مقالات الرأي

في الحاجة إلى مؤسسات الثورة

ثمة قناعة، لدى الرأي العام اليوم، بأن الحديث عن مؤسسات الثورة السورية، مثل الائتلاف الوطني، والحكومة المؤقتة، وهيئة التفاوض، أضحى مضيعة للوقت، وفرصة للتندر والحديث السلبي عنها، دون أن نذهب إلى التفكير جديًّا بأحوال وظروف تلك المؤسسات وغيرها. غير أن أحدًا في الواقع لا يتجنى عليها، فقد أهدرت الوقت والمال، والتضحيات الجسام التي بذلها السوريون على طريق الحرية، دون أن نتلمس أي تأثير للائتلاف الوطني والحكومة المؤقتة، ومن قبلهما المجلس الوطني. وإن أردنا أن نكون منصفين بعض الشيء، وموضوعيين، فيجب أن نشير إلى أن شلل هذه المؤسسات نابعٌ -بدرجة أساسية- من مواقف وإجراءات دولية وتجاذبات إقليمية حادة. ولكن ثمة أسباب أخرى أيضًا يجب علينا عدم إغفالها، منها ما يتصل بالمسألة التنظيمية والإدارية، ومنها ما يتعلق بالاستراتيجيات التي يُفترض أن تلك المؤسسات قد وضعتها وعملت على تطبيقها، بما يخدم أهداف السوريين المعارضين للنظام السوري.

بعد قرابة سبعة أعوام على تأسيس الائتلاف (2012) كضرورة لبناء مؤسسة تؤطر نضال قوى الثورة السورية، وفي الوقت نفسه، تقود إلى الخروج من أزمة المجلس الوطني، ما زلنا ندور في الحلقة المفرغة ذاتها؛ حيث إن إشكالات “التنظيم والإدارة” لم تزل قائمة، يضاف إليها غياب أسس العمل الجماعي، عبر مختلف فرق “الرئاسات” التي تولت إدارة المؤسسة العليا “الجامعة” لقوى الثورة السورية. فمسيرة الائتلاف الوطني، منذ التأسيس حتى اليوم -على الرغم من وجود محطات إيجابية- هي في المحصلة العامة، من وجهة نظري، ليست إيجابية، إذ ليس ثمة ما يمكن أن يُشار إليه بالبنان، كسِمَةٍ إيجابيةٍ دالّة على قيمته وعمله.

ومنذ ما يزيد على ثلاث سنوات، لعبت عدّة عوامل رئيسة دورًا مهمًا في إضعاف الائتلاف الوطني، من أهمها التدخل العسكري الروسي المباشر في سورية، والخلاف البيني الخليجي، والخلاف السعودي – التركي، وأخيرًا وصول ترامب إلى البيت الأبيض، والذي تعزز معه استحواذ موسكو على الملف الروسي، على حساب صيغة جنيف. فقد أضحى مجرد جهاز إداري غير ذي فاعلية على أيٍّ من مسارات المعارضة السورية. وشهدت هذه المرحلة انتفاء دوره كمرجعية سياسية موحدة للمعارضة السورية، خاصة بعد تشكيل هيئة المفاوضات، والتقلبات التي شهدتها إثر مؤتمرها الثاني في الرياض، تشرين الثاني/ نوفمبر 2017 لتشهد المرحلة اللاحقة تنازعًا غير خفي في اختصاص تمثيل المعارضة السورية، واختلافات في شأن مسألة الإشراف والتبعية فيما بينهما. أدى ذلك إلى شلل الائتلاف، ثم إلى إصابة الهيئة العليا للمفاوضات بالضعف والهزال، الذي نشهده اليوم.

في مؤتمر الرياض 2، كانت هناك فرصة مهمة لتدارك الإشكالات، والانطلاق نحو عمل مؤسساتي جديد للمعارضة السورية، عبر دراسات وأفكار وأوراق عمل قُدّمت إلى المؤتمر، لكن انقلابًا داخليًا أفسد كل شيء!

مسألتان أخريان، شكلتا عقبة كأداءَ أمام قيام مؤسسات المعارضة بمهامها، كما يجب، أو يُفترض. هما تبعية وولاء مكونات الائتلاف الوطني “مستقلين وقوى وتيارات”، وبالتالي تعطل مؤسسة الائتلاف عن العمل، نتيجة للتقاطعات في المصالح، والتجاذبات السياسية المتباينة، وارتباط ذلك بعلاقات الدول الإقليمية والدولية، ولا سيّما دور الولايات المتحدة، وتأثيرات البيت الأبيض المباشرة، على سياسات الدول الإقليمية المنخرطة بالقضية السورية، وهو العامل الثاني، الذي يمكن اختصاره بالقول: إن موقف واشنطن من التعامل مع مؤسسات المعارضة السورية ما يزال خارج أولوياتها، بشكل أو بآخر، حتى اليوم. ونضيف أن سياسات ترامب تكرّس ذلك، بما تقدمه من دعم للدور الروسي، من ناحية، ولعدم وجود استراتيجية واضحة ومحددة حيال الوضع السوري، بصورة متكاملة.

على صعيد مجتمع الثورة، فإن مشكلات الائتلاف الوطني الداخلية كانت عاملًا جوهريًا في هشاشته، وفي موته السريري، إن جاز التعبير. خلافات على كل المستويات، ظاهرة للعلن، مترافقة مع تفشي فسادٍ إداري ومالي، وغياب لآليات المساءلة والمحاسبة والمراجعة. وكذلك العجز عن اتخاذ المواقف الملائمة في الأوقات المناسبة، في ما يتصل بتطورات الأوضاع على الأرض، وفي ملفات التفاوض واللاجئين والمعتقلين، ومقاضاة نظام الأسد.

ينسحب ذلك القول على جملة المؤسسات المرتبطة بالائتلاف الوطني، الحكومة المؤقتة بصورة أساسية. فهي لم تستطع بسط سلطاتها على أي منطقة إدارية من المناطق المحررة، ومردّ ذلك إلى أمرين هما سلطة الفصائل والقوى المسلحة، وغياب الخبرة، فذهبت كل مشروعاتها وبرامجها، وقدراتها المادية، أدراج الرياح.

يمكننا أن نطرح سؤالًا في غاية الأهمية، ليكن في معرض استطلاع للرأي العام، والإجابة عنه ستكون بالغة الدلالة في كل الأحوال: ماذا لو ألغي الائتلاف، والحكومة المؤقتة، والمجلس الوطني، وهيئة التفاوض؟! هل سيترك ذلك فراغًا في الحياة السورية، وما التأثيرات التي سوف تطال السوريين في الداخل والشتات؟ وما مدى انعكاس ذلك على الثورة السورية؟!

بلا شك، لا زلنا نؤمن بأهمية وجود مؤسسات المعارضة، ولكن إحداث التغيير الجوهري شرط واجبٌ للنهوض بها، ويبدأ ذلك في إعادة النظر في مؤسستي الائتلاف وهيئة التفاوض، وإدماجهما معًا، وإلغاء المجلس الوطني، وفي إلغاء الحكومة المؤقتة، وإسناد ما تبقى من مهامها، إلى هيئة تنفيذية محددة المهام والمسؤوليات، لا تُستنزف فيها الموارد المالية المحدودة، كما يحدث اليوم. وأن يطال التغيير إعادة اختيار أعضاء جدد. وقد وصلت حال الائتلاف إلى درجة يستحيل فيها الإصلاح، مع إعادة تدوير الهيئة السياسية، ورئاسة الائتلاف، في صورة تعكس إخفاقًا شاملًا، وجدبًا عميمًا في عدم المقدرة على إنتاج قيادة حقيقية ونوعية للمعارضة السورية، تكتسب احترام السوريين، قبل القوى الدولية.

إن وضع العطالة -كحالة مرضية- ينسجم تمامًا مع اشتداد الهجمة الروسية – الأسدية – الإيرانية، بمباركة دولية، ولا دليل على ذلك كتهميش المعارضة السورية، في اللقاءات والملتقيات والمباحثات الدولية التي تجري حول الوضع السوري.

ما دام الوضع كذلك، منذ سنوات عدة، فإن السؤال الذي يطرح نفسه: كيف يقبل أعضاء الائتلاف على أنفسهم أن يكونوا جزءًا من هذه العطالة، وأدوات في صناعة هذا الفشل المريع.. وإذا كانت المراجعة والمحاسبة غير موجودة، فأين هي مسؤولياتهم أمام تضحيات السوريين؟!

إن استمرار الحال، كما هي عليه: حرب إبادة منظمة، في ظل عجز “النخبة” السياسية والثقافية السورية عن إحداث التغيير النوعي على صعيد مؤسسات المعارضة، لا يُبشر باقتراب فجر الخلاص!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق