب العالمية الثانية وقاد قوة عظمى. “احتفال بعيد ميلاد ستالين، موسكو 2015. الصورة: وكالة الأناضول/ صور جيتي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق