مقالات الرأي

عقلية الإرث البيزنطي للسياسة الروسية في سورية

تعدّ روسيا البوتينية نفسَها وريثة بيزنطة والإمبراطورية الرومانية الشرقية، فقد أولت روسيا اهتمامًا خاصًا بالمشرق العربي، ولا سيما بلاد الشام، منذ عصر بيتر الأكبر أذلي الذي كان يرغب في الوصول إلى البحار الدافئة حتى اليوم، من خلال “اللعبة الكبيرة” في القرن التاسع عشر والحقبة السوفيتية، إذ سافر العملاء والجواسيس الروس دائمًا، و”عملوا” في أراضي بلاد الشام.

بالمقابل، يُجمع المثقفون الغربيون، سواء ذوو النوايا الحسنة تجاه الروس أم من لديهم هواجس “الروس فوبيا”، على أن بوتين مجرد مستبد على رأس دولةٍ، تم تفعيلها من خلال الإيمان واستخدام الدين والوطنية الروسية، وبالنسبة إليهم فإن بوتين ليس سوى قيصر جديد لا يرحم، وأنه مجرد متسلل إلى سورية التي يتوق من خلالها إلى فتوحات إقليمية وتجارية.

ما زال الروس -كما ذكر العالم الجغرافي الفرنسي لوران شالار- يحشرون أنوفهم على امتداد خارطة الكوكب، ووصفهم بـ “الكوكبيون”، فلديهم مرافق لغوية بارزة، عندما كانوا سوفييت وقياصرة، ويتعلمون العالم كما هو، من دون أيديولوجيا أو عقيدة، وقد درسوا سورية منذ معهد الدراسات الشرقية الذي أنشئ في القرن الثامن عشر، ومعهد موسكو الحكومي للعلاقات الدولية، والأكاديمية العسكرية للقوات المسلحة التابعة للاتحاد الروسي، ومن خلالها يتم تدريب نخبة القادة الروس، وهم في الغالب مستشرقون، مثل يفغيني بريماكوف، ووزير الخارجية الحالي لافروف.

في الوقت الذي يتعامل فيه هؤلاء الخبراء الروس مع العالم العربي على أساس كتلة متجانسة، وأن الإسلام السياسي هو إسلام دولي جديد، قاموا بتغذية عقلية “العرب المضطهدين”، “جميع العرب ملعونون على الأرض”، وإثارة حماستهم ومساعدتهم في الوقوف ضد الرجل الغربي الأبيض الشرير، أو المستوطن الإسرائيلي، أو الديكتاتور الفظيع.

الغريب أن الخبراء ذاتهم كانوا الأكثر حماسًا للربيع العربي في بداياته عام 2011، وكان المؤكد في هذا الربيع اكتساحه للديكتاتوريات العربية، وأنه سيؤسس لديمقراطية في كل مكان بالعالم العربي، بل وصل بعض الخبراء الروس إلى القول كل أسبوع بالسقوط الوشيك لبشار الأسد، رمز الشر في سورية، وأن روسيا ستواجه “أفغانستان جديدة” منذ مشاركتها في الحرب السورية في خريف 2015.

تصل نسبة المسلمين في روسيا إلى 15 بالمئة من السكان، ولديها حدود طولها 2500 كم مع دول إسلامية، وتعتبر نفسها أنها الأقرب للعالم العربي والإسلامي من الغرب، وأن لديها تاريخًا قديمًا جدًا مع الإسلام، منذ ما يقرب من 1300 عام، في مناطق معينة مثل شمال القوقاز والأورال والفولغا، وأنها تفهم هذا “الشرق المعقد”، لعقليتها الشرقية القادمة من إرثها البيزنطي، ولديها تطلعاتها القديمة المتجددة في استعادة هذا الإرث، فسورية بالنسبة إليها مركز هذا الإرث وبوابتها، وطريق عودتها على الساحة الدولية، بعد سنوات من حالة “الدبّ النائم” منذ انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1989، وتحاول إظهار نفسها “قاضي سلام” حقيقي في الشرق الأوسط، وأنها محاور مميز لجميع العناصر الفاعلة التي تعتبرها مهمة بالمنطقة، مثل “إسرائيل” وإيران، وتركيا والسعودية ومصر.

تحاول روسيا أن تبدي تماسكها ووضوح سياستها، فهي فعليًا تدخلت لمصلحة الثورة المضادة، القائمة على أساس الذهنية البيزنطية، فأعلنت في بداية تدخلها في سورية أنها تحارب الإرهاب، فهاجمت الجيش الحر المعتدل، بحسب التصنيف الغربي، والحليف بشكل أو بآخر للغرب، والدول العربية الداعمة له. وتركت للأميركيين وحلفائها محاربة (داعش). فدعمت ذنب كلبها نظام الأسد، كما وصفه أحد الخبراء الروس أنفسهم، فتارة تقايض عليه، وتارة تفاوض عليه، وتارة أخرى تسرب صور إهانته، في عقلية روسية شطرنجية.

اللعبة الروسية على حبال الشرق الأوسط لا تتوقف، فبعد فشل أستانا وسقوط سوتشي أخيرًا، بعد دخولها سياسة الأرض المحروقة في إدلب، نتيجة خسائر جنودها على الأرض، التي ذكّرت المحللين الروس بالمشهد الأفغاني ثمانينيات القرن الماضي، وتهديد قاعدتها باللاذقية حميميم، بشكل يكاد لا يتوقف، تحاول بالمقابل التخلي عن كلّ من تركيا وإيران، وبالأحرى بيع كل من تركيا وإيران، لمصلحة صفقة مع الولايات المتحدة الأميركية و”إسرائيل”، في اجتماع القدس.

ولكن ينسى العالم أو يتناسى الدمى الروسية الشهيرة ماتريوشكا، فالدمية الأكبر تحتوي الدمية الأصغر، التي جسدت الشعب الروسي، وقد انتقل هذا الفن القديم من الإمبراطورية البيزنطية، وتبقى القضية الفصل في صانع هذه الدمى ومهارة الخرّاط الذي صممها، وكيف يوزع الأدوار والأحجام، والألوان والشخصيات، ولكن ألوان تلك الدمى معظمها، إن لم يكن جميعها، باتت باهتة مع استمرار نزيف الدم السوري.

وروسيا أخذت من إرثها أيضًا “الجدل البيزنطي” العبثي، الذي لا يعني بالضرورة كسب الوقت، أو حسابات عقائدية تكاد توصف بالمأفونة، كالعقلية الفارسية الشيعية المريضة بقدوم المهدي المنتظر.

شاركت روسيا القيصرية في صياغة سايكس بيكو عام 1916، لتقاسم الكعكة الشامية على أنقاض الدولة العثمانية، لكن الثورة البلشفية قامت بفضحها آنذاك، بعد أكثر من 150 عامًا على مخططات روسيا في بلاد الشام، وتدخل الروس سابقًا في أحداث 1860 أو كما كانت تسمى “طوشة الستين”، وكانت قد هيأت للصهيونية والوكالة اليهودية، عبر جواسيسها المشهورين في القرن التاسع عشر، وطالما افتقر الروس إلى موانئ دافئة، فجميع موانئها تتجمد طوال العام، وطالما شعرت بخطر الغرب الذي يحاصرها، والذي غزاها مرتين، مرة نابليون بونابرت ومرة أخرى هتلر، وطالما شعرت بأن خلاصها ومفتاحها للعالم هو سورية، ضحية العقلية الروسية البيزنطية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق