تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

المرشد الإيراني معاقبًا

في الآونة الأخيرة، فرضت الولايات المتحدة الأميركية عقوبات جديدة بحق المرشد الإيراني علي خامنئي، كردة فعل على إسقاط إيران للطائرة الأميركية المسيّرة، الأمر الذي عدّته إيران إغلاقًا لطريق التفاوض. وقد صرّح حسن روحاني منتقدًا بشدة هذه العقوبات، زاعمًا أن المرشد الإيراني لا يمتلك سوى بيت واحد وحسينية. ويبدو من ردة الفعل الإيرانية الغاضبة أن الأهمية السياسية والرمزية، للعقوبات التي فُرضت بحق المرشد الإيراني، تتجاوز عواقبها ونتائجها الاقتصادية.

معاقبة المرشد الإيراني خطوة جدية في طريق تغيير النظام

منذ اليوم الأول لقدوم حكومة ترامب للبيت الأبيض، كان موضوع “تغيير النظام” مطروحًا على الطاولة. وعلى الرغم من إنكار وزارة الخارجية الأميركية لموضوع “تغيير النظام” عدة مرات، واكتفائها بالحديث عن موضوع “تغيير سلوك النظام” فقط، فإن كل ما تم تطبيقه من عقوبات مميتة ضد طهران حتى اليوم، وكذلك الشروط الاثني عشر لوزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، لا يمكن فهمها إلا في سياق “وجود نيّة حقيقية” لدى الإدارة الأميركية بتغيير هذا النظام.

إن معاقبة شخص المرشد الإيراني، وكل المؤسسات والمكاتب التابعة له، يمكن عدّه خطوة جدية في طريق تغيير النظام الإيراني. فمكتب المرشد الإيراني عبارة عن حكومة مستقلة بحد ذاته، فضلًا عن أنه أكبر متربح من بيع النفط الإيراني. إن معاقبة مكتب خامنئي تعني معاقبة أكبر المؤسسات الاقتصادية الإيرانية التابعة له، وتصل إيراداتها السنوية إلى مليارات الدولارات، ومن بين هذه المؤسسات: مؤسسة قدس رضوي، ولجنة الإغاثة والإمداد، مؤسسة بركت، منظمة الأوقاف، مؤسسة علوي، منظمة الدعايات الإسلامية، هيئة تنفيذ أوامر الإمام، المؤسسة الاقتصادية كوثر، والمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب… وغيرها من مئات المؤسسات التابعة لخامنئي.

هذه المؤسسات والمنظمات، التي تدرّ سنويًا مليارات الدولارات، هي العمود الفقري لحكومة الظل الإيرانية التي يرأسها المرشد الإيراني، ومن خلالها استطاع خامنئي المشاركة في عمليات غسيل الأموال على نطاق واسع، ودعم “حزب الله” اللبناني وبقية الميليشيات الطائفية في المنطقة.

إن معاقبة المرشد الإيراني ووزير الخارجية الإيراني جواد ظريف -كخطوة قادمة- كما صرحت الحكومة الأميركية، تغلق فعليًا الطريق الدبلوماسي، وتجعل من موضوع “المفاوضات بدون قيد أو شرط” أمرًا لا معنى له. فالشخص الذي يجب أن يجري المفاوضات، أي جواد ظريف، معاقب، وكذلك الشخص الذي يمسك بيده جميع أدوات السياسة الخارجية الإيرانية، أي خامنئي، معاقب أيضًا. وفي الخطوة التالية، ما على الحكومة الأميركية إلا انتظار سماع أصوات تكسر عظام الاقتصاد الإيراني، أو أصوات جحافل جيش الجوعى في داخل إيران.

تقييد نفوذ المرشد الإيراني

ليس من المؤكد بعد، هل سيتم تطبيق العقوبات المفروضة من قبل وزارة الخارجية الأميركية ضد خامنئي ومؤسساته وحكومة ظله، تدريجيًا، أم دفعة واحدة. لكن من الممكن، إذا لزم الأمر، أن تشمل تلك العقوبات كل مؤسسات النظام، وأن تمتد نحو المجالات الدينية، كمعاقبة خطباء الجمعة الذين يعيّنهم خامنئي شخصيًا، وأئمة الحوزات والمؤسسات والجامعات الشيعية الإيرانية الناشطة في داخل وخارج إيران.

إن دعم ومساعدة ما يسمى في إيران “حركات التحرر” (أي الميليشيات الطائفية المدعومة إيرانيًا في المنطقة)، وعملاء الجمهورية الإسلامية والحرس الثوري في خارج إيران، غالبًا ما يتم عن طريق مؤسسات المرشد الإيراني. وإضافة إلى ذلك، يمكن أن تشمل العقوبات أيضًا، الميزانية المالية الضخمة المخصصة من قبل مؤسسات المرشد الإيراني لدعم ما يسمى بـ “الدعايات الدينية والثقافية” للجمهورية الإسلامية في العالم.

جامعة (المصطفى) العالمية، والحوزات الشيعية في النجف وممثلي خامنئي في بقية أنحاء العالم، جميعهم يمكن أن يكونوا هدفًا لهذه العقوبات. وفي حال تطبيق تلك العقوبات بشكل فعلي وشامل، فإن نفوذ خامنئي، داخل إيران وخارجها، وبخاصة في العالم الإسلامي ومجالات نشر التشيع، سيصبح مقيدًا ومحدودًا للغاية، الأمر الذي لن يكون تقبله سهلًا بالنسبة إلى خامنئي أبدًا.

معاقبة المرشد تعني معاقبة الاقتصاد الإيراني

إن معاقبة المرشد الإيراني علامة واضحة على تصاعد التوتر بين البيت الأبيض والنظام الإيراني، وطبعًا سيكون لهذا التوتر جوانب مختلفة، ونتائج سلبية كبيرة على الاقتصاد الإيراني المنهار أساسًا نتيجة العقوبات. حيث إن ازدياد التوتر السياسي بين الطرفين يعني انعدام الأمن والاستقرار من النواحي الاقتصادية، وبالتالي سيكون له تأثير سلبي على معدل الاستثمار داخل إيران، وسيؤدي حتمًا إلى انخفاض رغبة الشركات التجارية الإيرانية في التصدير والاستيراد من وإلى إيران. كما أن فرار الاستثمار المالي إلى خارج إيران بلا رجعة، وانخفاض معدل الصادرات غير النفطية، أو هجرة الاستثمار والمستثمرين إلى خارج إيران، هو من بين نتائج تصاعد التوتر بين حكومة البلدين.

معاقبة الحلقة الضيقة ودائرة المقربين وكبار المسؤولين

إن منصب المرشد الإيراني هو أعلى منصب في إيران، فهو يتدخل في جميع أمور وشؤون البلاد، وله دور أساسي في جميع الأزمات الداخلية والخارجية. فمن جهة، يتم تنفيذ سياسة القمع الداخلي وانتهاك حقوق الإنسان في إيران، من قبل أجهزة مثل: السلطة القضائية وأجهزة الشرطة والمؤسسات الأمنية القمعية، التي يجري تعيين جميع مرؤوسيها من قبل المرشد الإيراني. ومن جهة أخرى، فإن المؤسسات والشخصيات المعنية بتنفيذ سياسة تصدير الإرهاب والفوضى لخارج حدود إيران (كالحرس الثوري الإيراني وفيلق القدس الإرهابي)، تتبع بشكل مباشر لخامنئي، ويجري انتخاب قادتها العسكريين وتعيينهم أيضًا من قبل المرشد الإيراني حصرًا.

في خضم ذلك، إذا تم تنفيذ هذه العقوبات بشكل عملي وهادف؛ فمن الطبيعي أن تشمل حلقة المرشد الضيقة والمقريين منه، وكل من تم تعيينه بقرار من المرشد الإيراني.

إن فرض عقوبات بحق المرشد الإيراني وموظفي مكتبه والمؤسسات التي تأتمر بأمره، له تأثير وأهمية نفسية كبيرة، ويعدّ ضربة مباشرة لعلي خامنئي، الذي وضع نفسه في مكان رئيس السلطة التنفيذية في إيران.

وإن إعمال الحكومة الأميركية لسياسة الضغط القصوى في تعاملها مع النظام الإيراني، وإعلانها استعدادها للتفاوض مع النظام الإيراني في نفس الوقت، يتشابه كثيرًا مع سياسة “العصا والجزرة”، التي تهدف من خلالها الولايات المتحدة إلى وضع النظام الإيراني في عنق الزجاجة، وإجباره على التفاوض ضمن الشروط الأميركية. في مقابل ذلك، فشلت السياسة الإيرانية القائمة على تطبيق مبدأ “الضغط مقابل الضغط”، وفشلت معها مبادرة (شينزو آبه)، رئيس الوزراء الياباني، التي كانت تمثل فرصة للمرشد الإيراني المعاقب لإخراج إيران من هذا المأزق.

إن الظروف الحالية التي يمر بها النظام الإيراني اليوم تتشابه كثيرًا مع الظروف التي كان الاتحاد السوفيتي عالقًا بها في الأعوام الممتدة ما بين 1985 و1989، حيث شهدنا انسحابًا تدريجيًا له من أفريقيا وأميركا اللاتينية، وقطع دعمه ومساعدته لدول حلف وارسو، قبل الانهيار الكامل للنظام الحاكم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق