ترجماتسلايدر

ضحايا الحرب الوحشية الأبرياء، ما يزال من الممكن إنقاذ “الجيل الضائع” في سورية

في إدلب، سورية، حيث تُدمر القوات السورية والروسية القرى والمشافي بلا رحمة، يُظهر الأطفال الذين نزحوا عدة مرات علامات ضائقة نفسية اجتماعية شديدة، يبكون ويصرخون وهم يشاهدون عالمهم ينهار مرة أخرى أمام أعينهم. إلى الشمال الشرقي، يضم مخيم الهول 43,500 طفل دون سن الثانية عشرة، 480 منهم وحيدون من دون ذويهم. بعد أن وُلدوا في ظروف من العنف الشديد والصدمة تحت حكم الدولة الإسلامية (داعش)، لا يزال الأطفال يفتقرون الآن إلى الوصول المنتظم إلى أبسط أنواع الرعاية الصحية والتعليم، ويتألمون نتيجة للظروف القاسية، بانتظار أن تقرر بلدانهم الأم استعادتهم.

في منطقة سنجار الشمالية الغربية، الأطفال المولودون نتيجة لاغتصاب عناصر داعش المنهجي لنساء إيزيديات، غيرُ مرحب بهم في المجتمع بموجب حكمٍ ديني. إلى الجنوب، في مخيم الركبان بالقرب من الحدود الأردنية، هناك 27 ألف سوري مشرد، كثير منهم من الأطفال، يعانون الجوع والمرض، معزولين عن العالم من حولهم. في هذه الأثناء، بدأ الآلاف من الأطفال في عرسال، لبنان، يفقدون منازلهم في الوقت الذي تنفذ فيه الحكومة اللبنانية مرسومًا عسكريًا يطالب بهدم المباني الخرسانية التي يزيد ارتفاعها عن متر واحد (3,3 أقدام) لتجنب إنشاء مجتمعات دائمة للاجئين، وتكرار التجربة الفلسطينية في لبنان.

في حربٍ بشعةٍ مزّقت بلدًا وزعزعت استقرار منطقة كاملة، ربما تكون الطفولة المدمرة والمستقبل الغامض للأطفال الأبرياء هما من أكثر العواقب المدمرة. ولكن على عكس النتائج الأخرى للحرب، يمكن التخفيف من آثار هذه النتيجة، إذا تمكن المجتمع من أن يحشد الإرادة السياسية للتصرف.

سببت الحرب في سورية واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في عصرنا. أرقام 2019 مذهلة: 5,6 مليون لاجئ مسجل؛ و6,2 مليون شخص نزحوا داخليًا؛ و700 ألف طفل خارج المدرسة في المنطقة. ترافقت موجات النزوح الضخمة، مع البراميل المتفجرة العشوائية والتعذيب والاغتصاب والإعدام الجماعي والهجمات الكيمياوية التي سرقت حياة الأطفال أثناء نومهم.

هذه الأهوال التي لا تُوصف هي أمرٌ يصعب على أي شخص تحمّله، فضلًا عن طفل لم يطور بعد آليات المرونة والصمود اللازمتين للتغلب على رضات الحرب النفسية. جويل باسول، المتحدثة باسم منظمة إنقاذ الطفولة في الشرق الأوسط، قالت لي: “عندما تكون في الخامسة أو السادسة من العمر، وتجد نفسك في الشارع، ستحمل هذه الذكريات إلى الأبد”. على عكس البالغين، فإن الأطفال المتأثرين بالحرب سيكونون -إلى حد بعيد- هم من يشكلون مستقبل بلدهم. من خلال حرمانهم من فرصة التطور والتعلم والنمو في بيئة آمنة، فإننا نحرم أيضًا أمة بأكملها من فرصة تجميع نفسها معًا مدة طويلة بعد رحيل نظام الأسد. أخبرني صبيّ سوري يبلغ من العمر ستة عشر عامًا في مخيم الزعتري للاجئين في الأردن، عندما سألته عمّا يريد نقله إلى جمهور غربي 2015: “هذا ليس عدلًا. تتوقعون منا أن نعود ونعيد بناء البلد، لكنكم لا تمنحونا أيًا من الأدوات التي سنحتاج إليها”.

على الرغم من وجود عدد لا يُحصى من التحديات التي تواجه الأطفال المتأثرين بالصراع السوري، ما يزال بإمكاننا تفادي معظمها أو الوقاية منها، إذا أرادت جميع البلدان صاحبة المصلحة أن تحشد الإرادة السياسية للقيام بدورها.

في لبنان، رغم الترحيب في البداية، وجد المسؤولون الحكوميون أن من المناسب، سياسيًا، استخدام السوريين كبش فداء لعيوبهم؛ ملقين اللوم بكل شيء عليهم من الاقتصاد المترنح إلى الجريمة. ومع ذلك، فإن تصرفات الحكومة اللبنانية الأخيرة قد انعطفت نحو الترهيب الصريح، مما يجبر اللاجئين على العودة إلى سورية، على الرغم من المخاطر التي تنتظرهم في كثير من الأحيان. يجب على الحكومة اللبنانية أن تتراجع عن الخطاب العدائي ضد اللاجئين السوريين، وأن تمتنع عن محاولة إجبار اللاجئين، وخاصة أولئك الذين لديهم أطفال صغار، على العودة إلى سورية قبل الأوان وتحت الإكراه. إن الفشل في القيام بذلك يخاطر بتفاقم المشاكل ذاتها التي يزعمون أن اللاجئون يسببونها؛ وتحديدًا تعميق الانقسامات بين المقيمين السوريين واللبنانيين، والمجازفة بالهجمات المنتظمة بين الطرفين، وتمكين التطرف بين الشعبين، مما يؤدي إلى حلقة مفرغة من الكراهية والتجرد من الصفات البشرية.

في مخيم الركبان، تمتلك حكومات روسيا والأردن والولايات المتحدة موقعًا فريدًا، لجعل الحياة أكثر احتمالًا نوعًا ما، بالنسبة إلى أولئك الذين يعيشون داخل المخيم. من الواضح أن نظام الأسد يتحمل أكبر قدر من المسؤولية، من خلال عدم السماح بالعودة الآمنة للنازحين إلى ديارهم الأصلية، حيث لا يسمح أيضًا بالمساعدة الإنسانية للوصول إلى المخيم. روسيا مسؤولة بنفس القدر، لأنها ترفض الضغط على النظام السوري لتغيير موقفه. اختارت الولايات المتحدة، التي لديها قوات متمركزة في قاعدة التنف القريبة، حتى الآن عدم التورط أو المساعدة على وصول المساعدات الإنسانية إلى المخيم.

كان الأردنيون، الذين يستضيفون أكثر من مليون سوري مشرد، قد سمحوا في السابق بوصول المساعدة إلى المخيم، لكنهم أغلقوا الحدود بعد هجوم إرهابي متعمد أسفر عن مقتل ستة جنود أردنيين وإصابة 14 آخرين. ومن خلال عدم السماح بالمساعدة للوصول إلى المخيم من أراضيه، فإن الأردن، مثل الولايات المتحدة وروسيا، يساهم تمامًا في معاناة اللاجئين، بينما ينتظرون حلًا أكثر ديمومة. لذلك ينبغي أن يسمح بوصول المساعدات إلى المخيم، بما في ذلك الدعم النفسي والاجتماعي لأطفال مخيم الركبان، إلى أن يتم التوصل إلى حل سياسي مع النظام.

في مخيم الهول، يُعدّ غياب المساءلة من قبل الدول الغربية تجاه مواطنيها المحتجزين هناك مشكلة كبيرة. إن قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، المسؤولة حاليًا عن الاحتجاز غير الطوعي للأفراد في الهول، تتحدث بصوت عالٍ في مطالبة الدول الغربية باستعادة مواطنيها أو وضع خطة لكيفية التعامل معهم. كما هي الحال، فإن قوات سوريا الديمقراطية ليس لديها التفويض القانوني ولا القدرة المادية لمواصلة احتجاز الأشخاص في الأراضي التي تسيطر عليها.

إن الاقتراح السويدي الأخير بعقد محكمة دولية في سورية مقبول، وله مبرراته، لكن الطريق إلى المحكمة سيكون محفوفًا بالصعوبات والتعقيدات ولا يلبي الاحتياجات العاجلة للأطفال المصابين برضاتٍ نفسية في المخيم. ينبغي إرسال بعثة تقصي الحقائق التابعة للاتحاد الأوروبي إلى مخيم الهول في أقرب وقت ممكن، للتحدث مع مسؤولي المخيم عن احتياجات الأطفال على المدى الطويل وكيفية معالجتها. وينبغي أن يشمل ذلك إعادة الأطفال الأوروبيين إلى أوطانهم أو بلدان والديهم.

أخيرًا، يجب على جميع البلدان زيادة أعداد من يوطّنونهم، خاصة بالنسبة إلى أصغر وأضعف الضحايا السوريين. في سورية وحدها، تُقدّر (يونيسف) أن هناك ما يقرب من 48 ألف طفل ينتمي آباؤهم لـ (داعش)، بما في ذلك 2,500 طفل أجنبي عديمي الجنسية على ما يبدو. أولئك الذين تمكنوا من الوصول إلى المخيمات وصفوا الظروف بأنها بائسة ومهددة لحياتهم. تقتصر معظم المساعدات الخارجية على القوت الأساسي المنقذ من الموت، مع تخصيص موارد قليلة أو معدومة لمعالجة احتمالات التطرف بين سكان المخيم. إذا تركنا الناس في المخيمات، فهناك فرصة كبيرة لأن يجد أولئك الذين يحملون وجهات نظر متطرفة فرصة كبيرة لنشر أيديولوجيتهم بين الأطفال المعرضين للخطر، مما يخلق حلقة مفرغة حيث طالما تتجاهلهم الحكومات، كلما كانت إعادة إدماجهم أكثر صعوبة في بلدانهم.

على الرغم من كل هذا، ويرجع ذلك جزئيًا إلى ضغوط سياسية داخلية مكثفة، فإن الدول في الغرب قد أخفقت باستمرار في الوفاء بالتزاماتها المتعلقة بإعادة التوطين. يجب أن يتغير هذا، بدءًا من الأيتام، خاصة أولئك الذين لديهم عائلات في أوروبا مستعدة لاستقبالهم.

لا يمكن للمجتمع الدولي أن يستمر في التخلي عن مسؤولياته تجاه الشباب ضحايا الحرب. لا يزال من الممكن إنقاذ جيل سورية الضائع.

اسم المقالة الأصلي Innocent Victims of a Brutal War, Syria’s “Lost Generation” Can Still be Saved
الكاتب ياسمين الجمل،Jasmine El- Gamal
مكان النشر وتاريخه المجلس الأطلسي، The Atlantic Council، 2/7
رابط المقالة https://www.atlanticcouncil.org/blogs/syriasource/innocent-victims-of-a-brutal-war-syria-s-lost-generation-can-still-be-saved
عدد الكلمات 1106
ترجمة وحدة الترجمة والتعريب/ أحمد عيشة

صورة الغلاف: أطفال سوريون نازحون من عائلة الأحمد يقفون في بستان/ كرم زيتون في بلدة أطمة، إدلب، سورية، 16 أيار/ مايو 2019. رويترز/ خليل عشاوي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق