مقالات الرأي

رأس المال الاجتماعي السوري المهدور

يولي خبراء التنمية أهمية كبيرة لرأس المال المالي، الذي يعبّر عنه برؤوس الأموال التي يجب توظيفها في المشاريع التنموية، كبيرة كانت أم صغيرة، إضافة إلى رأس المال البشري من الخبراء المتخصصين والفنيين، ويتجاهلون رأس المال الاجتماعي الذي يُعد جانبًا رئيسًا وفعالًا في أي مشروع اقتصادي تنموي، وجزءًا لا يتجزأ من رأس المال البشري.

تعددت تعاريف الباحثين لمفهوم رأس المال الاجتماعي، تبعًا لطبيعة اختصاصاتهم العلمية والبحثية، ويمكن بالعموم تحديده من خلال مؤشرات توفر العلاقات الاجتماعية بين المواطنين في المجتمع والمشاركة الإيجابية، الطاقة الاجتماعية، الروح المجتمعية السائدة في المجتمع، الترابط الاجتماعي، المؤسسات والمنظمات الاجتماعية الرسمية وغير رسمية، حسن الجوار، الصداقة، العلاقات الأسرية، إضافة إلى المعايير والقيم الإيجابية الفاعلة التي تمكن أفراد المجتمع من المشاركة الديمقراطية في الحياة العامة، بكل حرية وثقة وصدق، وتمنع المجتمع من الانهيار الاجتماعي، تلك أهم قيم رأس المال الاجتماعي.

يلعب رأس المال الاجتماعي، إذا ما توفر في المجتمع، دورًا رئيسًا في تحسين صحة ومناعة المجتمع، من خلال مشاركة المواطنين كافة في الأنشطة الاجتماعية والسياسية والأعمال التطوعية، في منظمات ومؤسسات حكومية وأهلية، بكل فاعلية وسعادة، إلى درجة أن أطلق عليه “اقتصاد الحب غير المأجور”.

إذا ما نظرنا إلى طبيعة رأس المال الاجتماعي في سورية؛ وجدناه معدومًا إلى حد ما، ولا يعود تلاشيه إلى بداية سنوات الحرب الثمانية الأخيرة، بل يعود إلى بداية مرحلة حكم الأسد الأب، حيث عمد إلى إقصاء مطلق للعمل السياسي خارج منظومته الأمنية، وغيّب حرية الرأي والتعبير والحقوق الرئيسة للمواطن التي يكفلها الدستور بالمطلق.

على الصعيد المهني والوظيفي، اعتمد نظام الأسد الموافقة الأمنية كشرط إجباري لتعيين أي مواطن في أي وظيفة، أيًا كان مستوى الوظيفة، من مستخدم في مؤسسة حكومية إلى وظيفة قيادية، وبالتالي أصبح هدف المواطن السوري الأول الولاء للنظام السياسي أولًا، ثم رضى الأجهزة الأمنية عنه، إذا ما فكّر في العمل في المؤسسات الحكومية والخاصة، وهذا ما أدى إلى تجنيد جيش من المخبريين المدنيين في المؤسسات المجتمعية السورية كافة، حيث وصل المواطن السوري إلى التشكيك في أي شخص آخر يعمل معه أو يقابله في أي مكان، بأنه قد يكون مرتبطًا بالمخابرات، إضافة إلى ظاهرة كتبة التقارير للمخابرات المتنوعة، وهكذا أوصل النظام الأمني المواطنين السوريين إلى حالة عدم الثقة ببعضهم البعض، والعيش مع هواجس الخوف من الآخرين على أنهم كتبة تقارير أمنية، حتى وصل الأمر إلى أن الأخ لم يعد يطمئن إلى أخيه، والزوج إلى زوجته أو العكس أيضًا، خوفًا من كتابة تقرير أمني -وإن كان كيديًا- لكونه كافيًا لهدر حياته ومستقبله، وبالتالي هدر ذاتية المواطن السوري.

أوجد هذا النظام أيضًا مؤسسات تعليمية كرّست عمليات الخضوع والطاعة، من خلال عسكرتها وربطها بالرقابة الأمنية، وناهضت التفكير النقدي الحر الحافز للإبداع، وكان هدفها تكريس سلطة الأسد إلى الأبد في ثقافة الطلبة، فاتسمت الدراسة بتدني التحصيل المعرفي وضعف القدرات التحليلية والابتكارية، والتردي في الجانب النوعي الذي أفقد العملية التعليمية هدفها التنموي المتمثل في تحسين نوعية الحياة وتنمية قدرات الإنسان الخلاقة. كما أوجد مؤسسات إعلامية وثقافية سلطوية أحادية الرأي والتحليل، تتسم بالتدجين السياسي والأيديولوجي والتقييد لحرية الصحافة والتعبير عن الرأي، تدور في فلك دائرة الأسد السلطوية، فكان من مخرجاتها تعاظم النفاق، الكذب، الكراهية، الغش، الخداع، الاحتيال، الاختلاس، الرشا، السرقة، والفساد بمختلف أشكاله وصوره، وغياب العمل التطوعي التشاركي ومؤسسات المجتمع المدني كافة.

باختصار؛ يمكن القول إن السوريين، في مرحلة الأسد الأب (1970-2000) تحوّلوا إلى ذئاب تنهش بعضها البعض، وانعدمت الثقة بينهم على الإطلاق، نتيجة للهواجس الأمنية من بعضهم البعض، مما أفقدهم الشعور بالانتماء إلى المجتمع السوري، مع الميل إلى العزلة عن الآخرين، والشعور بأن ما يفعله كل فرد منهم ليس له قيمة، ولن يؤثر في الآخرين، وبالتالي عمّ الشعور بالعجز عن اتخاذ القرارات المصيرية التي تحدد مستقبل الفرد ومستقبل وطنه.

مع وصول الأسد الابن إلى السلطة عام 2000؛ حاول في خطابه الأول إيهام السوريين بإصلاح ما أفسده والده، من خلال اهتمامه بالعمل المؤسساتي والشفافية ومكافحة الفساد، واستبشر بعض السوريين خيرًا من خطابه، ولكن ما هي إلا أشهر قليلة حتى بلع الأسد الابن خطابَه الإصلاحي، وعاد إلى نهج والده السياسي، الذي وجد فيه الآليات الاستبدادية المناسبة للمزيد من تدجين السوريين وهدر إمكاناتهم وطاقاتهم الإبداعية؛ فكرّس “الشللية” في العمل الوظيفي والمهني، بدلًا من العمل المؤسساتي، وقد مثلت الشللية المناخ المناسب لانتشار الواسطة والمحسوبية والنفعية بأقبح صورها، من خلال إحضار كل مسؤول، سواء كان كبيرًا أم صغيرًا، طاقمه الإداري (شلته) وتسليمها مناصب إدارية أو قيادية في المؤسسة، التي لم تسمح لمن هم خارجها بالدخول أو الاقتراب من مجالها الوظيفي، معلنة الحرب على كل المبدعين والمنجزين من خارجها، طاردة الكفاءات العلمية إلى خارج سورية، ومعززة الفساد الإداري في كافة مجالات حياة السوريين.

في عام 2011، بدلًا من تجاوب النظام مع تطلعات السوريين لحياة تتسم بالحرية والكرامة والعدالة، أعلن الحرب عليهم واصمًا إياهم بـ “الجراثيم” و”الإرهابيين”، وبالتالي هدر دمهم، وما عليهم إلا البحث عن إثبات براءتهم، من خلال الانصياع المطلق لسلطته الاستبدادية، إضافة إلى شيطنة الثورة والمعارضة بالداعشية، كما فعل الأسد الأب في الثمانينيات إذ وصم كل معارض لسلطته بالإخونجي، وبالتالي صار دمهم مهدورًا باسم هذه التهم ذات الطابع الطائفي والمذهبي، وعمل على تأجيج النزعات الطائفية والمذهبية، وتحولت سورية إلى أكبر كارثة إنسانية في العصر الحديث، من اعتقال عشرات الآلاف تعسفيًا والإخفاء القسري والتعذيب والوفيات في المعتقلات، وتهجير الملايين قسريًا، وكثير منهم أصحاب خبرات وكفاءات، وقتل مئات الآلاف وتدمير المدن والبلدات السورية، بمعالمها الحضارية وتراثها الثقافي، وخلق عدم ثقة بين الطوائف السورية كافة، وبخاصة في المناطق التي حدثت فيها مجازر وعمليات تهجير قسري وتغيير ديموغرافي ذي صبغة مذهبية وطائفية، وجروح اجتماعية عميقة لا تندمل بالمدى المنظور حتى بعد إسقاط النظام، وقد ساهمت في ظهور الانتماءات الطائفية والعشائرية والمناطقية في ثقافة السوريين، وأنتجت تصدعًا كبيرًا في الانتماء الوطني إلى الوطن السوري الشامل الذي يمكن التعبير عنه، من خلال الانجذاب والتواصل والارتباط الذي يسود العلاقات الاجتماعية، بين الأفراد والأنساق الاجتماعية الأخرى، وهي مؤشرات رئيسة لمدى توفر رأس المال الاجتماعي في المجتمع.

أخيرًا، قبل الحديث والانطلاق في أي مشاريع اقتصادية استثمارية في المستقبل، وتحديدًا في مشروعات إعادة الإعمار؛ لا بد من التأكيد أن المواطن السوري الحر هو المحور الأساس، على مستوى المدخلات والمخرجات والغايات. وهذا لن يحصل على أرض الواقع إلا بعد توفر نظام سياسي ديمقراطي جديد على أنقاض النظام الاستبدادي الأسدي، وممارسة مؤشرات المشاركة في السلطة والعمل السياسي للسوريين كافة دون إقصاء لأحد، والأهم مؤشرات العمل الجماعي والتعاون في مؤسسات المجتمع المدني الجديدة، وخلق ثقة متبادلة بين السوريين كافة، من خلال إيجاد آليات جديدة للحوار المجتمعي بين المكونات الاجتماعية السورية كافة، بهدف تجاوز كوارث الحقبة الأسدية، تلك هي مؤشرات رأس المال الاجتماعي السوري الفعال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق