ترجماتسلايدر

نحن في “عصر الإفلات من العقاب”.. وعواقبه ستحلّ علينا جميعًا

عادة ما تسلط محادثاتنا، حول تراجع الديمقراطية في العالم، الضوءَ على تأثيرها على أولئك الذين يعيشون في دول مزدهرة نسبيًا، وذات تقاليد راسخة من الانتخابات الحرّة وحرية التعبير ووسائط الإعلام الحرة.

لكن ديفيد ميليباند [وزير الخارجية البريطاني السابق، من حزب العمال] الرئيس التنفيذي للجنة الإنقاذ الدولية، ذكّرنا في خطابٍ أخير بأن المدنيين الذين يعيشون في دول فاشلة يشعرون بآثار ما أسماه “التراجع الديمقراطي” بشكل كارثي، وكثير منهم محاصرون في الحروب الأهلية وموجات الاضطهاد. طالما أن الضوابط الأخلاقية يتم تجاوزها، فسيظل الأبرياء معرّضين لرعب لا يوصف.

دعا ميليباند “عصر الإفلات من العقاب”، بأنه لحظة “حيث يعتقد المتورطون في الصراعات حول العالم -وهناك كثيرون- بأنهم يستطيعون التخلص من أي شيء، بما في ذلك القتل، مهما كانت القواعد والمعايير. ولأنهم يستطيعون الإفلات من أي شيء، فإنهم يفعلون أيّ شيء”.

ينبغي أن تدعونا قائمة “أيّ شيء” إلى التفكر جيدًا: “الأسلحة الكيمياوية، والقنابل العنقودية، والألغام الأرضية، وقصف الحافلات المدرسية، وحصار المدن، ومنع الإمدادات الإنسانية، واستهداف الصحفيين وعمال الإغاثة.. سمّها ما شئت، نحن نراها، ونرى المزيد منها، ونرى القليل من الغضب تجاهها، والقليل من المساءلة بخصوصها”.

يعرف وزير الخارجية البريطاني السابق ما الذي يتحدث عنه. قدّم ميليباند، زعيم إحدى أقدم الوكالات وأكثرها احترامًا التي تتعامل مع نضالات اللاجئين وغيرهم من النازحين، لوحة قاتمة: 142 مليون طفل يعيشون في مناطق صراع شديدة الخطورة، وأكثر من 20 ألف مدني قُتلوا بالأسلحة المتفجرة في عام 2018؛ وفي نفس العام، 973 اعتداء على المرافق الصحية والعاملين الصحيين، توفي 167 من هؤلاء العاملين؛ منذ عام 2013، زيادة بنسبة 150 في المئة في الخسائر الناتجة عن الألغام الأرضية، 8,605 منهم في عام 2016 وحده.

وأضاف ميليباند أن الحروب الأهلية تولّد عددًا أكبر من اللاجئين (29,5 مليون) وتشريدًا داخليًا أكبر (حوالي 41 مليون شخص) أكثر من أي وقت مضى منذ الحرب العالمية الثانية. و”هناك عدد أقل من اللاجئين يعودون إلى ديارهم، أكثر من أي وقت مضى”. ونتيجة لذلك، تعاني الدول الغنية تدفقات الهجرة الكبيرة. إن سياسات الولايات المتحدة التي وضعتها على حدودها تتحدى معاييرنا الإنسانية.

وخلص ميليباند إلى القول: “يمكن تلمس وضع طبيعي جديد مرعب. يُنظر إلى المدنيين على أنهم تسلية للمقاتلين المسلحين، ويُنظر إلى العاملين في المجال الإنساني على أنهم عائق أمام التكتيكات العسكرية، وبالتالي، مع الأسف، يمكن التضحية بهم، والتحقيقات في جرائم الحرب والمساءلة هي أمر إضافي واختياري، بالنسبة إلى الدول وكذلك الجهات الفاعلة غير الحكومية”.

لكن هذه الشرور لا يمكن عزلها عن التآكل السياسي الأكبر في بقية العالم، وهذا يشمل الديمقراطيات العريقة. وقال: “إن الضوابط والتوازنات التي تحمي حياة أكثر الناس ضعفًا في الخارج، لن تستمر إلا إذا جددنا الضوابط والتوازنات التي تحافظ على الحرية في الوطن”.

هذا ليس مجرد مواءمة للمبدأ والممارسة. والأهم من ذلك، عندما تتخلى الحكومات عن الالتزام بالمساءلة على الصعيد المحلي، فإنها لم تعد تشعر بأي التزام لكي تصرّ عليها دوليًا. ليس من قبيل الصدفة، كما لاحظ ميليباند، أن الولايات المتحدة في عهد الرئيس ترامب “تخلت عن دعم حقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم، وكان ذلك من أولويات سياستها”.

سلوك من دون ضوابط: “يتلخص النظام الجديد في صورة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، اللذين يضربان كفًا بكف، في اجتماع مجموعة العشرين في الأرجنتين في تشرين الثاني/ نوفمبر من العام الماضي. في حين أن سورية مدمرة، واليمن في أزمة، والمعارضين السياسيين مثل بوريس نمتسوف وجمال خاشقجي يُقتلون، كان احتضان الزعيمين الذين لا تعيقهم المؤسسات الوطنية أو الخوف من القانون الدولي”.

اعترف ميليباند بأخطاء حقبة سابقة (بما في ذلك حرب العراق) لكنه قال بأن “المساءلة، وليس الإفلات من العقاب” كانت في ارتفاع في التسعينيات، عندما كان هناك “إجماع غير عادي تجاوز الفجوة بين اليسار واليمين”، حول “الحاجة إلى القواعد العالمية”. لقد قلنا وداعًا لكل ذلك.

في عام 2002، نشرت سامانثا باور، التي أصبحت في وقت لاحق سفيرًا للولايات المتحدة في الأمم المتحدة كتابها: (مشكلة من الجحيم: أميركا وعصر الإبادة الجماعية) وهو كتاب أثار الضمائر حول التزامات العالم بحماية الأشخاص العاجزين -والمستهدفين في كثير من الأحيان- من قبل الحكومات ذات السيادة. وبعد ما يقرب من عقدين من الزمن، نحن مشلولون، فاقدو الإحساس ومشتتون وأنانيون.

يدرك ميليباند أن المواطنين الديمقراطيين، الذين يتصارعون مع سخطهم، سيكونون ميالين إلى الابتعاد من مشكلات الآخرين “حتى يكون هناك صفقة اقتصادية واجتماعية جديدة، توفر حصصًا عادلة في أوطانهم”. إن عصر الإفلات من العقاب لا يشكل أخطارًا آنية على الملايين الذين يواجهون العنف بعيدًا فحسب. إنه يفسد الشعور بالالتزام لدى الدول الغنية تجاه الدول المتخلفة. عندما لا تبقى ثمة معايير للسلوك؛ لا أحد يبقى آمنًا.

اسم المقال الأصلي We’re in an ‘Age of Impunity.’ It will have consequences for us all.
الكاتب إ. ج. ديون الابن،E.J. Dionne jr.
مكان النشر وتاريخه واشنطن بوست،The Washington Post، 7/7
رابط المقالة https://www.washingtonpost.com/opinions/were-in-an-age-of-impunity-it-will-have-consequences-for-us-all/2019/07/07/8ff2d894-9f2b-11e9-9ed4-c9089972ad5a_story.html?utm_term=.248a14df9ce2
عدد الكلمات 716
ترجمة وحدة الترجمة والتعريب/ أحمد عيشة

صورة الغلاف: يمنيون في جنازة لضحايا غارة جوية بقيادة السعودية، صعدة، اليمن، عام 2018. (هاني محمد/ وكالة الصحافة الفرنسية)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق