مقالات الرأي

إيران واللعب بالنار خارج أرضها

مع توجّه الأنظار نحو إيران في ملفّي النووي، والوجود الميليشياوي الموزّع بين سورية والعراق ولبنان واليمن، شهد الملف السوري -بأزماته الكثيرة- تراجعًا ملحوظًا في سياق الأحداث الدولية، فالأزمة السورية لم تعد أزمة وطن بأكمله، كما كانت في بدايتها، بعد أن جرى تفكيكها كوحدة متكاملة في التقسيم “الأستاني” لمناطق الصراع والتهدئة، لتصل إلى حدود الشمال ساحبةً خلفها سيلًا من الملفات التفاوضية والصراعية المعلّقة، بانتظار حلّ سياسي تدور حوله اللقاءات، من دون أن يتقدم على صعيد التنفيذ.

الدخول في مجريات الحدث السوري وتقزيمه واختزاله، وتحويل الأنظار من جهة إلى أخرى، يظهر للوهلة الأولى كأننا نشاهد مسرحية متعددة الفصول، مع فارق أن ما عاشه ويعيشه السوريون هو فصل واحد في دمويّته ودماره، فهذا الواقع المضني الذي مضى عليه أكثر من ثماني سنوات لم يتغيّر، مع أن الأمور تغيّرت كثيرًا. فما كان يُسمّى ثورة تراجَع في منظور الجهات الدولية، ولم يعد متوافقًا مع التقديرات العامة للحدث السوري، ومن كانت تسمى معارضة متفقًا عليها، ويمكن التفاوض والترتيب معها، أثبتت بتشتتها أنها بعيدة من امتلاك أي ثقل على الصعيد الدولي أو الداخلي، لرسم مسار للبدايات لتحريك الشارع من جديد، بينما لم يعد النظام سيد قراره، وصار يعتمد -لحسم أيّ موقف- على داعمَين خارجيين هما (إيران وروسيا) اللتان تبدو الشراكة والتكامل بينهما غير محققة، في ظل التطورات الدولية الأخيرة، وحالة التصعيد ضد إيران والميول الروسية المعلنة نحو إخراجها من الأرض السورية.

في ظل الوضع الحالي، حيث تدخل لعبة المصالح الاقتصادية في اختبار العلاقات ومتانتها لكافة الأطراف، تتصدّر الواجهة روسيا في مراعاتها الحسابات الإقليمية، في التغاضي عن الضربات الإسرائيلية على مواقع إيران في سورية التي تشتد ضراوةً، وفي محاولتها تسخير أوجه الصراع لخدمة مصالحها، فما زالت ترى إلى الآن أن في الوجود الإيراني ضرورة لزيادة مكاسبها في سورية، ولعقد صفقات جديدة مع الأعداء والأصدقاء لإيران ومع إيران نفسها، لكن ضمن محاولة تحديد الأدوار والأهداف لكل منهما، وهو ما برز في التنافس على الجيش ودوائر القرار، وانعكس بالاقتتال بين فرق الجيش السوري التي تتبع لكل منهما، وأدى إلى مواجهات في أكثر من مكان، بلغت أشدها في منطقة سهل الغاب حيث دامت 10 أيام، بين قوات “الفرقة الرابعة والدفاع الوطني” المدعومين من إيران، وبين “الفيلق الخامس وقوات النمر” المدعومين من الجانب الروسي الذي وجّه أنظاره منذ صيف 2018 نحو إصلاح القوات العسكرية والكيانات الأخرى، من أجل إنهاء الاعتماد على إيران ووكلائها، وكذلك أصبح هناك ضباط روس يتولون مسؤولية تفتيش قواعد عسكرية للنظام.

التناقض بين روسيا وإيران، وانجذاب روسيا نحو المصالح الدولية في خروج الميليشيات الإيرانية، الذي بدا واضحًا في اللقاء الثلاثي لمستشاري الأمن القومي (الأميركي والروسي والإسرائيلي) والذي تناول الوضع السوري والوجود الإيراني كملف ضاغط، ازداد تعقيدًا مع التصريح الأخير بالنسبة إلى الرئيس الأسد ووقوفه إلى جانب إيران، فرِهان روسيا على تنازلات أميركية وإسرائيلية، مقابل احتواء الأنشطة الإيرانية، صار مهدّدًا، وخصوصًا أن أميركا تدرك التوافق الروسي الإيراني بشأن تقليص النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط.

بعد التصعيد الإيراني وتحدي أميركا، بعودتها إلى تخصيب اليورانيوم، وتجاوزها السقف المحدد لمخزوناتها من اليورانيوم المخصب، يأتي التأسّف البراغماتي الروسي بأنه لم يتبقّ لإيران خيار آخر سوى تقليص حجم التزاماتها الطوعية في إطار خطة العمل الشاملة المشتركة، بحسب نائب وزير خارجيتها سيرغى ريابكوف، وهو تصريح يخفي خلفه تزايد خشية روسيا من إمكانية التحول نحو التصعيد غير المنضبط، بين إيران و”إسرائيل”، على نحو يعرّض استقرارها للخطر، وهي التي تحاول أن تحصل على سورية آمنة تكون فيها مسيطرةً على حكومة دمشق، لفرض إجراءات معينة، في ما يخص القبول بحلّ سياسي يشرك المعارضة في الحكم، أو توفير الأرضية اللازمة لعودة اللاجئين، والأهم إقناع المجتمع الدولي في إعادة الإعمار. فضلًا عن أن التصريح الأميركي الأوّلي بزيادة تخصيب اليورانيوم أتى على لسان الرئيس ترامب، باعتبار أن إيران تلعب بالنار، ويمكن أن يشرعن ضرب إيران في أماكن تواجدها، ما يعني إشعالًا جديدًا للمنطقة سيجعل من محاولة إمساك العصا من المنتصف، بالنسبة إلى الجانب الروسي، أكثر صعوبة من قبل، ولكن الدخول بالروليت الروسية ما زال غير ممكن، إذا لم تجد ضمانات أكبر لا تخصّ سورية وحدها.

إيران -انطلاقًا من واقعها العقائدي ووهمها بتحقيق الانتصارات في العراق ولبنان واليمن وفي سورية- تظن أن من حقها تهديد العالم، لتخفيف الضغوطات عليها وللجلوس إلى طاولة مفاوضات جديدة بخصوص النووي وغيره، والعجيب أن تأتي تصريحات “الرد بدل الصاع صاعين” على لسان نائب وزير الخارجية السوري فيصل المقداد، لتثير سخرية الموالين للنظام، قبل معارضيه، فالشارع السوري بكافة انقساماته بات خارج ادعاءات محور الممانعة والمقاومة، بعد الاستهدافات المتكررة لمواقع إيرانية تتم دون تحريك ساكن، وبعد صمت المحور عن قرار ضم الجولان.

وسط لجّة التصعيد الكلامي الإيراني والاستفزازات التي تمارسها، تأتي الخشية من التصعيد لدى البعض، فإيران التي اعتادت العبث خارج حدود دولتها، لا يعنيها فتح أبواب جحيم جديد على رؤوس السوريين، الذين يرون -بعد ما مرّوا فيه من ويلات- أن التصعيد من أي طرف على الأرض السورية هو رفع لبطاقة موت وتوجّه نحو قتل من تبقى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق